الإشارة فوق القانون

عن تعطيل قرارات الافراج عن المحتجزين، انتظارا لاشارة الأمن الوطني

أولا، مشهد سينمائي:

الضابط وكيل النيابة الجديد مش فاهم حاجة خالص، أفرج عن العيال بتوع المظاهرات ..

أمين الشرطة ولا يهمك يا باشا قرارا الإفراج بيتنفذ من عندنا وسعادتك قولت لأ يبقى أنا أقول لأ لحد ما سعادتك تقول أه فانا كمان اقول أه !!

تم هذا الحوار بين أمين الشرطة حاتم – الممثل الراحل خالد صالح” وضابط المباحث ” الممثل عمرو عبدالجيليل” في فيلم هي فوضى” للمخرج الراحل يوسف شاهين.

هذا المشهد يلخص ما نعيشه الآن ، فلا تنفيذ لقرارات النيابة العامة أوالمحاكم بإخلاء سبيل المتهمين في القضايا السياسية، رغم صدور قرار الافراج حتى يوافق ضباط الأمن الوطني ، ومن ثم يتم تأجيل تنفيذه لأيام ، أو أسابيعحتى يقرر الباشا ، تنفيذ القرارقرار النيابة والقضاء.

مشهد واضح يجسد معنى الاستهانة بسيادة القانون و المبادئ الدستورية ، والتغول على السلطة القضائية ممثلة في النيابة العامة والقضاء ، حيث بات القرار الرئيسي للافراج بيد ضباط الأمن الوطني التابعين لوزارة الداخلية التابعة بدورها للسلطة التنفيذية.

ولا عزاء للسلطة القضائية ، التي ينبغي أن تعلو على السلطة البرلمانية وبالطبع السلطة التنفيذية.

ثانيا، مشاهد واقعية :

الموضوع قديم

معتقلي مترو دار السلام ، 3شهور في انتظار الاشارة !

– بتاريخ 25 يناير 2017 تم القبض على أربعة طلاب هم ” الطلاب سيد منسي واحمد حمدي واسلام محمود وحسام العربي ” من داخل محطة مترو دار السلام وتحرير المحضر رقم 1334 لسنة 2017 جنح دار السلام وعرضهم على النيابة بتاريخ 26 / 1 / 2017 والتي وجهت اليهم تهم الانضمام الى جماعة اسست على خلاف أحكام القانون، ونشر أخبار وبيانات كاذبة والتظاهر دون إخطار وأمرت بحبسهم احتياطيا لمدة اربعة ايام وظل يجدد حبسهم

– بتاريخ 14 / 12 / 2017 أمرت محكمة جنح امن دولة دار السلام بإخلاء سبيل المتهمين الأربعة بضمان محل إقامتهم وإحالة القضية إلى النيابة العامة لتصحيح الأخطاء الواردة بأمر الإحالة وحددت جلسة 21 / 12 / 2017 لنظر محاكمة المتهمين.

لم يتم الافراج عن الشباب الأربعة.

– بتاريخ 18 / 12 / 2017 تم تقديم بلاغ إلى نيابة دار السلام يفيد أحتجاز المتهمين داخل قسم شرطة دار السلام دون وجه حق وبعد مقابلة السيدرئيس نيابة دار السلام وشرح وضع المتهمين رفض استلام البلاغ عقب التأشير عليه بحجة ان الأمور كلها في يد ضابط الامن الوطني بقسم شرطة دار السلام.

– بتاريخ 21 / 12 / 2017 تم تقديم حافظة مستندات طويت على اصول التلغرافات المقدمة من أهلية المتهمين الأربعة وكذلك البلاغ الذي رفض رئيس نيابة دار السلام استلامه عقب اخذ تاشيرة منه الى محكمة جنح أمن دولة دار السلام والتي قررت حجز القضية للحكم بجلسة 1 / 2 / 2018مع استمرار العمل بقرار إخلاء سبيل المتهمين.

المحتجزين أساسا بشكل غير قانوني

– بتاريخ 21 / 1 / 2018 تم تقديم بلاغ الى المستشار النائب العام قيد برقم 360 لسنة 2018 عرائض النائب ضد كلا من رئيس نيابة دار السلام ومأمور قسم شرطة دار السلام ورئيس مباحث قسم شرطة دار السلام

– بتاريخ 1 / 2 / 2018 قررت المحكمة مد أجل جلسة النطق بالحكم لجلسة 15 / 2 / 2018 مع استمرار العمل بقرار اخلاء السبيل.

– بتاريخ 15 / 2 / 2018 قضت المحكمة بمعاقبة المتهمين بالحبس لمدة اشهر .

