الخط الساخن : 01118881009

جلسة 3 يوليو سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (1)
القضية رقم 11 لسنة 16 قضائية “دستورية”

1- دعوى دستورية “المصلحة فيها” – تطبيق.
مناط المصلحة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – أن يكون الفصل فى المسالة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع.
2- دستور “الملكية الخاصة”.
حرص الدستور على النص على صون الملكية الخاصة، وحمايتها لكل فرد وطنيا كان أم أجنبيا، وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى حدود ما يقتضيه تنظيمها.
3- دستور “الملكية الخاصة: حمايتها”.
من غير الجائز للمشرع أن ينال من عناصرها أو يغير من طبيعتها أو يجردها من لوازمها، أو أن يفصلها عن اجزائها أو يدمر أصلها أو يقيد من مباشرة الحقوق المتفرعة عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية.
4- حق الملكية “حق مالى – وظيفتها الاجتماعية: نطاقها – مفاضلة بين البدائل”.
لم تعد الملكية حقاً مطلقاً، جواز تحميلها بالقيود التى تتطلبها وظيفتها الاجتماعية، الوظيفة الاجتماعية للملكية تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض المرصودة عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعى معين فى بيئة بذاتها.
5- شريعة إسلامية – حق الملكية “الملكية الخاصة: خلافة – وظيفتها الاجتماعية”.
الأصل فى الشريعة الإسلامية أن الأموال جميعها مردها إلى الله تعالى، مستخلفاً فيها عبادة الذين عهد إليهم بعمارة الأرض وهم مسئولون عما فى أيديهم منها، لولى الأمر أن يعمل على تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية المتوخاة منها، الملكية خلافة، وباعتبارها كذلك تضبطها وظيفتها الاجتماعية.
6- تشريع “المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 “توازن العلاقة الإيجارية.
ما قررته هذه المادة من حق المالك فى الحصول على 50% من مقابل التنازع عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير الأغراض السكنى فى الأحوال وبالشروط المبينة فيها – توخى المشرع توازن العلاقة الإيجارية من خلال أمرين مقررين فيها هما إلزام المستأجر بأن يتقاسم مع المالك مقابل التنازل لمواجهة نزوله نزولاً نافذاً وفورياً فى حق المالك وبغير رضاه، وتقرير أولوية لمالك العين المؤجرة فى الانتفاع بها دون المتنازل إليه.
7- إيجار “تنازل: قيوده – الإضرار بالمالك”.
من المقرر عدم جواز التنازل عن حق إجارة العين للغير إلا بناءً على نص فى القانون أو وفقاً لترخيص من مالكها – إنفراد المستأجر بالحصول على مبالغ مقابل تنازله عن حق إيجار العين فى الأحوال التى يجوز فيها ذلك، يلحق بمالكها أبلغ الضرر.
8- تشريع “المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981: حل منصف”.
ما قرره المشرع فى هذه المادة من خلال الأمرين المشار إليه يمثل حلاً منصفاً لمواجهة تنازل المستأجر العين عن حق إجارتها.
9- تشريع “المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 – المادة 5 من القانون رقم 51 لسنة 1981” – تخصيص العام.
القانون رقم 5 لسنة 1981، وفى إطار ما قررته المادة 5 منه من حكم خاص بجواز تنازل مستأجر المنشأة الطبية – وورثته من بعده – عنها لطبيب، صار مقيداً لعموم الأحكام التى انتظمتها المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981.
10- إيجار “تنازل – حق الملكية” وظيفة اجتماعية – تشريع.
نزول طبيب لأحد زملائه عن حق إجارة العين التى يستخدمها عيادة خاصة، وفى حدود عدم تعارضه مع الحقوق التى يقابلها والمقررة لمالكها وفقاً للقواعد العامة، لا يناقض فى ذاته حق الملكية – وأدخل إلى تنظميها فى إطار وظيفتها الاجتماعية.
11- تنظيم الحقوق “سلطة تقديرية – التقيد بالدستور” – حق الملكية “مناط حمايتها” علاقة إيجارية “توازن حقيقى”.
سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق سلطة تقديرية، ما لم يفرض الدستور على ممارستها قيوداً لا يجوز تخطيها – مناط حماية الملكية الخاصة ألا تقوم على الاستغلال، وألا يتعارض استخدامها مع الخير العام لجموع المواطنين، وألا تنافى فى مقاصدها الأغراض التى تتوخاها وظيفتها الاجتماعية – التوازن الذى تتغياه النصوص القانونية فى العلاقة الإيجارية يلزم أن يكون توازناً منصفاً متعمقاً الحقائق الموضوعية.
12- إيجار “توازن بين أطرافه – عدم دستورية”.
كل نص يمثل افتئاتاً كاملاً على حقوق أحد أطراف العلائق الإيجارية، مصيره البطلان من خلال مباشرة الرقابة القضائية على دستوريته.
13- حق الملكية “إثراء المستأجر” – إيجار “توازن”. القيود التى يفرضها المشرع على حق الملكية.
لا يجوز أن تكون مدخلاً لإثراء مستأجر العين وإفقار مالكها – لا يجوز أن يميل ميزان التوازن بين طرفى العلاقة الايجارية لتكون الحقوق المقررة لأحدهما إجحافا وإعناتاً وقهراً.
14- إيجار “تشريعات استثنائية – تنظيم خاص” – رقابة قضائية.
الطبيعة الاستثنائية التى درج المشرع على تنظيم العلائق الإيجارية من خلالها لا يعصمها من الخضوع للدستور – اعتبارها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها. خضوعها للرقابة القضائية التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا على دستورية النصوص القانونية جميعها.
15- إيجار “تنظيم خاص – ضرورة”.
الضرورة الموجبة لهذا التنظيم الخاص تقدر بقدرها، ومعها تدور قيودها النابعة منها.
16- تشريع “المادة 5 من القانون رقم 51 لسنة 1981 بتنظيم المنشآت الطبية”.
حكم هذه المادة بحرمان مالك العين المؤجرة المتخذة مقراً لعيادة طبية خاصة فى حالة التنازل عنها فى الحالات المبينة فيها من الحقين المقررين له بمقتضى المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981، مؤداه فرض التنازل على مالك هذه العين والتعرض لحق ملكيته عليها من خلال منعه من الاستئثار بمنافعها.
17- تشريع “المادة 5 من القانون رقم 51 لسنة 1981. مزية استثنائية – عدوان على الملكية – مخالفتها الأصول الشرعية”.
انطواء هذه المادة على مزية استثنائية ينفرد بها الأطباء دون غيرهم من المتنازلين عن حق الاجارة، غايتها إسقاط حقوق المالك المرتبطة بها بما يشكل عدواناً على حق الملكية – تقديمها المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة، وعدم اختيارها أهون الشرين لدفع أعظمهما، بل تلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش بما يتنافى مع المقاصد الشرعية.
18- دستور – مبدأ المساواة “نطاقه – صور التمييز”.
كفالة الدساتير المصرية تطبيق مبدأ المساواة على المواطنين كافة – بسط الحماية القانونية المتكافئة بموجبه على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، وتلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية – من المقرر أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التى كفلها الدستور أو القانون.
