الخط الساخن : 01118881009

جلسة 5 أغسطس سنة 1995

برئاسة المستشار/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (7)
القضية رقم 9 لسنة 16 قضائية “دستورية”

1- دعوى دستورية “شرط المصلحة الشخصية المباشرة”.
مؤدى شرط المصلحة الشخصية المباشرة ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الاشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم – استقلال هذا الضرر بالعناصر التى يقوم عليها من مخالفة النص المطعون فيه للدستور.
2- دعوى دستورية “حالات انتفاء المصلحة فيها”.
إذ لم يكن النص المطعون فيه قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه أو كان قد أفاد من مزاياه أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليها، فلا مصلحة للمدعى فى الدعوى.
3- دعوى دستورية – المحكمة الدستورية العليا – “ولايتها”.
مباشرة المحكمة الدستورية العليا ولايتها بما يكفل فعاليتها، من المتعين أن تدور رقابتها وجوداً وعدماً مع الأضرار الناجمة عن سريان النص المطعون فيه.
4- دعوى دستورية “المصلحة الشخصية المباشرة: ثبوت الضرر – مناط المصلحة”.
ضرورة قيام الدليل على اتصال الأضرار المدعى وقوعها بالنص المطعون فيه – مناط المصلحة الشخصية المباشرة أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازما للفصل فى النزاع الموضوعي.
5- تشريع “المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب” – دعوى دستورية “قيام المصلحة الشخصية المباشرة”.
قيام هذه المصلحة فى النعى على المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب بمخالفتها للدستور، فيما تنص عليه من عدم جواز الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم إلا بطريق إعادة النظر.
6- رقابة قضائية: المحكمة الدستورية العليا “حدود ولايتها”.
تنحصر الرقابة القضائية التى تباشرها هذه المحكمة فى إنزال حكم الدستور فى شأن ما يعرض عليها من نصوص قانونية – المسائل الدستورية هى جوهر هذه الرقابة – قضاؤها ببطلان هذه النصوص أو صحتها لا يعدو أن يكون تقريراً بتصادمها أو اتفاقها مع الدستور – ليس لهذه المحكمة أن تفصل فى غير المسائل التى تثيرها الخصومة الدستورية وبقدر اتصالها بالنزاع الموضوعي.
7- تشريع “المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب: أثر الحكم بعدم دستوريته – تدخل تشريعي”.
إبطال المحكمة الدستورية العليا للنص المشار إليه يفيد لزوماً انفتاح طريق الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم تصويباً لأخطائها القانونية، ولو كان إنفاذ ذلك يقتضى، تدخلاً تشريعياً لتحديد الجهة التى تفصل فى هذا الطعن وكيفية تشكيلها.
8- تشريع “نص المادة 6 من قانون تصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة – دلالتها”.
النزاع المحال إلى محكمة القيم إعمالاً لنص المادة 6 من القانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة يدور حول الملكية التى تختص جهة القضاء العادى أصلاً بالفصل فيها.
9- دستور “المادة 68 منه: دلالتها”.
يدل نص المادة 68 من الدستور على أمرين:
(1) لكل مواطن السعى بدعواه إلى قاض مهيأ دون غيره للفصل فيها.
(2) أن الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال حقهم فى النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي.
وجوب أن يكون لذات الحقوق قواعد موحدة سواء مجال التداعى بشأنها أو الدفاع عنها أو استئدائها أو الطعن فى الأحكام التى تتعلق بها – عدم جواز التمييز بين المواطنين – دون مبرر – فى شأن إعمال هذه القواعد بما يبطلها لفريق من بينهم أو يقيدها.
10- تنظيم الحقوق “سلطة المشرع: قيودها”.
الأصل فى السلطة التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق هو إطلاقها – القيود التى يوجبها الدستور لصون هذه الحقوق هى التى تتحدد تخوم الدائرة التى لا يجوز أن يتدخل التنظيم التشريعى فيها هادماً للحقوق المكفولة فى الدستور.
11- دستور “المواد 1، 3، 4 – الدولة القانونية – المحاكمة المنصفة – ضمانة الدفاع”.
قيام نظام الحكم – وفقاً لهذه المواد – على أساس ديمقراطى – انتهاج الدولة القانونية للقاعدة القانونية فى مختلف مظاهر سلوكها – تقيدها بهذه القاعدة يعتبر مفترضاً أولياً لتوكيد خضوعها للقانون – ارتباط ذلك بأن يكون لكل شخص حق مكتمل ومتكافئ مع غيره فى محاكمة علنية ومنصفة تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة تتولى الفصل فى حقوقه والتزاماته المدنية – عدم الإخلال فى إطار هذه المحاكمة بضمانة الدفاع.
12- دستور “ضمانة الدفاع: مقتضاها” – محامون.
افتراض الدستور – من خلال ضمانة الدفاع المنصوص عليها فيه – ألا يكون دور المحامين شكلياً – إغلاق طرق الطعن بالنسبة إلى فئة ممن يملكون، وحرمان هذه الفئة من فرص الدفاع عن حقوقهم يكون ممتنعاً دستورياً.
13- دستور – الملكية الخاصة “حمايتها”.
كفالة الدستور فى المادة 32 و34 منه حماية الملكية الخاصة لكل فرد وطنياً كان أم أجنبياً – من غير الجائز أن ينال المشرع من عناصر الملكية الخاصة أو يغير من طبيعتها أو يقيد مباشرة الحقوق المتفرعة عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية.
14- حق الملكية الخاصة “وظيفتها الاجتماعية”.
جواز تحميل الملكية الخاصة بالقيود التى تتطلبها وظيفتها الاجتماعية.
15- حراسة – تشريع “القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981” – المحكمة الدستورية العليا.
