مذكرة بعدم دستورية البند الرابع من المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية

  • 08  إبريل  2020

دفع بعدم دستورية

البند الرابع من الفقرة الأولي من المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية والمعدلة بموجب القانون رقم 145 لسنة 2006 لتعارضها مع المادة 54 من الدستور المصري

والمقدم من دفاع المتهم/ …………………………

فـــــــــــى

القضية رقم …………………………….

والمقدم بجلسة تجديد حبس المتهمين بتاريخ / /2019

ان الدفاع الحاضر مع المتهم يخصص المذكرة الراهنة لبيان الدفع بعدم دستورية البند الرابع من الفقرة الأولي من المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية لتعارض هذا البند مع ما قررته المادة 54 من الدستور المصري

الدفاع

يعتبر الكثير من الفقهاء ورجال القانون – وبحق – بأن الحبس الاحتياطي هو إجراء بغيض وغريب على العدالة، لأنه من زاوية يتعارض مع مفهوم وقرينة البراءة المفترضة فى المتهم، ومن زاوية أخري فأنه يشكل إخلالاً بقاعدة المساواة بين المتهم المحبوس احتياطياً وبين المتهم المخلي سبيله.

رغم بشاعه هذا الإجراء فأنه له أصل من المشروعية متمثل بحق الدولة فى الحفاظ على سلامة التحقيقات وصيانة العدالة، ولذلك فقد حرصت التشريعات على وضع قواعد لضمان استخدام هذا الإجراء – الحبس الاحتياطي – فى إطاره السليم وهو الحفاظ على سلامة التحقيقات التى تباشر ضد المتهم الأمر الذي يقتضي أن يوضع الأخير تحت تصرف المحقق والتمكن من استجوابه ومواجهته كلما رأي لذلك محلا ، وفى نفس الوقت ضمان تمتع المتهم بقرينة براءته.

التطور التشريعي والتاريخي لمبررات الحبس الاحتياطي

تاريخياً فأن الحبس الاحتياطي استخدم بوجه خاص تجاه الاشخاص الذين ليس لهم مقر إقامة أو لا عمل لهم، وتفرع عن ذلك هروب المتهم ،ولذلك كانت السياسية التشريعية فى كثير من الدول – ومنها مصر – تقتصر على استخدام الحبس الاحتياطي على الأشخاص الذين ليس لهم محال اقامة معروف أو خشية هروب المتهم مع وضع ضمانات وشروط لأستخدام هذا الإجراء وهي أن تكون الدلائل كافية على اتهامة وكانت الواقعة جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد عن ثلاثة شهور.

ولذلك فقد كان نص المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية قبل تعديله ينص علي:

إذا تبين بعد استجواب المتهم أو في حالة هربه أن الدلائل كافية، وكانت الواقعة جناية أو جنحة معاقبا عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، جاز لقاضي التحقيق أن يصدر أمرا بحبس المتهم احتياطيا.

ويجوز دائما حبس المتهم احتياطيا، إذا لم يكن له محل إقامة ثابت معروف في مصر وكانت الجريمة جنحة معاقبا عليها بالحبس.

وقد ظهر فيما بعد توجه لأستخدام الحبس الاحتياطي كإجراء احترازي عام هدفه المحافظة على النظام العام وقد أخذ المشرع الدستوري المصري فى الدستور الأسبق الصادر عام 1971 بهذا المسلك وذلك فيما نص عليه بالمادة 41 منه على

” الحرية الشخصية حق طبيعي وهى مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة، وذلك وفقا لأحكام القانون. ويحدد القانون مدة الحبس الاحتياطي.”

وبناء على هذه المادة فقد جري تعديل المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية بإضافة عدد من المبررات للحبس الاحتياطي منها ما جاء بالبند الرابع من الفقرة الأولي والمتعلقة بتوقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة، حيث جاء نص المادة بعد تعديلها عام 2006 كالتالي:

يجوز لقاضي التحقيق، بعد استجواب المتهم أو في حالة هربه، إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، والدلائل عليها كافية، أن يصدر أمراً بحبس المتهم احتياطياً، وذلك إذا توافرت إحدى الحالات أو الدواعي الآتية:

  1. إذا كانت الجريمة في حالة تلبس، ويجب تنفيذ الحكم فيها فور صدوره.
  2. الخشية من هروب المتهم.
  3. خشية الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجني عليه أو الشهود، أو بالعبث في الأدلة أو القرائن المادية، أو بإجراء اتفاقات مع باقي الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها.
  4. توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة.

ومع ذلك يجوز حبس المتهم احتياطياً إذا لم يكن له محل إقامة ثابت معروف في مصر، وكانت الجريمة جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس.