19- دستور – تشريع – “المادة 5 من القانون رقم 51 لسنة 1981”.
إخلال هذه المادة بالحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة، وإهدارها مبدأ المساواة أمام القانون، مخالفتها للمواد 32، 34، 40 من الدستور.
1- أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكانت الدعوى الموضوعية تتعلق بنزول المستأجر الأصلى عن إجارة العين التى اتخذها عيادة خاصة، إلى مورث المدعى عليها الخامسة لينتفع بها – وبوصفه طبيباً – فى ذات الغرض؛ وكان الدفع بعدم الدستورية الذى أبدته الشركة المدعية أمام محكمة الموضوع، منحصراً فى هذا النطاق وحده، فإن مصلحتها الشخصية المباشرة إنما تتحدد فى المسألة الدستورية المتصلة بالنزاع الموضوعي، وهى تلك المتعلقة بنزول الطبيب أو ورثته من بعده عن حق إيجار المنشأة الطبية التى يتخذها عيادة خاصة لطبيب. ومن البدهى فإن انحصار الطعن الماثل فى النطاق المتقدم، لا يعنى أن أحكام المادة 5 من القانون رقم 51 لسنة 1981 المشار إليه – وفيما يجاوز هذا النطاق – قد أضحت مطهرة مما قد يكون عالقاً بها من مثالب موضوعية، إذ لا يزال مجال الطعن فيها مفتوحاً لكل ذى مصلحة.
2، 3- إن الدستور – إعلاءً من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيداً لإسهامها فى صون الأمن الاجتماعى – كفل حمايتها لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً – ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود التى يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدةً – فى الأعم من الأحوال – إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها. معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أداوتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام، هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً فى كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد. ولا يناجز سلطته فى شأنها خصيم ليس بيده سنده ناقل لها. ليعتصم بها من دون الآخرين. وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التى تعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاضها من أطرافها. ولم يعد جائزاً بالتالى أن ينال المشرع من عناصرها. ولا أن يغير من طبيعتها أو يجردها من لوازمها. ولا أن يفصلها عن أجزائها أو يدمر أصلها أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع عنها فى غير الضروره التى تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصباً، وافتئاتاً على كيانها أدخل إلى مصادرتها.
4- إن من المقرر كذلك أن حق الملكية من الحقوق المالية التى يجوز التعامل فيها، وبقدر اتساع قاعدتها تتعدد روافدها، وتتنوع استخداماتها، لتشكل نهراً يتدفق بمصادرة الثروة القومية التى لا يجوز إهدارها أو التفريط فيها أو بعثرتها تبديدا لقيمتها، ولا تنظميها بما يخل بالتوازن بين نطاق حقوق الملكية المقررة عليها، وضرورة تقييدها نأياً بها عن الانتهاز أو الإضرار بحقوق الآخرين. ذلك أن الملكية – فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة – لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هى عصية على التنظيم التشريعي. وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها. ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التى تتطلبها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكما، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعى معين فى بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها.
وفى إطار هذا الدائرة، وتقيداً بتخومها، يفاضل المشرع بين البدائل، ويرجح على ضوء الموازنة التى يجريها، ما يراه من المصالح أجدر بالحماية، وأولى بالرعاية، وفقاً لأحكام الدستور، مستهدياً فى ذلك بوجه خاص بالقيم التى تنحاز إليها الجماعة فى مرحلة بذاتها من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التى يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة.
5- إن الشريعة الإسلامية فى مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التى لا تبديل فيها، لا تناقض ما تقدم. ذلك أن الأصل فيها أن الأموال جميعها مردها إلى الله تعالى، أنشأها وبسطها، وإليه معادها ومرجعها، مستخلفاً فيها عباده الذين عهد إليهم بعمارة الأرض، وجعلهم مسئولين عما فى أيديهم من الأموال لا يبددونها أو يستخدمونها إضراراً. يقول تعالى [وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه] وليس ذلك إلا نهياً عن الولوغ بها فى الباطل. وتكليفاً لولى الأمر بأن يعمل على تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية المتوخاة منها، وهى مقاصد ينافيها أن يكون إنفاق الأموال وإدارتها عبثا أو إسرافا أو عدوانا، أو متخذاً طرائق تناقض مصالح الجماعة، أو تخل بحقوق للغير أولى بالاعتبار.
وكان لولى الأمر بالتالى أن يعمل على دفع الضرر قدر الإمكان، وأن يحول دون الاضرار إذا كان ثأرا محضا من الضرر، ولا يفيد إلا فى توسيع الدائرة التى يمتد إليها، وأن يرد كذلك الضرر البين الفاحش. فإذا تزاحم ضرران، كان تحمل أهونهما لازماً اتقاءً لأعظمهما، ويندرج تحت ذلك القبول بالضرر الخاص لرد ضرر عام.
وينبغى – من ثم – أن يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المصالح ولا تتنافر. ذلك أن الملكية خلافة – وهى باعتبارها كذلك تضبطها وظيفتها الاجتماعية التى تعكس بالقيود التى تفرضها على الملكية، الحدود المشروعة لممارسة سلطاتها، وهى حدود يجب التزامها، لأن العدوان عليها يخرج الملكية عن دائرة الحماية التى كفلها الدستور لها.
6- إن المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، تنص على أنه “يحق للمالك عند قيام المستأجر فى الحالات التى يجوز له فيها بيع المتجر أو المصنع أو التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى، الحصول على 50% من ثمن البيع أو مقابل التنازل بحسب الأحوال بعد خصم قيمة المنقولات التى بالعين. وعلى المستأجر قبل إبرام الاتفاق، إعلان المالك على يد محضر بالثمن المعروض. ويكون للمالك الحق فى الشراء إذا أبدى رغبته فى ذلك، وأودع الثمن مخصوماً منه نسبة الـ 50 % المشار إليها خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار، إيداعاً مشروطاً بالتنازل عن عقد الإيجار وتسليم العين، وذلك خلال شهر من تاريخ الإعلان. وبانقضاء ذلك الأجل يجوز للمستأجر أن يبيع لغير المالك، مع التزام المشترى بأن يؤدى للمالك مباشرة نسبة الـ 50% المشار إليها”.
