مبادىء المحكمة الدستورية العليا بموجب الحكم الصادر فى الدعوى رقم 6 لسنة 15 قضائية “دستورية ” عن حرية التعبير

– إن حرية التعبير ذاتها تفقد قيمتها إذا جحد المشرع حق من يلوذون بها فى الاجتماع المنظم • وحجب بذلك تبادل الآراء فى دائرة أعرض ، بما يحول دون تفاعلها وتصحيح بعضها البعض ، ويعطل تدفق الحقائق التى تتصل باتخاذ القرار ، ويعوق انسياب روافد تشكيل الشخصية الإنسانية التى لايمكن تنميتها إلا فى شكل من أشكال الاجتماع •
– وحيث إن ماتوخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير ، هو أن يكون التماس الآراء والأفكار وتلقيها عن الغير ونقلها اليه ، غير مقيد بالحدود الإقليمية عليه اختلافها ، ولامنحصر فى مصادرة بذواتها تعد من قنواتها ، بل قصد أن تترامي آفاتها ، وأن تتعدد مواردها وأدواتها ، وأن تنفتح مسالكها ، وتفيض منابعها .
– وحيث إن ضمان الدستور – بنص المادة 47 منه – لحرية التعبير عن الآراء ، والتمكين من عرضها ونشرها سواء بالقول أو بالتصوير أو بطباعتها أو بتدوينها وغير ذلك من وسائل التعبير ، قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التى لايتم الحوار المفتوح إلا فى نطاقها • وبدونها تفقد حرية الاجتماع مغزاها ، ولاتكون لها من فائدة • وبها يكون الأفراد أحرارا لايتهيبون موقفا ، ولايترددون وجلا ، ولا ينتصفون لغير الحق طريقا .
– وحيث إن حرية التعبير التى تؤمنها المادة 47 من الدستور ، أبلغ ماتكون أثراً فى مجال اتصالها بالشئون العامة ، وعرض أوضاعها تبياناً لنواحي التقصير فيها ، وتقويما لإعوجاجها ، وكان حق الفرد فى التعبير عن الآراء التى يريد إعلانها ، ليس معلقا عليه صحتها ، ولامرتبطا بتمشيها مع الاتجاه العام فى بيئة بذاتها ، ولا بالفائدة العملية التى يمكن أن تنتجها • وإنما أراد الدستور بضمان حرية التعبير أن تهيمن مفاهيمها عليه مظاهر الحياة فى أعماق منابتها ، بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها علي العقل العام ، فلا تكون معاييرها مرجعاً لتقييم الآراء التى تتصل بتكوينه ، ولا عائقاً دون تدفقها •
– وحيث إن من المقرر كذلك إن حرية التعبير ، وتفاعل الآراء التى تتولد عنها ، لايجوز تقيدها بأغلال تعوق ممارستها ، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة عليه نشرها ، أو من ناحية العقوبة اللاحقة التى تتوخي قمعها • بل يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها -وعلانية – تلك الأفكار التى تجول فى عقولهم ، فلا يتهامسون بها نجيا ، بل يطرحونها عزماً ولو عارضتها السلطة العامة – إحداثا من جانبهم – وبالوسائل السلمية – لتغيير قد يكون مطلوبا • فالحقائق لايجوز إخفاؤها ، ومن غير المتصور أن يكون النفاذ اليها ممكنا فى غيبة حرية التعبير • كذلك فإن الذين يعتصمون بنص المادة 47 من الدستور ، لايملكون مجرد الدفاع عن القضايا التى يؤمنون بها ، بل كذلك اختيار الرسائل التى يقدرون مناسبتها وفعاليتها سواء فى مجال عرضها أو نشرها ، ولو كان بوسعهم إحلال غيرها من البدائل لترويجها • ولعل أكثر مايهدد حرية التعبير، أن يكون الإيمان بها شكليا أو سلبيا • بل يتعين أن يكون الإصرار عليها قبولاً بتبعاتها ، وألا يفرض أحد عليه غيره صمتا ولو بقوة القانون .
– أن حرية التعبير التى كفلها الدستور ، هى القاعدة فى كل تنظيم ديموقراطى ، لايقوم إلا بها • ولايعدو الإخلال بها أن يكون إنكاراً لحقيقة أن حرية التعبير لايجوز فصلها عن أدواتها ، وإن وسائل مباشرتها يجب أن ترتبط بغاياتها ، فلا يعطل مضمونها أحد ، ولايناقض الأعراض المقصودة من إرسائها •