– بتاريخ 18 / 2 / 2018 قام قسم شرطة دار السلام بنقل المتهمين الأربعة إلى قسم شرطة البساتين ووضعهم على سبيل الأمانة. ( خارج القانون)

– بتاريخ 21 / 2 / 2018 تم التوجه الى السيد رئيس نيابة جنوب القاهرة الكلية لتقديم بلاغ يفيد قيام قسم شرطة دار السلام بنقل المتهمين الى قسم شرطة البساتين واستمرار احتجازهم دون وجه حق وذلك لانقضاء العقوبة الصادرة ضده ومطالبته باجراء تفتيش على قسمي البساتين ودار السلام الا أن السيد رئيس النيابة رفض استلام البلاغ.

– بتاريخ 4 / 3 / 2018 تم مقابلة السيد رئيس نيابة دار السلام لتقديم بلاغ يفيد استمرار احتجاز المتهمين الاربعة دون وجه حق وعقب مقابلته واجراء مكالمة مع مأمور القسم ابلغنا بعدم تواجد المتهمين داخل قسم دار السلام وانهم متواجدون فى قسم شرطة البساتين على ذمة قطاع الأمن الوطني!!!

فتم التوجه الى رئيس نيابة البساتين ومقابلته أجرى مكالمة هاتفية مع مأمور القسم وابلغه بنقل المتهمين من القسم وانه فى حالة استمرار احتجازهم سيقوم بالنزول الى القسم واطلاق سراحهم بنفسه، فقام قسم شرطة البساتين بترحيل المتهمين الى قسم شرطة دار السلام في مساء اليوم نفسه.

– بتاريخ 21 / 3 / 2018 قام قسم دار السلام بتحرير مذكرة بضبط المتهمين وعرضهم على نيابة دار السلام لاعلانهم بالحكم الصادر ضدهم واعادتهم الى قسم الشرطة وبعد مرور ثلاثة ايام قام باطلاق سراحهم.

ثلاثة أشهر وأسبوع ، محتجزين بسبب عدم وجود اشارة من الامن الوطني باطلاق سراحهم ، رغم قرار النيابة باخلاء سبيلهم.

ثالثا، لم تكن حالة فردية ، بل أصبحت ظاهرة

أمثلة لحالات من 2018:

  • خمسة أيام للصيدلي جمال عبد الفتاح:

بتاريخ سبتمبر 2018 ، صدر قرار قضائي باخلاء سبيل الصيدلي اليساري جمال عبدالفتاح بتدابير احترازية على ذمة القضية رقم 482 لسنة 2018 ، لكن قسم شرطة الهرم اهمل قرار النيابة وظل يحتجزه لمدة خمسة أيام ، حتى وافق الأمن الوطني على تنفيذ قرار اخلاء السبيل ، وارسل إشارة بذلك لقسم الهرم.

  • 15 يوم اضافية للصحفية مرفت الحسيني:

رغم صدور قرار اخلاء سبيل الصحفية ميرفت الحسيني في 16 أكتوبر 2018 بتدابير احترازية ، فقد تم احتجازها لمدة 15 يوم في قسم شرطة كرداسة ، بزعم أو حجة انتظار اشارة الامن الوطني لاطلاق سراحها ، بالطبع بخلاف الشهور التي قضتها محبوسة احتياطيا على ذمة القضية رقم 441 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا.

  • 11 يوم اضافية للصحفية هاجر عبدالله :

اخلي سبيلها من المحكمة مثل زميلتها ميرفت الحسيني في يوم 10 أكتوبر 2018 ، لكن احتجازها الغير قانوني انتظارا لإشارة الباشا ضابط الامن الوطني ، كان أقل من سابقتها ، فلم تحتجز سوى 11 يوم في قسم دارالسلام ، حتى جاءت الاشارة ، وتم الافراج عنها.

  • 20 يوم في انتظار الاشارة للافراج عن المحامي الحقوقي هيثم محمدين :

احتجز قسم شرطة الصف المحامي الحقوقي هيثم محمدين عقب صدور قرار اخلاء سبيله في القضية رقم 718 لسنة 2018 حصر أمن دولة لاتهامه بالاشتراك مع جماعة ارهابية في تحقيق اغراضها والتحريض على التظاهر على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها جمهورية مصر العربية اعتراضا على قرار رفع اسعار تذاكر مترو الأنفاق لمدة 20 يوما من تاريخ اخلاء سبيله في 10 أكتوبر 2018 حتى منّ ضابط الأمن الوطني بالموافقة على تنفيذ قرار المحكمة.

  • إطلاق سراح الممرضة سيدة فايد عقب احتجازها لمدة ايام:

أحتجز قسم شرطة حلوان النقابية سيد فايد عقب صدور حكم من محكمة جنح حلوان ببرائتها في القضية رقم 29377 لسنة 2018 جنح حلوان من تهمة نشر اخبار وبيانات كاذبة على مواقع التواصل الاحتماعي الصادر في 10 نوفمبر 2018 لمدة ايام حتى وافق ضابط الأمن الوطني على تنفيذ حكم المحكمة.