7، 8- إن من المقرر وفقاً للقواعد العامة التى تنظم الروابط الإيجارية، أن مستأجر العين التى يستخدمها فى السكن أو لغير ذلك من الأغراض، مقيداً إذا أراد التنازل عن حق إجارتها إلى الغير، بأن يتم هذا التنازل بناءً عن نص فى القانون أو وفقاً لترخيص صادر عن مالكها، صريحاً كان أم ضمنياً. وسواء أكان هذا الترخيص مدرجاً فى عقد الإجارة الأصلية، أم وارداً فى اتفاق لاحق على إبرامها. وإذ كان التنازل عن حق إجارة العين – فى الأحوال التى يجوز فيها ذلك – قد يؤول إلى حصول المتنازل على مبالغ ضخمة لا ينال منها مالكها أياً كان مقداره، بل ينفرد بها المتنازل من دونه، وكان ذلك بكل المقاييس ظلماً فادحاً يلحق بمالكها أبلغ الأضرار، فقد أقر المشرع نص المادة آنفة البيان التى عدل بها عما كان معمولاً به قبلها من اختصاص مستأجر العين وحده بمقابل التنازل عنها، وليعيد بموجبها إلى العلائق الإيجارية توازناً كان قد اختل فيما بين أطرافها، وذلك من خلال أمرين يمثلان معاً حلاً منصفاً لمواجهة تنازل مستأجر العين عن حق إجارتها، تنازلاً نافذاً فى حق مالكها: أولهما: أن يحصل مالكها على 50% من مقابل التنازل بعد خصم قيمة المنقولات التى فى العين، وهو تنازل يتم باتفاق بين المتنازل والمتنازل إليه فى شأن انتقال منفعة العين إليه، وليس لمالكها شأن فيه، ثانيهما: تقرير أولوية لمالكها فى الانتفاع – دون المتنازل إليه – بالعين التى قام بتأجيرها إلى المتنازل، وذلك بشرط أن يعلن عن رغبته هذه عن طريق إيداع خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار 50% من مقابل التنازل المعروض، على أن يكون هذا الإيداع مشروطاً بالتنازل عن عقد إيجارها وتسليمها.
9- إن القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه قد نشر بالجريدة الرسمية فى 30 يوليو سنة 1981، وعمل به اعتباراً من اليوم التالى لتاريخ نشره. وبمقتضى القانون رقم 51 لسنة 1981، نظم المشرع المنشآت الطبية. وإذ عمل بهذا القانون بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره فى الجريدة الرسمية فى 25 يونيو سنة 1981، فقد صار – وفى إطار ما قرره النص المطعون فيه من جواز تنازل مستأجر المنشأة الطبية وورثته من بعده عنها لطبيب مرخص له بمزاولة المهنة – مقيداً لعموم الأحكام التى انتظمتها المادة 20 من القانون رقم 1981 آنف البيان، وذلك لأمرين:
أولهما أن المشرع دل بنصها على استغراقها لكل صور التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير ذلك من الأغراض، ليكون تطبيقها – وعملاً بعموم لفظها – غير مقصور على أشكالها بذواتها من التنازل، بل مشتملاً عليها بكل أفرادها، فلا تخرج صور من التنازل من جملتها.
ثانيهما أن المادة 5 من قانون المنشآت الطبية المطعون عليها، تخول مستأجر المنشأة الطبية – وورثته من بعده – حق التنازل عنها لغيره من أقرانه ليباشر فيها المهنة ذاتها، وليكون للمتنازل إليه حق الاستمرار فى شغل العين من دون المؤجر، إذ يلتزم “فى جميع الاحوال” بأن يحرر للمتنازل إليه عقد إيجار بشأنها، وهو ما يعنى أن التنازل يكون نافذاً فى حق المؤجر “فى كل حال” ولو لم يتقاض المؤجر شيئاً من مقابل التنازل. وذلك هو تخصيص العام، باعتبار أن التخصيص لغة هو الإفراد. وهو لا يدخل فى غير العام، ذلك أن التخصيص فى الاصطلاح، هو تمييز بعض الجملة بحكم معين يفصلها عن العام، ليتعلق هذا الحكم بمن شملهم التنظيم الخاص دون سواهم، وبمراعاة أن التخصيص يجوز أن يكون مقترناً بالعام، أو متقدماً عليه، أو متأخراً عنه. ولا كذلك الناسخ، إذ لا يجوز أن يكون متقدماً على المنسوخ، ولا مقترناً به، بل يجب أن يتأخر عنه.
10- البين من استقراء أحكام القانون رقم 51 لسنة 1981 المشار إليه، ومن تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الشئون الصحية والبيئة ومكتب لجنة الشئون الدستورية والتشريعية عن مشروع هذا القانون، أن المستشفيات العلاجية – وسواء كانت عيادات خاصة أو عيادات مجمعة أو دور نقاهة – تؤدى دوراً هاماً فى تقديم الخدمة العلاجية للمواطنين، مما جعل توسعتها، ومراقبتها وترشيد تكلفتها، لازماً ضماناً لوفاء مهنة الطب برسالتها السامية.
وعلى ضوء هذه الأغراض، واستلهاماً لها، قدر المشرع أن النهوض بمهنة الطب والوفاء بتبعاتها، يقتضى أن تتواصل مباشرتها بين أجيال القائمين عليها، لا ينفصم اتصالهم بالأعيان المؤجرة المتخذة مقاراً لمزاولتها، بل يكون ارتباطهم بها مطرداً لا انقطاع فيه وفاءً بتبعاتها. متى كان ذلك، فإن نزول طبيب لأحد زملائه عن حق إجارة العين التى يستخدمها عيادة خاصة – وفى الحدود التى لا يتعارض فيها هذا التنازل مع الحقوق التى يقابلها، والمقررة لمالكها وفقاً للقواعد العامة – لا يناقض فى ذاته حق الملكية، ولا يخل بمقوماتها، بل هو أدخل إلى تنظيمها فى إطار وظيفتها الاجتماعية، بفرض قيود عليها لا تخرجها عن طبيعتها.
11- إن النص المطعون فيه، نظم العلاقة الإيجارية فى بعض جوانبها، مقرراً بالأحكام التى تضمنها، استثناء كل طبيب – وورثته من بعده – من الخضوع للقواعد العامة الواردة بالقانون رقم 136 لسنة 1981 آنف البيان، وذلك إذا تنازل لغيره من الأطباء عن حق اجارة العين التى اتخذها مقراً لمزاولة مهنة الطب؛ وكان الأصل فى سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يفرض الدستور على ممارستها قيوداً لا يجوز تخطيها، لضمان أن يكون الانتفاع بتلك الحقوق مفيداً وفعالاً؛ وكانت الحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة فى مادته الثانية والثلاثين، مناطها تلك الملكية التى لا تقوم على الاستغلال، ولا يتعارض استخدامها مع الخير العام لجموع المواطنين، ولا تنافى فى مقاصدها الأغراض التى تتوخاها وظيفتها الاجتماعية؛ وكان المشرع فى مجال تنظيم العلائق الإيجارية، وإن قرر من النصوص القانونية ما ارتآه محققاً للتوازن بين أطرافها، إلا أن هذا التوازن لا يجوز أن يكون صورياً أو منتحلاً أو سراباً، بل يجب أن يعكس حقيقة قانونية لا مماراة فيها، ليكون التنظيم التشريعى لحقوق المؤجرين والمستأجرين فى دائرتها، منصفاً لا متحيفاً، متعمقاً الحقائق الموضوعية، وليس متعلقاً بأهدابها الشكلية.