قيام هذا القرار بقانون على أصل رد الأموال الخاضعة للحراسة إلى الخاضعين للمخاطبين به عيناً – قضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن استثنائه جانباً من هذه الأموال من قاعدة الرد العينى مع تعويض أصحابها عنها قاطع بأن التعويض ليس معادلاً لقيمتها الحقيقية – مؤدى ذلك: ضرورة رد تلك الأموال إلى أصحابها دون قيد.
16- تشريع: المادة 6 من القانون بقانون رقم 141 لسنة 1981 – اختصاص “محكمة القيم”.
اختصاص محكمة القيم محدداً على ضوء نص هذه المادة لا يتعلق إلا بالملكية الخاصة فصلاً فى ثبوتها أو انتفاء الحق فيها.
17- الملكية الخاصة “حق دائم – صورها – حمايتها “المحكمة العليا للقيم “الطعن فى حكمها”.
الأصل فى الملكية أنها تعتبر حقاً دائماً – بسط الحماية الدستورية على الأموال كلها دون تمييز بينها سواء كان الحق شخصيا أم عينيا أم كان من حقوق الملكية الأدبية أو الفنية أو الصناعية – من المتعين فى مجال اختصاص قضاء القيم بالفصل فى الملكية أن تحكمها ذات القواعد القانونية العامة، وعلى الأخص على صعيد الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم – لا يجوز أن يكون هذا الطريق مفتوحاً لفئة ممن يملكون ومحجوباً عن نظرائهم.
18- حق الملكية: “تماثل المراكز القانونية”.
الخاضعون للحراسة وغيرهم الذين لم تشملهم تدابيرها، فهؤلاء وهؤلاء إذ يطلبون رد أموالهم إليهم – أيا كان سبب تملكهم لها. لا يتمايزون عن بعضهم البعض إلا فى واقعة فرض الحراسة على الأولين – هذه الواقعة إذ تعد منعدمة فى ذاتها من زاوية دستورية فلا تكون مرتبة لأية آثار قانونية – من غير المتصور – بالتالى أن يستقيم بها التباين بين مركزين قانونيين – انعدامها لا يصح أن ينتقص من القواعد الإجرائية والموضوعية التى حددها الدستور لإسباغ الحماية القانونية الواجبة لحق الملكية.
19- الملكية الخاصة – مبدأ خضوع الدولة للقانون “الدولة القانونية”.
عدم انفصال صون الملكية الخاصة من زاوية القواعد الإجرائية والموضوعية التى بسطها الدستور والمشرع عليها عن مبدأ خضوع الدولة للقانون – فى الدولة القانونية لا تختص فئة ممن يملكون بحقوق يستقلون بها ولو كان من حرموا منها يساوونهم فيها.
20- مبدأ المساواة “تنظيم تشريعي”.
اتفاق هذا التنظيم مع الدستور يفترض ألا تنفصل نصوصه عن أهدافها بما يخل بالاسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً.
21- مبدأ المساواة “صور التمييز – قوامها”.
صور التمييز وإن تعذر حصرها إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق التى كفلها الدستور أو القانون.
22- تشريع “المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب” – مبدأ المساواة “إخلال به”.
حرمان الملاك المخاطبين بهذه المادة من فرص الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة “من المحكمة العليا للقيم”، وبالتالى تجريدهم من إحدى صور الحماية المكفولة للملكية الخاصة، المقررة لنظرائهم من الملاك فى منازعات الملكية، فيه إخلال بمبدأ المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات.
1، 2، 3، 4 إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية، ويرسم تخوم ولايتها، فلا تمتد لغير المطاعن التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعي، وبالقدر اللازم للفصل فيها. ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم، سواء أكان هذا الضرر وشيكا يتهددهم، أم كان قد وقع فعلاً.
ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها، ممكناً تحديده وتسويته بالترضية القضائية، عائداً فى مصدره إلى النص المطعون فيه، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية، عما كان عليه قبلها.
ولا يتصور بالتالى أن تكون الدعوى الدستورية أداة يعبر المتداعون من خلالها عن آرائهم فى الشئون التى تعنيهم بوجه عام، ولا أن تكون نافذة يعرضون منها ألواناً من الصراع بعيداً عن مصالحهم الشخصية المباشرة، أو شكلاً للحوار حول حقائق عملية يطرحونها لإثباتها أو نفيها، أو طريقاً للدفاع عن مصالح بذواتها لا شأن للنص المطعون عليه بها. بل تباشر المحكمة الدستورية العليا ولايتها – التى كثيراً ما تؤثر فى حياة الأفراد وحرماتهم وحرياتهم وأموالهم – بما يكفل فعاليتها. وشرط ذلك إعمالها عن بصر وبصيرة، فلا تقبل عليها اندفاعاً، ولا تُعْرض عنها تراخياً. ولا تقتحم بممارستها حدوداً تقع فى دائرة عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية. بل يتعين أن تكون رقابتها ملاذاً أخيراً ونهائياًَ، وأن تدور وجوداً وعدماً مع تلك الأضرار التى تستقل بعناصرها، ويكون ممكناً إدراكها، لتكون لها ذاتيتها. ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون من الضرر متوهماً أو منتحلاً أو مجرداً in abstracto أو يقوم على الافتراض أو التخميين Conjectural
ولازم ذلك، أن يقوم الدليل جلياً على اتصال الأضرار المدعى وقوعها بالنص المطعون عليه، وأن يسعى المضرور لدفعها عنه، لا ليؤمن بدعواه الدستورية – وكأصل عام – حقوق الآخرين ومصالحهم، بل ليكفل إنفاذ تلك الحقوق التى تعود فائدة صونها عليه in concreto. والتزاماً بهذا الإطار، جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن المصلحة الشخصية المباشرة، شرط لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازماً للفصل فى النزاع الموضوعي.