إلا ان هذا التوجه تعرض للكثير من النقد على اعتبار ان الحبس الاحتياطي بهذا المفهوم يرتقي لمصاف العقوبات وهو ما يتعارض مع طبيعته الاحتياطية1، ومن ثم فقد ظهر توجه جديد يعيد الفكرة الأساسية للحبس الاحتياطي لوضعها ومكانتها وذلك بقصر استخدام الحبس الاحتياطي لصيانة التحقيق وسلامته فقط وليس لصيانة أمن المجتمع، لذلك فقد اتجه القانون الفرنسي لإجراء الرقابة القضائية2.

وتماشياً مع هذا التغير فى السياسة التشريعية للحبس الاحتياطي فقد اعتنق المشرع الدستوري فى دستور 2014 الفكرة السابقة واقتصرت مشروعية الحبس الاحتياطي على صيانة التحقيق فقط دون ما نص عليه فى دستور 1971 من أن مشروعية الحبس الاحتياطي تنصرف كذلك لصيانة أمن المجتمع على نحو ما سلف بيانه.

ولذلك جاءت نص المادة 54 من الدستور المصري الحالي كالتالي:

الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق.

ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فوراً، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته.

ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، ندب له محام، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة، وفقاً للإجراءات المقررة في القانون.

ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، والفصل فيه خلال أسبوع من ذلك الإجراء، وإلا وجب الإفراج عنه فوراً.

وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه.

وفي جميع الأحوال لا يجوز محاكمة المتهم في الجرائم التي يجوز الحبس فيها إلا بحضور محام موكل أو مٌنتدب.

وبعد أن فرغنا من سرد – دون اسهاب – للتطور التشريعي والتاريخي لفكرة الحبس الاحتياطي مع تطبيق ذلك على السياسة التشريعية المصرية فأنه يتبقي لنا أن نشير إلى تعارض البند الرابع من الفقرة الأولي من المادة 134 من قانون الإجراءات للدستور المصري فى المادة 54 منه سالفة الذكر.

ويظهر هذا التعارض جلياً فى الفقرة الأولي من المادة 54 والتى تنص علي:

الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق.

وفى ذلك فقد حظر المشرع الدستوري أي تقييد للحرية الشخصية – فى عدا حالات التلبس – إلا إذا توافرت ثلاثة شروط مجتمعه وهي :

  1. وجود أمر قضائي
  2. أن يكون الأمر القضائي مسبب
  3. أن يكون هذا الأمر القضائي المسبب يستلزمه التحقيق.

وبالرجوع للبند الرابع من الفقرة الأولي من المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية نجد أن أباح الحبس الاحتياطي لسبب وهو توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة، وهو ما يتعارض مع نص المادة 54 سالفة الذكر، ولا يجوز التحجج بأن المادة 54 من الدستور في فقرتها الخامسة قد نصت على أن ينظم القانون الحبس الاحتياطي ومدته وأسبابه، وذلك لأن القانون لا بد أن يتقيد بحكم الفقرة الأولي من المادة 54 سالفة الذكر، وذلك استناداً لمبدأ تكامل النصوص الدستورية وتطبيقا لنص المادة 227 من دستور 2014 الحالي.

ولما كان نص المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 79 قد جري على ما يلى:-

أ- إذا تراءى لأحد المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائى أثناء إحدى الدعاوى عدم دستورية نص قانون أو لائحة لازمة للفصل فى النزاع أو قضت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى المسألة الدستورية.

ب- إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائى بعدم دستورية نص من قانون أو لائحة رأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدى أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعاد لا يتجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية فإذا لم ترفع الدعوى فى الميعاد أعتبر الدفع كأن لم يمكن.

ولذلك فأن دفاع المتهمين يدفع بعدم دستورية البند الرابع من الفقرة الأولي من المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية لتعارضها مع المادة 54 من الدستور على نحو ما سلف بيانه.

بناء عليه

يلتمس المتهم الحكم بإحالة البند الرابع من الفقرة الأولي من المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية والذي ينص علي توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة لتعارضها مع المادة 54 من الدستور للمحكمة الدستورية .

أو التصريح لنا بإقامة دعوى أمام المحكمة الدستورية طعنا على دستورية نص البند الرابع من الفقرة الأولي من المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية والذي ينص علي توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة لتعارضها مع المادة 54 من الدستور.

الدفاع الحاضر مع المتهم

أحمد راغب

المحامى

1 أنظر على سبيل المثال القاضي الدكتور سري محمود صيام فى الح بس الاحتياطي فى التشريع المصري – دار الشروق – طبعة عام 2007

2 وهو إجراء قضائي بموجبه يخضع المتهم لمراقبة القضاء وإخضاعه لواجبات محددة تكفل وضعه تحت تصرف القضاء وكذلك تكفل حسن سلوكه وعدم العودة للجريمة