12، 13- إن ما تقدم مؤداه، أن المشرع لا يجوز أن يعدل من إطار العلائق الإيجارية بما يمثل افتئاتاً كاملاً على حقوق أحد أطرافها أو انحرافاً عن ضوابط ممارستها، وإلا آل أمر النصوص التى أقرها إلى البطلان من خلال مباشرة الرقابة القضائية على دستوريتها، ذلك أن القيود التى يفرضها المشرع على حق الملكية لا يجوز أن تكون مدخلاً لإثراء مستأجر العين وإفقار مالكها، ولا أن يحصل المستأجر من خلالها على حقوق لا يسوغها مركزه القانونى فى مواجهة المؤجر، وإلا حض تقريرها على الانتهاز، وناقض جوهر الملكية التى لا يجوز أن تكون ثمارها عائدة إلى غير أصحابها. وآية ذلك أن الأصل هو أن يتحقق التضامن بين المؤجر والمستأجر من الوجهة الاجتماعية، وأن تتوافق مصالحهما ولا تتنافر من الوجهة الاقتصادية، وإلا كان كل منهما حرباً على الآخر، يهتبل الفرص لأكل حقه بالباطل، ولا يجوز بالتالى أن يميل ميزان التوازن بينهما لتكون الحقوق المقررة لأحدهما إجحافاً وإعناتا وقهرا. وليس من المتصور أن يكون مغبون الأمس – وهو المستأجر – غابناً، ولا أن يكون تدخل المشرع شططاً وقلباً للموازين وترجيحاً لكفته، لتكون أكثر ثقلاً، وليحل الصراع بين هذين العاقدين، بديلاً عن اتصال التعاون بينهما.
14- إنه لا ينال مما تقدم، قالة إن النص المطعون فيه من قبيل التشريعات الاستثنائية التى تدخل بها المشرع لمواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن، سواء كانت مهيأة للسكنى أو معدة لغير ذلك من الأغراض. ذلك أن الطبيعة الاستثنائية لتلك التشريعات التى لا يجوز التوسع فى تفسيرها، أو القياس عليها، والتى درج المشرع على تنظيم العلائق الإيجارية من خلالها، واعتبر أحكامها من النظام العام لإبطال كل اتفاق على خلافها، ولضمان سريانها بأثر مباشر على عقود الإيجار القائمة عند العمل بها – ولو كانت مبرمة قبلها – لا تعصمها من الخضوع للدستور. ولا تخرجها من مجال الرقابة القضائية التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا على دستورية النصوص القانون جميعها. بل يتعين اعتبارها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها، وأن يكون مناط سلامتها هو اتفاقها مع أحكام الدستور.
15- يجب أن تقدر الضرورة الموجهة لهذا التنظيم الخاص بقدرها، وأن تدور معها وجوداً وعدماً تلك القيود التى ترتبط بها وترتد إليها، باعتبارها مناط مشروعيتها وعلة استمرارها.
16- إن النص المطعون فيه، لم يلتزم بالقواعد التى تنظم التنازل بوجه عام، والتى تضمنتها المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 آنف البيان، بل أسقطها بتمامها، ليمتنع على المالك بعدئذ الخيار بين حقين كفلتهما المادة 20 من هذا القانون، هما أن يحصل على 50% من مقابل التنازل إذ أراد إعمال آثاره، أو أن يستعيد العين من مستأجرها بعد أداء تلك القيمة مع أنها العلاقة الإيجارية التى ارتبطا بها فى شأنها. بيد أن النص المطعون فى حرم من يملكون الأماكن المؤجرة المتخذة مقاراً للعيادات الطبية الخاصة، من هذين البديلين كليهما، واعتبر – بما انطوى عليه من حكم خاص – تنازل الأطباء وورثتهم من بعدهم عن حق إجارة تلك الأعيان لغيرهم من الأطباء، نافذاً نفاذاً فورياً قبل ملاكها، ومقروناً باستمرار عقود الإيجار المبرمة فى شأنها لصالح المتنازل إليهم، مع إلزام المؤجرين بتحرير عقود إيجار لهم. بما مؤداه التعرض لحق ملكيتهم على الأعيان المؤجرة، من خلال منعهم من الاستئثار بمنافعها.
17- النص المطعون فيه، يبدو منفصلاً عن الأصول التى تقتضيها مزاولة مهنة الطب والقيام على رسالتها، ذلك أن الحقوق التى يرتبها للأطباء فيما بين بعضهم البعض لقاء التنازل عن الأعيان المتخذة مقاراً لعياداتهم الخاصة، لازمها إلغاء حقوق ملاكها إلغاء كاملا ونهائيا. إذ يقدم للأطباء – دون غيرهم من المتنازل عن حق الإجارة – ميزة استثنائية ينفردون بها، وتعصمهم من أن يؤدوا لمن يملكون الأعيان شيئاً منها ولو ضَؤل. ولا يدخل ذلك فى نطاق التنظيم التشريعى لحق الملكية، بل هو عدوان عليها. ذلك أن النص المطعون فيه يقدم المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة، ولا يختار أهون الشرين لدفع أعظمهما، بل يلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش، منافياً بذلك المقاصد الشرعية التى ينظم ولى الأمر الحقوق فى نطاقها، ومجاوزاً بذلك الحدود المنطقية لعلاقة كان ينبغى أن تتوازن فيها المصالح، لا أن تتصادم، ومغلباً مصالح فئة بذاتها من المواطنين على سواهم، بإيثار أفرادها بمزايا مالية يختصون بها دون غيرهم.
18- إن الدساتير المصرية جميعها بدءاً بدستور 1923، وانتهاء بالدستور القائم، رددت جميعها مبدأ المساواة أمام القانون، وكفلت تطبيقه على المواطنين كافة باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الغاية التى يستهدفها تتمثل أصلا فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها، أو تقيد ممارستها. وأضحى هذا المبدأ – فى جوهره – وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التى لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال إعمالها كذلك إلى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما يرتئيه محققاً للصالح العام. ولئن نص الدستور فى المادة 40 على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها، هى تلك التى يقوم التمييز فيها على أساس الجنس، أو الأصل، أو اللغة، أو الدين، أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز محظوراً فيها. مرده أنها الأكثر شيوعاً فى الحياة العملية، ولا يدل البتة على انحصاره فيها – إذ لو صح ذلك لكان التمييز بين المواطنين فيما عداها جائزاً دستورياً، وهو ما يناقض المساواة التى كفلها الدستور، ويحول دون إرساء أسسها وبلوغ غاياتها. وآية ذلك أن من صور التمييز التى أغفلتها المادة 40 من الدستور ما لا تقل عن غيرها خطراً سواء من ناحية محتواها، أو من جهة الآثار التى ترتبها، كالتمييز بين المواطنين فى نطاق الحقوق التى يتمتعون بها، أو الحريات التى يمارسونها، لاعتبار مرده إلى مولدهم أو مركزهم الاجتماعى أو انتمائهم الطبقى أو ميولهم الحزبية أو نزعاتهم العرقية أو عصبيتهم القبلية، أو إلى موقفهم من السلطة العامة، أو إعراضهم عن تنظيماتها، أو تبنيهم لأعمال بذاتها، وغير ذلك من أشكال التمييز التى لا تظاهرها أسس موضوعية تقيمها؛ وكان من المقرر أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها أو تعطيل أو انتقاص آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين للانتفاع بها. متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه يتوخى بالمزايا والحقوق التى كفلها للأطباء دون سواهم، تفضيلهم على من عداهم من المستأجرين، واستبعاد هؤلاء من الإفادة منها رغم تماثلهم جميعاً فى مراكزهم القانونية، ودون أن يستند هذا التمييز إلى الأسس الموضوعية التى كان ينبغى أن يحمل عليها، فإنه يكون منهياً عنه بنص المادة 40 من الدستور، باعتباره تمييزاً تحكمياً.