5- إن البين من الحكم الصادر من المحكمة العليا للقيم رقم 37 لسنة 6 قضائية قيم عليا، أنها تؤيد قضاء محكمة القيم فى الدعوى رقم 19 لسنة 5 قضائية قيم بإلغاء عقد البيع المشهر فى 5/ 4/ 1972 برقم 2235 توثيق القاهرة فى شأن العقار رقم 92 شارع النيل بالجيزة، باستثناء حصتين مساحتهما ستة قراريط شائعتين فى كامل أرض وبناء هذا العقار للسيدتين إيفيت ولندا إلياس عبد الله مرشاق. وإذ فصل هذا الحكم بذلك فى مسألة كلية قوامها أن هاتين السيدتين لا تملكان هاتين الحصتين، فإن قضاءها هذا لابد أن يؤثر فى الدعوى رقم 142 لسنة 6 قضائية قيم التى أقامتها الجهة الادراية أمام محكمة القيم للحصول على ريعهما، ولا يكون أمام هاتين السيدتين من بعد، من سبيل لرد دعواها، إلا ولوج طريق الطعن فى الحكم الصادر عن المحكمة العليا للقيم فى الطعن رقم 37 لسنة 6 قضائية قيم عليا، وهو ما تقوم به المصلحة الشخصية المباشرة فى النعى على المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب، مخالفتها للدستور، فيما تنص عليه من عدم جواز الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم، إلا بطريق إعادة النظر.
6- إن الرقابة القضائية على الدستورية التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا، إنما تنحصر فى إنزال حكم الدستور فى شأن النصوص القانونية التى تعرض عليها لقيام شبهة قوية فى مخالفتها لقواعده، بما مؤداه أن المسائل الدستورية هى جوهر رقابتها، وهى التى تجيل بصرها فيها بعد إحاطتها بأبعادها، توكيداً للطبيعة العينية للدعوى الدستورية، واستصحاباً لأصل الخصومة فيها، ومناطها مقابلة النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور، بالقيود التى فرضها لضمان النزول عليها. ومن ثم يكون إهدار هذه النصوص بقدر تعارضها مع الدستور، إطاراً وحيداً للخصومة الدستورية، وهو كذلك موضوعها، والغاية التى تبتغيها. وقضاء المحكمة الدستورية العليا ببطلان هذه النصوص أو صحتها، لا يعدو أن يكون تقريراً بتصادمها أو اتفاقها مع الدستور. وليس لها بالتالى أن تفصل فى غير المسائل التى تثيرها الخصومة الدستورية، وبقدر اتصالها بالنزاع الموضوعي.
7- إن إبطال المحكمة الدستورية العليا لنص المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980 – والتى لا تجيز الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة من المحكمة العليا للقيم إلا بطريق إعادة النظر – يعنى أن هذا الحظر يناقض الدستور، وهو ما يفيد لزوماً انفتاح طريق الطعن فيها تصويباً لأخطائها القانونية، إعمالاً لآثار الحكم الصادر فى المسائل الدستورية، ولو كان إنفاذ هذه الآثار يقتضى تدخلاً تشريعاً “لتحديد الجهة التى تفصل فى هذا الطعن وكيفية تشكيلها”. ذلك أن الحجية المطلقة التى أسبغها قانون المحكمة الدستورية العليا على أحكامها فى المسائل الدستورية، لازمها تقيد الناس أجمعين بمضمونها. ونزول الدولة بكامل سلطاتها وتنظيماتها عليها، لتعمل بوسائلها وأدواتها – من خلال السلطة التشريعية كلما كان ذلك ضرورياً – على تطبيقها.
8- إن المادة 6 من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة، تقضى بأن “تختص محكمة القيم المنصوص عنها فى قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980 دون غيرها، بنظر المنازعات المتعلقة بتحديد الأموال وقيمة التعويضات المنصوص عليها فى المادة السابقة. وكذلك المنازعات الأخرى المتعلقة بالحراسات التى فرضت قبل العمل بالقانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب أو المترتبة عليا، وتحال إليها جميع المنازعات المطروحة على المحاكم الأخرى بجميع درجاتها…”
وقد أحيل النزاع الموضوعى إلى محكمة القيم إعمالاً لنص المادة 6 من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة، ويثير هذا النزاع وفقاً لحكمها حقوقاً تدور حول الملكية التى تختص أصلاً جهة القضاء العادى بالفصل فيها ابتدائيا واستئنافيا.
9 – إن الدستور بما نص عليه فى المادة 68 منه، من ضمان حق كل مواطن فى اللجوء إلى قاضيه الطبيعى لرد ما قد يقع من عدوان على الحقوق التى يدعيها، قد دل على أمرين:
أولهما: أن لكل مواطن أن يسعى بدعواه إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعتها، وعلى ضوء مختلف العناصر التى لابستها، مهيأ دون غيره للفصل فيها.
ثانيهما: أن الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال حقهم فى النفاذ إلى قاضيهم الطبيعى، ولا فى نطاق القواعد الإجرائية والموضوعية التى تحكم الخصومة القضائية عينها، ولا فى فعاليه ضمانة الدفاع التى يكفلها الدستور والمشرع للحقوق التى يدعونها، ولا فى اقتضائها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروط طلبها، ولا فى طرق الطعن التى تنتظمها. بل يجب أن يكون للحقوق عينها، قواعد موحدة سواء فى مجال التداعى بشأنها، أو الدفاع عنها، أو استئدائها، أو الطعن فى الأحكام التى تتعلق بها. ولا يجوز بالتالى أن يقيم المشرع فيما بين المواطنين تمييزاً غير مبرر فى شأن إعمال هذه القواعد، بما يعطلها لفريق من بينهم أو يقيدها، وبوجه خاص على صعيد الفصل بطريقة منصفة فى حقوقهم المدنية والتزاماتهم. ويؤيد ذلك أن طرق الطعن فى الأحكام لا تعتبر مجرد وسائل إجرائية ينشئها المشرع ليوفر من خلالها سبل تقويم اعوجاجها، بل هى فى واقعها أوثق اتصالاً بالحقوق التى تناولتها، سواء فى مجال إثباتها أو نفيها أو توصيفها، ليكون مصيرها عائداً أساساً إلى انفتاح هذه الطرق أو انغلاقها، وكذلك إلى التمييز بين المواطنين المتحدة مراكزهم القانونية identically situated فى مجال النفاذ إلى فرصها.