رابعا، مدى قانونية انتظار إشارة الأمن الوطني لإخلاء السبيل:

تلك المشاهد الواقعية التي تم سردها أصبحت ظاهرة ، حيث يتوقع المحتجزين أن قرار اخلاء سبيلهم سوف ينهي معاناة الحبس الاحتياطي أو السجن ، وكذلك تنتظر أسرهم عودة المحتجزين لبيوتهم ،، لكن:

لا يخلي سبيل المحتجز بقرار اخلاء سبيله ، بل باخلاء سبيله بالفعل ،، بعد اشارة الامن الوطني.

لقد أكد دستور 2014 في مادته الأولى على أول المبادئ الدستورية التي تمس حالتنا الماثلة إذ قال جمهورية مصر العربية دولة نظامها … يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون.

ومن المادة الأولى جاءت المادة الخامسة لتؤكد على قيام النظام السياسي على أساس مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة، واحترام حقوق الإنسان وحرياته

ولم يكتف الدستور بالنص على المبادئ السالف ذكرها وصمت وإنما جاء في مادته ال94 ليؤكد على مبدأ سيادة القانون كأساس الحكم في الدولة وربط فكرة سيادة القانون بوجوب خضوع الدولة له ودعم ذلك بشرط استقلال القضاء وحصانته وحيدته كضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات

لكن الدستور شيئ ، والوقاع شيئ مختلف.

فقد أصبح جهاز الامن الوطني معروف بالنسبة للقاصي والداني بأنه المتحكم في مصائر وحريات السجناء ، وليس القضاء أو النيابة ،

ورغم نص الدستور في مادته الخامسة والتسعين على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وبأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون وبألا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي إلا أن الواقع يقول أن لا جريمة ولا عقوبة توقع إلا بناء على إشارة الأمن الوطني

ومن الدستور إلى قانون الإجراءات الجنائية وفي تناوله لإجراءات إخلاء السبيل أوجب القانون الإفراج في الحال عن المتهم المحبوس احتياطياً إذا ما صدر حكم بشأنه بالبراءة أو بعقوبة أخرى لا يقتضي تنفيذها الحبس وهوم ما نص عليه في المادة 465 منه.

ومن حيث التجريم الجنائي نص قانون العقوبات في مادته رقم 123 على عقوبة الحبس والعزل لكل موظف عمومي يستعمل سلطة وظيفته في وقف تنفيذ حكم أو امرصادر من المحكمة أو من اية جهة مختصة أو امتنع عمدا عن تنفيذ حكم أو ظامر مما ذكر بعد مضي ثمانية ايام من إنذاره على يد محضر اذا كان تنفيذ الحكم أو الامر داخلا في اختصاص الموظف

ولكن ما قيمة الدستور والقانون ، و ضباط الامن الوطني يبدو أنهم أخذوا عهدا على أنفسهم بألا يرى سجين أو محتجز النور ، إلا بأمرهم !! وهل يجرؤ أحد على مخالفة قراراتهم؟!.

الخلاصة:

تصرفات وممارسات لا تمت للقانون بصلة وتشعرنا بأننا أصبحنا نعيش في دولة الأمن الوطني ، ورغم ما نشهده من تقويض كامل لحرية الرأي والتعبير ، إلا أن الأمر يتمادى ليشمل منح سلطات استثنائية واقعيا” لضباط الأمن الوطني فتصبح سلطة النيابة والقضاء ، كسلطة قضائية ، رهينة لسلطة الإشارة.

وفي ظل تجاهل متعمد للسلطات القضائية وتقاعسها عن القيام بدورها المنوط بها في الرقابة على الأقسام والسجون وفي إحالة المتورطين في جرائم الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء إلى المحاكمة الجنائية لمحاسبتهم وفقاً لصحيح القانون ، بات المواطنين فريسة لتغول ضباط الامن الوطني وأهوائهم المتمثلة في تصفية حسابات سياسية.

التوصيات:

1) على المشرع إصدار تشريعات أو تعديل تشريعات موجودة تعاقب على جرائم التدخل في شئون العدالة وعدم تنفيذ أحكام القضاء لاسيما قرارات اخلاء السبيل.

2) على جهاز الأمن الوطني الالتزام بدوره المنوط به وهو الاستقصاء والتحري عن الجرائم التي تهدد أمن الدولة وعدم تخطي هذا الدور إلى التغول على باقي السلطات ،واحترام مبدأ الفصل بين السلطات.

3) على النيابة العامة القيام بدورها في الرقابة على السجون والأقسام والتأكد من تنفيذها لقراراتها وإحالة المسئولين عن تعطيل قرارت المحاكم والنيابات الى المحاكمة الجنائية بمقتضى قانون العقوبات.