19- إنه متى كان ما تقدم، وكان النص المطعون فيه قد أخل بالحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة، وأهدر مبدأ المساواة أمام القانون، فإنه بذلك يكون مخالفاً لأحكام المواد 32، 34، 40 من الدستور.


الإجراءات

بتاريخ 12 مارس سنة 1994، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً فى ختامها الحكم بعدم دستورية العبارة محل الطعن من نص المادة الخامسة من القانون رقم 51 لسنة 1981 بتنظيم المنشآت الطبية فيما تجرى به من جواز تنازل مستأجر المنشأة الطبية أو ورثته من بعده عنها لطبيب.
وقدمت إدارة قضايا الحكومة مذكرة طلبت فيها الحكم أصليا بعدم قبول الدعوى واحتياطيا برفضها موضوعا.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن مورث المدعى عليها الخامسة، كان قد أقام حال حياته الدعوى رقم 6061 لسنة 1987 كلى جنوب القاهرة بطلب الحكم بإلزام الشركة المدعية (الشركة المصرية لإعادة التأمين) بأن تحرر لصالحه عقد إيجار عن الشقة رقم (7) التى تملكها، والكائنة بالعقار رقم (3) – بممر بهلر – قسم عابدين بالقاهرة – والمتنازل له عنها من مستأجرها الأصلى للانتفاع بها فى ذات الغرض كعيادة طبية. وكانت الشركة المدعية قد أقامت بدورها الدعوى رقم 8974 لسنة 1987 كلى جنوب القاهرة بطلب الحكم بإبطال التنازل عن حق الانتفاع بالعين المشار إليها وتسليمها إليها خالية. وإذ قضت محكمة جنوب القاهرة الابتدائية بضم هاتين الدعويين ليصدر فيهما حكم واحد، وألزمت – فى الدعوى الأولى – الشركة المدعية بتحرير عقد إيجار مع مورث المدعى عليها الخامسة عن تلك العين بذات شروط العقد الأصلي، وفى الدعوى الثانية برفضها، فقد استأنفت المدعية هذا الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة، وقيد استئنافها برقم 8802 لسنة 105 قضائية استئناف القاهرة، إلا أن محكمة الاستئناف أيدت الحكم المستأنف، مما حملها على أن تقيم مجدداً الدعوى رقم 104 لسنة 1992 كلى جنوب القاهرة، بطلب الحكم بإلزام المدعى عليها الخامسة بأن تؤدى لها من تركة مورثها نصف مقابل التنازل عن حق الانتفاع بالعين المتنازل عنها، وذلك عملاً بأحكام المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. بيد أن محكمة جنوب القاهرة الابتدائية قضت فى هذه الدعوى بعدم جواز نظرها لسابقة الفصل فيها. فاستأنفته المدعية بالاستئناف رقم 6404 لسنة 110 قضائية استئناف القاهرة، وأثناء نظر استئنافها بجلسة 12 يناير سنة 1994 دفعت بعدم دستورية المادة 5 من القانون رقم 51 لسنة 1981 بشأن المنشآت الطبية فيما قررته من جواز تنازل الطبيب – لغيره من الأطباء الذين يزاولون المهنة – عن حق الانتفاع بالعين المؤجرة التى يتخذ منها عيادة طبية، وذلك دون التقيد بأحكام المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية، فقد صرحت للشركة المدعية برفع دعواها الدستورية، فأقامت الدعوى الماثلة.
وحيث إن القانون رقم 51 لسنة 1981 بتنظيم المنشآت الطبية ينص فى مادته الأولى على أنه “فى تطبيق أحكام هذا القانون تعتبر منشأة طبية كل مكان أعد للكشف على المرضى أو علاجهم أو تمريضهم أو إقامة الناقهين وتشمل ما يأتي: –
(أ) العيادة الخاصة: وهى كل منشأة يملكها أو يستأجرها ويديرها طبيب أو طبيب أسنان كل حسب مهنته المرخص له فى مزاولتها، ومعدة لاستقبال المرضى ورعايتهم طبياً. ويجوز أن يكون بها أسرة على ألا يتجاوز عددها ثلاثة أسرة ……
(ب)……. (ج)…….. (د)……….”
وتنص المادة 5 من القانون ذاته على أنه “لا ينتهى عقد إيجار المنشأة الطبية بوفاة المستأجر أو تركه العين ويستمر لصالح ورثته وشركائه فى استعمال العين بحسب الأحوال، ويجوز له ولورثته من بعده التنازل عنها لطبيب مرخص له بمزاولته المهنة، وفى جميع الاحوال يلتزم المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن لهم حق فى الاستمرار فى شغل العين”.
وحيث إن الشركة المدعية تنعى على المادة 5 الآنف بيانها، أنها فيما قررته من جواز نزول الطبيب أو ورثته “من بعده” عن حق إيجار عيادته الخاصة إلى طبيب مرخص له بمزاولة المهنة، تكون قد آثرت فئة الأطباء بميزة غير مقررة لغيرهم من المستأجرين، خروجاً على القواعد العامة، ومنها تلك التى حظرت على المستأجر التنازل عن حق الإجارة، وجعلت منه سبباً لاسترداد المالك للعين المؤجرة، بما مؤداه حرمان مالك العين من الاستئثار بمنافعها مطلقاً، وإخلالها كذلك بالحقوق التى قررتها المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه، لمن يملكون الأعيان المؤجرة حال التنازل عنها للغير. وهو ما يعد إهداراً للحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة فى المادتين 32، 34 منه، وازوراراً عن التقيد بمبدأى تكافؤ الفرص، ومساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليهما فى المادتين 8، 40 من الدستور.
وحيث إن المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكانت الدعوى الموضوعية تتعلق بنزول المستأجر الأصلى عن إجارة العين التى اتخذها عيادة خاصة، إلى مورث المدعى عليها الخامسة لينتفع بها – وبوصفه طبيباً – فى ذات الغرض؛ وكان الدفع بعدم الدستورية الذى أبدته الشركة المدعية أمام محكمة الموضوع، منحصراً فى هذا النطاق وحده؛ فإن مصلحتها الشخصية المباشرة إنما تتحدد فى المسألة الدستورية المتصلة بالنزاع الموضوعي، وهى تلك المتعلقة بنزول الطبيب أو ورثته من بعده عن حق إيجار المنشأة الطبية التى يتخذها عيادة خاصة لطبيب. ومن البدهى فإن انحصار الطعن الماثل فى النطاق المتقدم، لا يعنى أن أحكام المادة 5 من القانون رقم 51 لسنة 1981 المشار إليه – وفيما يجاوز هذا النطاق – قد أضحى مطهراً مما قد يكون عالقاً بها من مثالب موضوعية، إذ لا يزال مجال الطعن فيها مفتوحاً لكل ذى مصلحة.