10- إن السلطة التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، وإن كان الأصل فيها هو إطلاقها، إلا أن القيود التى قد يفرضها الدستور لصون هذه الحقوق من صور العدوان المحتمل عليها، هى التى تبين تخوم الدائرة التى لا يجوز أن يتداخل التنظيم التشريعى فيها هادماً للحقوق التى يكفلها الدستور، أو مؤثراً فى محتواها بما ينال منها. ومن ثم تمثل هذه الدائرة مجالا حيويا لا يتنفس الحق إلا من خلالها، ولا يكون هذا الحق ممكنا من زاوية دستورية إلا فيما وراء حدودها الخارجية، ليكون اقتحامها مجانباً لتنظيمه، وعدواناً عليه أدخل إلى مصادرته أو تقييده. كذلك لا يجوز أن تنفصل النصوص القانونية التى نظم بها المشرع موضوعاً محدداً عن أهدافها، بل يجب أن تكون هذه النصوص مدخلاً إليها، وموطئاً لإشباع مصلحة عامة لها اعتبارها .appropriate means to justifiable ends
ومرد ذلك، أن كل تنظيم تشريعى لا يصدر عن فراغ، ولا يعتبر مقصوداً لذاته. بل مرماه إنفاذ أغراض بعينها يتوخاها، وتعكس مشروعيتها إطاراً للمصلحة العامة التى أقام المشرع عليها هذا التنظيم باعتباره أداة تحقيقها، وطريق الوصول إليها.
11- إن ما نص عليه الدستور فى المواد 1 و3 و4 من قيام نظام الحكم على أساس ديموقراطي، ومباشرة الشعب لحقوق السيادة فى الحدود التى نص عليها، قد دل على أنه فى مجال حقوق المواطنين وحرياتهم، فإن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها، وتتقيد هى بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدول الديمقراطية باطراد فى مجتمعاتها واستقر العمل فيها بينها على انتهاجها فى مختلف مظاهر سلوكها، باعتبار أن التقيد بها مفترض أولى لتوكيد خضوعها للقانون، وبما لا إخلال فيه بتلك الحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية – ووفقاً لمعايير تطبيقها لديها – معبراً عن إقراراها لضماناتها، ونزولها بالقيود عليها إلى الحدود التى تقتضيها الضرورة، وبما لا يعطل جوهرها “essential core”، إنفاذاً لفعاليتها، واستيفاء لدورها فى مجال إشباع المصالح المرتبطة بها. ويندرج تحتها أن يكون لكل شخص حق مكتمل ومتكافئ مع غيره، فى محاكمة علنية ومنصفه، تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة، تتولى الفصل فى حقوقه والتزاماته المدنية، بما يعكس المقاييس المعاصرة التى تلتزمها الأمم المتحضرة فى تنظيماتها، وبوجه خاص تلك التى تتصل بتشكيل محاكمها، وقواعد إدارتها، والأشكال الإجرائية المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، والتكلفة المطلوبة لخدماتها، وبما لا يخل فى إطارها بضمانة الدفاع التى تتكافأ للخصوم معها أسلحتهم، equality of arms، ويؤمن المحامون على ضوئها مصالح موكليهم، ويرعون حدودها، وفق أصول المهنة ومتطلباتها، وبما لا ينحدر بضوابط ممارستها إلى حد إهدار مستوياتها الموضوعية التى يفترض أن يكون التقيد بها، كافلاً لدورهم بوصفهم شركاء للسلطة القضائية فى النهوض برسالتها.
12- وإذ كان الدستور – بالنصوص التى صاغها لإرساء ضمانة الدفاع – يفترض ألا يكون دور المحامين شكلياً أو رمزياً، متخاذلاً أو قاصراً عن أن يقدموا لموكليهم تلك المعاونة الفعالة التى يقتضيها صون حقوقهم، فإن التدخل تشريعياً بما يعوق إنفاذ موجباتها – كإغلاق طريق الطعن بالنسبة إلى فئة ممن يملكون، وحرمان أفرادها بالتالى من فرص الدفاع عن حقوقهم أو من بعض جوانبها – يكون كذلك ممتنعاً دستورياً.
13- إن الدستور – إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيداً لإسهامها فى صون الأمن الاجتماعى – كفل بالمادتين 32 و34 حمايتها لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً – ولم يجز المساس بها إلى على سبيل الاستثناء، وفى الحدود التى يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة – فى الأعم من الأحوال – إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضروريا لصونها، معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أدواتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام، هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً إلى كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته فى شأنها خصيم ليس بيده ناقل لها، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التى تعينها على أداء دورها وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها.
ولم يعد جائزاً بالتالى أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها، أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن أجزائها أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصباً، وافتئاتاً على كيانها أدخل إلى مصادرتها.
وبقدر اتساع قاعدة الملكية تتعدد روافدها، وتتنوع استخداماتها، لتشكل نهر يتدفق بمصادر الثروة القومية التى لا يجوز إهدارها، أو التفريط فيها أو بعثرتها تبديداً لقيمتها، ولا تنظيمها بما يخل بالتوازن بين نطاق حقوق الملكية المقررة عليها، وضرورة تقييدها نأياً عن الانتهاز، أو الإضرار بحقوق الآخرين. ذلك أن الملكية – فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة – لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هى عصية على التنظيم التشريعي. وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها.