وحيث إن الدستور – إعلاءً من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيداً لإسهامها فى صون الأمن الاجتماعى – كفل حمايتها لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً – ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود التى يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة – فى الأعم من الأحوال – إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها. معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أداوتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام، هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً فى كنفها إلى يومه وغده، مهيمنا عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد. ولا يناجز سلطته فى شأنها خصيم ليس بيده سند ناقل لها. ليعتصم بها من دون الآخرين. وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التى تعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاضها من أطرافها. ولم يعد جائزاً بالتالى أن ينال المشرع من عناصرها. ولا أن يغير من طبيعتها أو يجردها من لوازمها. ولا أن يفصلها عنها أجزاءها أو يدمر أصلها أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع منها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصباً، وافتئاتاً على كيانها أدخل إلى مصادرتها.
وحيث إن من المقرر كذلك أن حق الملكية من الحقوق المالية التى يجوز التعامل فيها، وبقدر اتساع قاعدتها تتعدد روافدها، وتتنوع استخداماتها، لتشكل نهراً يتدفق بمصادرة الثروة القومية التى لا يجوز إهدارها أو التفريط فيها أو بعثرتها تبديداً لقيمتها؛ ولا تنظميها بما يخل بالتوازن بين نطاق حقوق الملكية المقررة عليها، وضرورة تقييدها نأياً بها عن الانتهاز أو الإضرار بحقوق الآخرين. ذلك أن الملكية – فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة – لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هى عصية على التنظيم التشريعي. وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها. ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التى تتطلبها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكماً، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعى معين فى بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها.
وفى إطار هذا الدائرة، وتقيداً بتخومها، يفاضل المشرع بين البدائل، ويرجح على ضوء الموازنة التى يجريها، ما يراه من المصالح أجدر بالحماية، وأولى بالرعاية، وفقاً لأحكام الدستور، مستهدياً فى ذلك بوجه خاص بالقيم التى تنحاز إليها الجماعة فى مرحلة بذاتها من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التى يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة.
وحيث إن الشريعة الإسلامية فى مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التى لا تبديل فيها، لا تناقض ما تقدم. ذلك أن الأصل فيها أن الأموال جميعها مردها إلى الله تعالى، أنشأها وبسطها، وإليه معادها ومرجعها، مستخلفاً فيها عباده الذين عهد إليهم بعمارة الأرض، وجعلهم مسئولين عما فى أيديهم من الأموال لا يبددونها أو يستخدمونها إضراراً. يقول تعالى [وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه] وليس ذلك إلا نهياً عن الولوغ بها فى الباطل. وتكليفاً لولى الأمر بأن يعمل على تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية المتوخاة منها، وهى مقاصد ينافيها أن يكون إنفاق الأموال وإدارتها عبثاً أو إسرافاً أو عدواناً، أو متخذاً طرائق تناقض مصالح الجماعة، أو تخل بحقوق الغير أولى بالاعتبار.
وكان لولى الأمر بالتالى أن يعمل على دفع الضرر قدر الإمكان، وأن يحول دون الإضرار إذا كان ثأراً محضاً من الضرر، ولا يفيد إلا فى توسيع الدائرة التى يمتد إليها، وأن يرد كذلك الضرر البين الفاحش. فإذا تزاحم ضرران، كان تحمل أهونهما لازماً اتقاءً لأعظمهما، ويندرج تحت ذلك القبول بالضرر الخاص لرد ضرر عام.
وينبغى – من ثم – أن يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المصالح ولا تتنافر. ذلك أن الملكية خلافة، وهى باعتبارها كذلك تضبطها وظيفتها الاجتماعية التى تعكس بالقيود التى تفرضها على الملكية، الحدود المشروعة لممارسة سلطاتها، وهى حدود يجب التزامها، لأن العدوان عليها يخرج الملكية عن دائرة الحماية التى كفلها الدستور لها.
وحيث إن المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، تنص على أنه “يحق للمالك عند قيام المستأجر فى الحالات التى يجوز له فيها بيع المتجر أو المصنع أو التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى، الحصول على 50% من ثمن البيع أو مقابل التنازل بحسب الأحوال بعد خصم قيمة المنقولات التى بالعين. وعلى المستأجر قبل إبرام الاتفاق، إعلان المالك على يد محضر بالثمن المعروض. ويكون للمالك الحق فى الشراء إذا أبدى رغبته فى ذلك، وأودع الثمن مخصوماً منه نسبة الـ 50 % المشار إليها خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار، إيداعاً مشروطاً بالتنازل عن عقد الإيجار وتسليم العين، وذلك خلال شهر من تاريخ الإعلان. وبانقضاء ذلك الأجل يجوز للمستأجر أن يبيع لغير المالك، مع التزام المشترى بأن يؤدى للمالك مباشرة نسبة الـ 50% المشار إليها.”
وحيث إن من المقرر وفقاً للقواعد العامة التى تنظم الروابط الإيجارية، أن مستأجر العين التى يستخدمها فى السكن أو لغير ذلك من الأغراض، مقيداً إذا أراد التنازل عن حق إيجارتها إلى الغير، بأن يتم هذا التنازل بناءً عن نص فى القانون أو وفقاً لترخيص صادر عن مالكها، صريحاً كان أم ضمنياً. وسواء أكان هذا الترخيص مدرجاً فى عقد الإجارة الأصلية، أم وارداً فى اتفاق لاحق على إبرامها. وإذ كان التنازل عن حق إجارة العين – فى الأحوال التى يجوز فيها ذلك – قد يؤول إلى حصول المتنازل على مبالغ ضخمة لا ينال منها مالكها أياً كان مقداره، بل ينفرد بها المتنازل من دونه؛ وكان ذلك بكل المقاييس ظلماً فادحاً يلحق بمالكها أبلغ الأضرار؛ فقد أقر المشرع نص المادة آنفة البيان التى عدل بها عما كان معمولاً به قبلها من اختصاص مستأجر العين وحده بمقابل التنازل عنها، وليعيد بموجبها على العلائق الإيجارية توازناً كان قد اختل فيما بين أطرافها، وذلك من خلال أمرين يمثلان معاً حلاً منصفاً لمواجهة تنازل مستأجر العين عن حق إجارتها، تنازلاً نافذاً فى حق مالكها: أولهما: أن يحصل مالكها على 50% من مقابل التنازل بعد خصم قيمة المنقولات التى فى العين، وهو تنازل يتم باتفاق بين المتنازل والمتنازل إليه فى شأن انتقال منفعة العين إليه، وليس لمالكها شأن فيه، ثانيهما: تقرير أولوية لمالكها فى الانتفاع – دون المتنازل إليه – بالعين التى قام بتأجيرها إلى المتنازل، وذلك بشرط أن يعلن عن رغبته هذه عن طريق إيداع خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار 50% من مقابل التنازل المعروض، على أن يكون هذا الإيداع مشروطاً بالتنازل عن عقد إيجارها وتسليمها.