14- جواز تحميلها بالقيود التى تتطلبها وظيفتها الاجتماعية. وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكماً، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعى معين، فى بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها، وبمراعاة أن القيود التى يفرضها الدستور على حق الملكية، للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها بل غايتها خير الفرد والجماعة.
15- إن البين من اختصاص محكمة القيم – محدداً وفقاً لنص المادة 6 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة – أن الحقوق المثارة فى الدعاوى التى يتعلق بها هذا الاختصاص، تدور جميعها حول الملكية الفردية التى كفل الدستور صونها، واختصها بالحماية المنصوص عليها فى المادتين 32 و34، ذلك أن المنازعات التى تنشأ عن الحراسات المفروضة قبل العمل بالقانون رقم 34 لسنة 1971 – بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب – أو المترتبة عليها، محورها أموال الأشخاص الذين أخضعتهم أوامر الجهة الإدارية الصادرة عنها وفقاً لقانون الطوارئ، لتلك التدابير، ليقع عبؤها عليهم تارة، أو عليهم مع عائلاتهم بالتبعية طوراً آخر.
وقد صدر القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 آنف البيان، بعد أن كانت جهات القضاء على اختلافها قد استقر أمرها على انهدام الأوامر الصادرة بفرض الحراسة على أموال الأشخاص الطبيعيين استناداً إلى أحكام القانون رقم 162 لسنة 1958 فى شأن حالة الطوارئ، وانعدام آثارها. وإذا كان إعمال آثار هذه الأحكام فى شأن تلك الأوامر، مؤداه أن ترد الأموال التى تناولتها – وبأكملها – إلى أصحابها عيناً، وكان استئثارهم بها قد انطوى – فى تقدير المشرع – على الإضرار بأخرين ظلوا يحوزونها مدداً طويلة رتبوا خلالها – وعلى أساسها – حقهم فى العيش والحياة الآمنة، فقد تدخل المشرع للحد من جريان هذه الآثار على إطلاقها، ضماناً للسلام الاجتماعي، وصوناً لبعض الأوضاع السياسية والاقتصادية القومية. واقتضاه ذلك أن يلجأ – استثناء – إلى تعويضهم على بعض أموالهم وفق معايير قدر ألا يكون تطبيقها منطوياً على مصادرة كلية أو جزئية للحق فى التعويض. وهو استثناء ظل قائماً فى الحدود التى بينها المشرع، ومرتبطاً بأموال بذواتها لا يتعداها إلى غيرها.
ومن ثم كان منطقياً أن يردد هذا القرار بقانون، الأصل العام فى شأن أموال الخاضعين لتلك التدابير، ممثلاً فى ردها عيناً إليهم، وإن ينص فى مادته الأولى – واستصحاباً لهذا الأصل – على أن “تعتبر كأن لم تكن الأوامر الصادرة بفرض الحراسة على الأشخاص الطبيعيين وعائلاتهم وورثتهم استناداً إلى أحكام القانون رقم 162 لسنة 1958 فى شأن حالة الطوارئ، وتتم إزالة الآثار المترتبة على ذلك الوجه المبين فى هذا القانون”. مقنناً بذلك ما استقر عليه القضاء من قبل اعتبار هذه الأوامر متضمنة عيباً جسيماً يفقدها مقوماتها لصدورها عارية عن سندها من خلال عدوانها على الملكية الخاصة التى عنى الدستور بصونها، وهو ما ينحدر بتلك الأوامر إلى مرتبة الأعمال المادية عديمة الأثر قانوناً، ويجردها من محتواها، ومن مشروعيتها الدستورية، لتنحل عدماً.
ولئن صح القول بأن جانباً من الأموال التى شملتها التدابير المنصوص عليها فى المادة الأولى من هذا القرار بقانون، قد استثنتها مادته الثانية من قاعدة الرد العينى مع تعويض أصحابها عنها وفقاً للأسس التى حددتها، إلا أن قضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن هذا الاستثناء – وعلى ما يبين من حكمها الصادر فى الدعويين رقمى 139 و140 لسنة 5 قضائية “دستورية” – جاء قاطعاً بأن التعويض المقرر عن الأموال التى تناولها، ليس معادلاً لقيمتها الحقيقية، وهو ما يعنى بالضرورة، رد تلك الأموال إلى أصحابها دون قيد.
16، 17- إن ما تقدم مؤداه، أن اختصاص محكمة القيم – محدداً على ضوء نص المادة 6 من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 المشار إليه – لا يتعلق إلا بالملكية الخاصة فصلاً فى ثبوتها أو انتفاء الحق فيها، وكان الأصل فى الملكية أنها تعتبر حقا دائما، فلا تزول بالتراخى فى استعمالها أمداً ولو كان بعيداً، بل يظل صاحبها متمتعاً بالحق فى حمايتها، وأن ترد إليه عند اغتصابها، غير مقيد فى ذلك بزمن معين، إلا إذا آل الحق فيها إلى غيره وفقاً للقانون، وكان من المقرر كذلك أن الحماية التى أضفاها الدستور على الملكية الخاصة لضمان صونها من العدوان، لا تنحصر فى الملكية الفردية كحق عينى أصلى تتفرع عنه الحقوق العينية جميعها، ويعتبر أوسعها وجماعها، بل تمتد هذه الحماية إلى الأموال كلها – ودون تمييز بينها – باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية سواء أكان هذا الحق شخصياً، أم عينياً، أم كان من الحقوق الملكية الأدبية أو الفنية أو الصناعية. متى كان ذلك، فإن حقوق الملكية فى مختلف صورها – وأيا كان سبب نشوئها أو انتقالها إلى الغير – تشملها الحماية الدستورية المنصوص عليها فى المادتين 32 و34 وهى فى مجال اختصاص قضاء القيم بالفصل فيها، يتعين أن تحكمها القواعد القانونية عينها عند توافر شروط تطبيقها، وبوجه خاص على صعيد الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم، إذ لا يجوز أن يكون هذا الطريق مفتوحاً لفئة ممن يملكون، ومحجوباً عن نظرائهم.
18، 19، 20، 21- إنه لا ينال مما تقدم، قالة: أن المحكمة العليا للقيم – بوصفها درجة استئنافية لمحكمة القيم – إنما تفصل فى أنواع بذاتها من المنازعات التى تستقل بخصائصها التى تمنحها ذاتيتها، وتتمثل فى انصرافها إلى الأشخاص الطبيعيين المشمولين بتلك التدابير الاستثنائية التى فرضتها الدولة عليهم لإخضاع أموالهم لحراستها، وأنهم بسببها – وترتيباً عليها – يعتبرون فى مركز قانونى مغاير لمن لم تشملهم هذه التدابير، ويدعون ملكية أموال يقيمون دعوى الاستحقاق لطلبها، لا محل لما تقدم، ذلك أن هؤلاء وهؤلاء يطلبون رد أموالهم إليهم – أياً كان سبب تملكهم لها – ولا يتمايزون عن بعضهم البعض إلا فى واقعة بعينها تعد منعدمة فى ذاتها من زاوية دستورية، هى تلك التى تتعلق بخضوع الاولين لتلك التدابير التى فرضتها الجهة الإدارية فى شأنهم نكالاً، لإخراج بعض أموالهم من أيديهم ختالاً، وهو ما يندرج تحت اغتصابها.
ومن غير المتصور أن تكون الواقعة المنعدمة، مرتبة لأية آثار فى محيط العلائق القانونية، ذلك أن انعدامها إفناء لذاتيتها من منابتها، يجتثها من قواعدها، ليحيلها هباء منثوراً، فلا تولد حقاً، ولا يتعلق بها التزام، بعد أن هدمها الدستور، وجردها من كل أثر، لتكون هشيماً. ولا يسوغ بالتالى أن تؤول واقعة أعدمها الدستور، إلى الانتقاص من حقوق هؤلاء الذين ناءوا بعبئها. إذ كان ذلك، وكان التمييز بين المراكز القانونية بعضها البعض، يفترض تغايرها – ولو فى بعض جوانبها – لتتنافر أجزاؤها، فلا تتحد العناصر التى تكونها؛ وكان من المقرر قانوناً أن كل واقعة منعدمة لا استواء لها، فليس لها من عُمد ترفعها، ولا من كيان يُقيمها، ولا قرار لها، بل تنهدم من أساسها لتفقد وجودها من مبدئها، إذ هى ساقطة فى ذاتها، فلا وضع لها، ولا اعتداد بها، وحسبها أنها غير شيء؛ متى كان ذلك، فإن مثل هذه الواقعة التى تقوم – فى إطار النزاع الراهن – على فرض الحراسة على أموال الأشخاص الطبيعيين وممتلكاتهم وفقاً لأحكام قانون الطوارئ، لا تدخل فى تكوين المراكز القانونية التى لا تعتبر كذلك “إلا بافتراض مشروعية عناصرها جميعاً”. ولا يتصور بالتالى أن يستقيم بها التباين بين مركزين قانونيين، ذلك أن انعدامها لا يُضيفها إلى أيهما، ولا يخول أحداً أن ينتقص من القواعد الإجرائية والموضوعية التى حددها الدستور لإسباغ الحماية الواجبة لحق الملكية، وذلك لأمرين:
أولهما: أن صون الملكية من زاوية القواعد الإجرائية والموضوعية التى بسطها الدستور والمشرع عليها، لا ينفصل عن مبدأ خضوع الدولة للقانون المنصوص عليه فى المادة 65 من الدستور محدداً وفق المقاييس المعمول بها فى الدول الديمقراطية، ومعززاً باستقلال القضاة وحصانتهم كضمانين أساسيين يكفلان حقوق المواطنين وحرياتهم، ذلك أن الدولة القانونية هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها بقواعد تعلو عليها، وتكون بذاتها ضابطا لأعمالها وتصرفاتها، لتهيمن عليها محددة طرائقها ومضموناتها.
يؤيد ذلك، أن السلطة – أياً كان موقعها أو توجهها – لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد يمارسها تعاليا أو استبدادا، بل يباشرها من يتقلدها نيابة عن الجماعة ولصالحها، وتقييد بقيمها. وكان من الحتم بالتالى أن يقوم بنيان الدول جميعها – ومن خلال التزامها بالمفهوم المعاصر للديمقراطية، وسعيها لبناء الشخصية المتكاملة لمواطنيها – على مبدأ مشروعية السلطة the principle of de jure legitimate authority، معززاً بمبدأ الخضوع المتكافئ للقانون Equal subjetion to the rule of law، ليعملا معا كمبدأين متكاملين متساندين، ضمانا لتنظيم السلطة وفق أسس محددة، لا تخرج بها عن أهدافها انحرافاً، ولا تميل بممارستها عدواناً، لتظل القاعدة القانونية محوراً لكل عمل، وإطاراً يبين حدود الدائرة التى لا يجوز لأحد أن ينال منها، ورادعاً ضد العدوان. ولأن الدولة القانونية دون غيرها، هى التى يتوافر لكل مواطن فى كنفها – ومن خلال نظمها – الضمانة الأولية والمبدئية، لصون الحقوق والحريات التى كفلها الدستور والقانون، فلا تختص فئة ممن يملكون بحقوق يستقلون بها، ولو كان من حرموا منها يساوونهم فيها.
ثانيهما: أن مبدأ المساواة أمام القانون، أساس للعدل، وهو أدخل إلى جوهر الحرية، وأكفل لإرساء السلام الاجتماعي. ولئن جاز القول بأن الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم أو تصنيف Classsification أو تمييز من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض، أو المزايا التى يمنحها لفئة دون غيرها؛ لا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التى نظم المشرع بها موضوعاً محدداً، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التى توخاها، بالوسائل إليها، منطقياً، وليس واهياً أو واهناً، بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً.