وحيث إن القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه قد نشر بالجريدة الرسمية فى 30 يوليو سنة 1981، وعمل به اعتباراً من اليوم التالى لتاريخ نشره. وبمقتضى القانون رقم 51 لسنة 1981، نظم المشرع المنشآت الطبية. وإذ عُمِلَ بهذا القانون بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره فى الجريدة الرسمية فى 25 يونيو سنة 1981، فقد صار – وفى إطار ما قرره النص المطعون فيه من جواز تنازل مستأجر المنشأة الطبية وورثته من بعده عنها لطبيب مرخص له بمزاولة المهنة – مقيداً لعموم الأحكام التى انتظمتها المادة 20 من القانون رقم 1981 آنف البيان، وذلك لأمرين:
أولهما أن المشرع دل بنصها على استغراقها لكل صور التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنيه أو المؤجرة لغير ذلك من الأغراض، ليكون تطبيقها – وعملاً بعموم لفظها – غير مقصور على أشكالها بذواتها من التنازل، بل مشتملاً عليها بكل أفرادها، فلا تخرج صور من التنازل من جملتها.
ثانيهما أن المادة 5 من قانون المنشآت الطبية المطعون عليها، تخول مستأجر المنشأة الطبية – وورثته من بعده – حق التنازل عنها لغيره من أقرانه ليباشر فيها المهنة ذاتها، وليكون للمتنازل إليه حق الاستمرار فى شغل العين من دون المؤجر، إذ يلتزم “فى جميع الأحوال” بأن يحرر للمتنازل إليه عقد إيجار بشأنها، وهو ما يعنى أن التنازل يكون نافذاً فى حق المؤجر “فى كل حال” ولو لم يتقاض المؤجر شيئاً من مقابل التنازل. وذلك هو تخصيص العام، باعتبار أن التخصيص لغة هو الإفراد. وهو لا يدخل فى غير العام، ذلك أن التخصيص فى الاصطلاح، هو تمييز بعض الجملة بحكم معين يفصلها عن العام، ليتعلق هذا الحكم بمن شملهم التنظيم الخاص دون سواهم، وبمراعاة أن التخصيص يجوز أن يكون مقترناً بالعام، أو متقدماً عليه، أو متأخراً عنه. ولا كذلك الناسخ، إذ لا يجوز أن يكون متقدماً على المنسوخ، ولا مقترناً به، بل يجب أن يتأخر عنه.
وحيث إن البين من استقراء أحكام القانون رقم 51 لسنة 1981 المشار إليه، ومن تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الشئون الصحية والبيئة ومكتب لجنة الشئون الدستورية والتشريعية عن مشروع هذا القانون، أن المستشفيات العلاجية – وسواء كانت عيادات خاصة أو عيادات مجمعة أو دور نقاهة – تؤدى دوراً هاماً فى تقديم الخدمة العلاجية للمواطنين، مما جعل توسعتها، ومراقبتها وترشيد تكلفتها، لازماً ضماناً لوفاء مهنة الطب برسالتها السامية.
وحيث إن المشرع على ضوء هذه الأغراض، واستلهاماً لها، قدر أن النهوض بمهنة الطب والوفاء بتبعاتها، يقتضى أن تتواصل مباشرتها بين أجيال القائمين عليها، لا ينفصم اتصالهم بالأعيان المؤجرة المتخذة مقاراً لمزاولتها، بل يكون ارتباطهم بها مطرداً لا انقطاع فيه وفاءً بتبعاتها. متى كان ذلك، فإن نزول طبيب لأحد زملائه عن حق إجارة العين التى يستخدمها عيادة خاصة – وفى الحدود التى لا يتعارض فيها هذا التنازل مع الحقوق التى يقابلها، والمقررة لمالكها وفقاً للقواعد العامة – لا يناقض فى ذاته حق الملكية، ولا يخل بمقوماتها، بل هو أدخل إلى تنظيمها فى إطار وظيفتها الاجتماعية، بفرض قيود عليها لا تخرجها عن طبيعتها.
وحيث إن النص المطعون فيه، نظم العلاقة الإيجارية فى بعض جوانبها، مقرراً بالأحكام التى تضمنها، استثناء كل طبيب – وورثته من بعده – من الخضوع للقواعد العامة الواردة بالقانون رقم 136 لسنة 1981 آنف البيان، وذلك إذا تنازل لغيره من الأطباء عن حق إجارة العين التى اتخذها مقراً لمزاولة مهنة الطب؛ وكان الأصل فى سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يفرض الدستور على ممارستها قيوداً لا يجوز تخطيها، لضمان أن يكون الانتفاع بتلك الحقوق مفيداً وفعالاً؛ وكانت الحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة فى مادته الثانية والثلاثين، مناطها تلك الملكية التى لا تقوم على الاستغلال، ولا يتعارض استخدامها مع الخير العام لجموع المواطنين، ولا تنافى فى مقاصدها الأغراض التى تتوخاها وظيفتها الاجتماعية؛ وكان المشرع فى مجال تنظيم العلائق الإيجارية، وإن قرر من النصوص القانونية ما ارتآه محققاً للتوازن بين أطرافها، إلا أن هذا التوازن لا يجوز أن يكون صورياً أو منتحلاً أو سراباً، بل يجب أن يعكس حقيقة قانونية لا مماراة فيها، ليكون التنظيم التشريعى لحقوق المؤجرين والمستأجرين فى دائرتها، منصفاً لا متحيفاً، متعمقاً الحقائق الموضوعية، وليس متعلقاً بأهدابها الشكلية.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن المشرع لا يجوز أن يعدل من إطار العلائق الإيجارية بما يمثل افتئاتاً كاملاً على حقوق أحد أطرافها أو انحرافاً عن ضوابط ممارستها، وإلا آل أمر النصوص التى أقرها إلى البطلان من خلال مباشرة الرقابة القضائية على دستوريتها، ذلك أن القيود التى يفرضها المشرع على حق الملكية لا يجوز أن تكون مدخلاً لإثراء مستأجر العين وإفقار مالكها، ولا أن يحصل المستأجر من خلالها على حقوق لا يسوغها مركزه القانونى فى مواجهة المؤجر، وإلا حض تقريرها على الانتهاز، وناقض جوهر الملكية التى لا يجوز أن تكون ثمارها عائدة إلى غير أصحابها. وآية ذلك أن الأصل هو أن يتحقق التضامن بين المؤجر والمستأجر من الوجهة الاجتماعية، وأن تتوافق مصالحهما ولا تتنافر من الوجهة الاقتصادية، وإلا كان كل منهما حرباً على الآخر، يهتبل الفرص لأكل حقه بالباطل، ولا يجوز بالتالى أن يميل ميزان التوازن بينهما لتكون الحقوق المقررة لأحدهما إجحافاً وإعناتاً وقهراً. وليس من المتصور أن يكون مغبون الأمس – وهو المستأجر – غابناً، ولا أن يكون تدخل المشرع شططاً وقلباً للموازين وترجيحاً لكفته، لتكون أكثر ثقلاً، وليحل الصراع بين هذين العاقدين، بديلاً عن اتصال التعاون بينهما.