Classification is inherent in legislation in that legislators may select different persons or groups for different treatment However the state may not rely on a classification whose relationship to an asserted goal is so attenuated as to render the distinction arbitrary or irrational.
كذلك فإن صور التمييز التى تناقض مبدأ المساواة أمام القانون، وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد، ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو من خلال تقييد آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها Equality before the law requires an absence of discriminatory treatment except for those in different circumstances:
22- إن من يملكون، يجب أن يكونوا جميعاً محاطين بالوسائل الإجرائية عينها التى يقتضيها الدفاع عن حقوقهم، ذلك أن حرمان بعضهم منها دون مسوغ، عدوان على حق الملكية من خلال تقليص فرص حمايتها.


الإجراءات

بتاريخ 5 مارس 1994، أودعت المدعيات صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة بطلب الحكم بعدم دستورية المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب رقم 95 لسنة 1980 فيما قضى به من عدم جواز الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقم، فى شأن منازعات الحراسات المدنية المحالة إلى قضاء القيم، وفقاً لأحكام القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة.
وقدمت إدارة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها، طلبت فيها أصلياً الحكم بعدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى, أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن رئيس الجمهورية كان قد أصدر القرار رقم 140 لسنة 1961 بفرض الحراسة على مورث المدعيات المرحوم إلياس عبد الله مرشاق، فأقمن – أمام محكمة القضاء الإدارى – الدعوى رقم 2492 لسنة 35 قضائية بطلب الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ هذا القرار، وفى الموضوع بإلغائه، مع ما يترتب على ذلك من آثار. وعلى الأخص عدم الاعتداد بالتصرفات التى قد تكون الجهة الإدارية قد أبرمتها فى شأن الأموال التى تناولها هذا القرار. وإذ صدر القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة. مخولا قضاء القيم الفصل فى هذا النوع من المنازعات، فقد أحالت محكمة القضاء الإدارى الدعوى المنظورة أمامها إلى محكمة القيم، لاختصاصها بالفصل فيها، حيث قيدت أمامها برقم 80 لسنة 2 قضائية قيم.
وحيث إن البين من الأوراق، أن المدعيات كن قد أقمن كذلك الدعوى رقم 19 لسنة 5 قضائية قيم، بطلب الحكم بإلغاء عقد البيع المشهر برقم 2235 فى 5/ 4/ 1972 توثيق القاهرة، والصادر عن جهاز تصفية الحراسات لشركة مصر للتأمين فى شأن العقار رقم 12 شارع النيل بالجيزة، وبتسليمهن عقود الإيجار التى تتعلق بهذا العقار، مع إلزام شركة مصر للتأمين بغرامة تهديدية عن كل يوم تأخير، مما حدا بتلك الشركة إلى أن تقيم ضدهن الدعوى رقم 48 لسنة 4 قضائية قيم، بطلب الحكم برد هذا العقار إليها لسبق شهر عقده، ولاكتسابها ملكيته بالتقادم الخمسي.
وحيث إن محكمة القيم أصدرت فى تاريخ 28/ 9/ 1986 حكمها فى الدعويين المقيدتين بجدولها برقمى 48 لسنة 4 قضائية و19 لسنة 5 قضائية قيم، متضمناً أولاً: فى الدعوى رقم 19 لسنة 5 قضائية قيم بإلغاء عقد البيع المشهر فى 5/ 4/ 1972 برقم 2235 توثيق القاهرة الصادر لشركة مصر للتأمين: وثانياً: فى الدعوى رقم 48 لسنة 4 قضائية قيم برفضها؛ وكانت الجهة الإدارية، وشركة مصر للتأمين كلتاهما، قد طعنتا فى هذا الحكم بالطعنين رقمى 37 و38 لسنة 6 قضائية قيم عليا، على التوالي؛ وإذ خلص قضاء المحكمة العليا للقيم بصددهما، إلى رفض ثانيهما “الطعن رقم 38 لسنة 6 قضائية قيم عليا] وإلغاء الحم فى أولهما [الطعن رقم 37 لسنة 6 قضائية قيم عليا] فيما قضى به فى الدعوى رقم 19 لسنة 5 قضائية قيم، من إلغاء عقد البيع المشهر فى 5/ 4/ 1972 برقم 2235 توثيق القاهرة، وذلك بالنسبة لحصتى السيدتين إيفيت ولندا عبد الله مرشاق – ومساحتهما ستة قراريط شيوعاً فى كامل أرض وبناء العقار برقم 92 شارع النيل بالجيزة – ؛ وإذ كان وزير المالية ورئيس جهاز تصفية الحراسات – بصفتهما – قد أقاما الدعوى رقم 142 لسنة 6 قضائية قيم أمام محكمة القيم، بطلب الحكم بتثبيت ملكية الدولة لهاتين الحصتين مع تسليمهما، وأداء ريعهما إليهما، ثم عدلا من طلباتهما لتقتصر على الحكم باستحقاقها لهذا الريع؛ وإذ دفعت المدعيات أمام محكمة القيم بعدم دستورية نص المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980 التى تقضى بعدم جواز الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة من المحكمة العليا للقيم عدا إعادة النظر؛ وكانت محكمة القيم قد صرحت لهن برفع الدعوى الدستورية – بعد تقديرها لجدية دفعهن – فقد أقمن الدعوى الماثلة.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول هذه الدعوى، استناداً إلى انتفاء مصلحة المدعيات فى رفعها، باعتبار أن غايتها تجويز الطعن بطريق النقض فى الأحكام الصادرة من المحكمة العليا للقيم، حال أن النزاع الموضوعى لا زال مردداً أمام محكمة القيم التى يجوز الطعن فى أحكامها أمام المحكمة العليا للقيم. وليس للمدعيات بالتالى – “وإلى هذا الحد من النزاع الموضوعي” – مصلحة شخصية ومباشره يثرن بها ادعاء مخالفة النص المطعون فيه للدستور.