وحيث إنه لا ينال مما تقدم، قالة: إن النص المطعون فيه من قبيل التشريعات الاستثنائية التى تدخل بها المشرع لمواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن، سواء كانت مهيأة للسكنى أو معدة لغير ذلك من الأغراض. ذلك أن الطبيعة الاستثنائية لتلك التشريعات التى لا يجوز التوسع فى تفسيرها، أو القياس عليها، والتى درج المشرع على تنظيم العلائق الإيجارية من خلالها، واعتبر أحكامها من النظام العام لإبطال كل اتفاق على خلافها، ولضمان سريانها بأثر مباشر على عقود الإيجار القائمة عند العمل بها – ولو كانت مبرمة قبلها – لا تعصمها من الخضوع للدستور. ولا تخرجها من مجال الرقابة القضائية التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا على دستورية النصوص القانونية جميعها. بل يتعين اعتبارها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها، وأن يكون مناط سلامتها هو اتفاقها مع أحكام الدستور.
ويجب بالتالى أن تقدر الضرورة الموجهة لهذا التنظيم الخاص بقدرها، وأن تدور معها وجوداً وعدماً تلك القيود التى ترتبط بها وترتد إليها، باعتبارها مناط مشروعيتها وعلة استمرارها.
وحيث إن النص المطعون فيه، لم يلتزم بالقواعد التى تنظم التنازل بوجه عام، والتى تضمنتها المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 آنف البيان، بل أسقطها بتمامها، ليمتنع على المالك بعدئذ الخيار بين حقين كفلتهما المادة 20 من هذا القانون، هما أن يحصل على 50% من مقابل التنازل إذ أراد إعمال آثاره. أو أن يستعيد العين من مستأجرها بعد أداء تلك القيمة مع أنها العلاقة الإيجارية التى ارتبطا بها فى شأنها. بيد أن النص المطعون فيه حرم من يملكون الأماكن المؤجرة المتخذة مقاراً للعيادات الطبية الخاصة، من هذين البديلين كليهما، واعتبر – بما انطوى عليه من حكم خاص – تنازل الأطباء وورثتهم من بعدهم عن حق إجارة تلك الأعيان لغيرهم من الأطباء، نافذاً فورياً قبل ملاكها، ومقروناً باستمرار عقود الإيجار المبرمة فى شأنها لصالح المتنازل إليهم، مع إلزام المؤجرين بتحرير عقود إيجار لهم. بما مؤداه التعرض لحق ملكيتهم على الأعيان المؤجرة، من خلال منعهم من الاستئثار بمنافعها.
وحيث إن النص المطعون فيه، يبدو منفصلاً عن الأصول التى تقتضيها مزاولة مهنة الطب والقيام على رسالتها، ذلك أن الحقوق التى يرتبها للأطباء فيما بين بعضهم البعض لقاء التنازل عن الأعيان المتخذة مقاراً لعياداتهم الخاصة، لازمها إلغاء حقوق ملاكها إلغاء كاملاً ونهائياً. إذ يقدم للأطباء – دون غيرهم من المتنازل عن حق الإجارة – ميزة استثنائية ينفردون بها، وتعصمهم من أن يؤدوا لمن يملكون الأعيان شيئا منها ولو ضَؤُل. ولا يدخل ذلك فى نطاق التنظيم التشريعى لحق الملكية، بل هو عدوان عليها. ذلك أن النص المطعن فيه يقدم المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة، ولا يختار أهون الشرين لدفع أعظمهما، بل يلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش، منافياً بذلك المقاصد الشرعية التى ينظم ولى الأمر الحقوق فى نطاقها، ومجاوزاً بذلك الحدود المنطقية لعلاقة كان ينبغى أن تتوازن فيها المصالح، لا أن تتصادم، ومغلباً مصالح فئة بذاتها من المواطنين على سواهم، بإيثار أفرادها بمزايا مالية يختصون بها دون غيرهم.
وحيث إن الدساتير المصرية جميعها بدءاً بدستور 1923، وانتهاء بالدستور القائم، رددت جميعها مبدأ المساواة أمام القانون، وكفلت تطبيقه على المواطنين كافة باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الغاية التى يستهدفها تتمثل فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها، أو تقيد ممارستها. وأضحى هذا المبدأ – فى جوهره – وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التى لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال إعمالها كذلك إلى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما يرتئيه محققاً للصالح العام. ولئن نص الدستور فى المادة 40 على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها، هى تلك التى يقوم التمييز فيها على أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز محظوراً فيها. مرده أنها الأكثر شيوعاً فى الحياة العملية، ولا يدل البتة على انحصاره فيها – إذ لو صح ذلك لكان التمييز بين المواطنين فيما عداها جائزاً دستورياً، وهو ما يناقض المساواة التى كفلها الدستور، ويحول دون إرساء أسسها وبلوغ غاياتها. وآية ذلك أن من صور التمييز التى أغفلتها المادة 40 من الدستور ما لا تقل عن غيرها خطراً سواء من ناحية محتواها، أو من جهة الآثار التى ترتبها، كالتمييز بين المواطنين فى نطاق الحقوق التى يتمتعون بها، أو الحريات التى يمارسونها، لاعتبار مرده إلى مولدهم أو مركزهم الاجتماعى أو انتمائهم الطبقى أو ميولهم الحزبية أو نزعاتهم العرقية أو عصبيتهم القبلية، أو إلى موقفهم من السلطة العامة، أو إعراضهم عن تنظيماتها، أو تبنيهم لأعمال بذاتها، وغير ذلك من أشكال التمييز التى لا تظاهرها أسس موضوعية تقيمها؛ وكان من المقرر أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها أو تعطيل أو انتقاص آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين للانتفاع بها. متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه يتوخى بالمزايا والحقوق التى كفلها للأطباء دون سواهم، تفضيلهم على من عداهم من المستأجرين، واستبعاد هؤلاء من الإفادة منها رغم تماثلهم جميعاً فى مراكزهم القانونية، ودون أن يستند هذا التمييز إلى إلى أسس مشروعة، بل عمد المشرع إلى نقيضها، فإن ذلك النص يكون مفتقراً إلى الأسس الموضوعية التى كان ينبغى أن يحمل عليها، منهياً عنه بنص المادة 40 من الدستور، باعتباره تمييزاً تحكمياً.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان النص المطعون فيه قد أخل بالحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة، وأهدر مبدأ المساواة أمام القانون، فإنه بذلك يكون مخالفاً لأحكام المواد 32، 34، 40 من الدستور.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة 5 من القانون رقم 51 لسنة 1981 بتنظيم المنشآت الطبية، فيما انطوت عليه من استثناء تنازل الطبيب أو ورثته من بعده عن حق إجارة العين المتخذة مقراً لعيادته الخاصة لطبيب مرخص له بمزاولة المهنة، من الخضوع لحكم المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ جنيه مقابل أتعاب المحاماة(1).


(1) اعمالاً للحجية المطلقة لهذا الحكم، قضت المحكمة باعتبار الخصومة منتهية فى الدعويين المتماثلتين الآتيتين:
1- الدعوى رقم 12 لسنة 17 قضائية دستورية جلسة 4/ 11/ 1995.
2- الدعوى رقم 20 لسنة 17 قضائية دستورية جلسة 2/ 12/ 1995.