وحيث إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية، ويرسم تخوم ولايتها، فلا تمتد لغير المطاعن التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعي، وبالقدر اللازم للفصل فيها. ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم، سواء أكان هذا الضرر قد وقع فعلاً أم كان وشيكاً يتهددهم، أم كان قد وقع فعلاً.
ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون عليه للدستور، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها، ممكناً تحديده ومواجهته بالترضية القضائية لتسويته، عائداً فى مصدره إلى النص المطعون عليه. فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية، عما كان عليه قبلها.
ولا يتصور بالتالى أن تكون الدعوى الدستورية أداة يعبر المتداعون من خلالها عن آرائهم فى الشئون التى تعنيهم بوجه عام، ولا أن تكون نافذة يعرضون منها ألواناً من الصراع بعيداً عن مصالحهم الشخصية المباشرة، أو شكلاً للحوار حول حقائق عملية يطرحونها لإثبات أو نفيها، أو طريقاً للدفاع عن مصالح بذواتها لا شأن للنص المطعون عليه بها. بل تباشر المحكمة الدستورية العليا ولايتها – التى كثيراً ما تؤثر فى حياة الأفراد وحرماتهم وحرياتهم وأموالهم – بما يكفل فعاليتها. وشرط ذلك إعمالها عن بصر وبصيرة، فلا تقبل عليها اندفاعاً، ولا تُعْرض عنها تراخياً. ولا تقتحم بممارستها حدوداً تقع فى دائرة عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية. بل يتعين أن تكون رقابتها ملاذاً أخيراً ونهائياًَ، وأن تدور وجوداً وعدماً مع تلك الأضرار التى تستقل بعناصرها، ويكون ممكناً إدراكها، لتكون لها ذاتيتها. ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون من الضرر متوهماً أو منتحلاً أو مجرداً in abstracto أو يقوم على الافتراض أو التخميين Conjecural.
ولازم ذلك، أن يقوم الدليل جلياً على اتصال الأضرار المدعى وقوعها بالنص المطعون عليه، وأن يسعى المضرور لدفعها عنه، لا ليؤمن بدعواه الدستورية – وكأصل عام – حقوق الآخرين ومصالحهم، بل ليكفل إنفاذ تلك الحقوق التى تعود فائدة صونها عليه in Concreto. والتزاماً بهذا الإطار، جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازماً للفصل فى النزاع الموضوعي.
وحيث إن البين من الحكم الصادر من المحكمة العليا للقيم رقم 37 لسنة 6 قضائية قيم عليا، أنها تؤيد قضاء محكمة القيم فى الدعوى رقم 19 لسنة 5 قضائية قيم بإلغاء عقد البيع المشهر فى 5/ 4/ 1972 برقم 2235 توثيق القاهرة فى شأن العقار رقم 92 شارع النيل بالجيزة، باستثناء حصتين مساحتهما ستة قراريط شائعتين فى كامل أرض وبناء هذا العقار للسيدتين إيفيت ولندا إلياس عبد الله مرشاق. وإذ فصل هذا الحكم بذلك فى مسألة كلية قوامها أن هاتين السيدتين لا تملكان هاتين الحصتين، فإن قضاءها هذا لابد أن يؤثر فى الدعوى رقم 142 لسنة 6 قضائية قيم التى أقامتها الجهة الادراية أمام محكمة القيم للحصول على ريعهما، ولا يكون أمام هاتين السيدتين من بعد، من سبيل لرد دعواها، إلا ولوج طريق الطعن فى الحكم الصادر عن المحكمة العليا للقيم فى الطعن رقم 37 لسنة 6 قضائية قيم عليا، وهو ما تقوم به المصلحة الشخصية المباشرة فى النعى على المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب، مخالفتها للدستور، فيما تنص عليه من عدم جواز الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم، إلا بطريق إعادة النظر.
وحيث إنه لا ينال مما تقدم، قالة: إن الطعن بطريق النقض محدد فى أحوال بذواتها بينها قانون المرافعات المدنية والتجارية حصراً، ولا يندرج تحتها الطعن فى الأحكام الصادرة من المحكمة العليا للقيم، وذلك لأمرين:
أولهما: إن الرقابة القضائية على الدستورية التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا، إنما تنحصر فى إنزال حكم الدستور فى شأن النصوص القانونية التى تعرض عليها لقيام شبهة قوية فى مخالفتها لقواعده، بما مؤداه أن المسائل الدستورية هى جوهر رقابتها، وهى التى تجيل بصرها فيها بعد إحاطتها بأبعادها، توكيداً للطبيعة العينية للدعوى الدستورية، واستصحاباً لأصل الخصومة فيها، ومناطها مقابلة النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور، بالقيود التى فرضها لضمان النزول عليها. ومن ثم يكون إهدار هذه النصوص بقدر تعارضها مع الدستور، إطاراً وحيداً للخصومة الدستورية، وهو كذلك موضوعها، والغاية التى تبتغيها. وقضاء المحكمة الدستورية العليا ببطلان هذه النصوص أو صحتها، لا يعدو أن يكون تقريراً بتصادمها أو اتفاقها مع الدستور. وليس لها بالتالى أن تفصل فى غير المسائل التى تثيرها الخصومة الدستورية، وبقدر اتصالها بالنزاع الموضوعي.
ثانيهما: إن إبطال المحكمة الدستورية العليا لنص المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980 – والتى لا تجيز الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة من المحكمة العليا للقيم إلا بطريق إعادة النظر – يعنى أن هذا الحظر يناقض الدستور، وهو ما يفيد لزوماً انفتاح طريق الطعن فيها تصويباً لأخطائها القانونية، إعمالاً لآثار الحكم الصادر فى المسائل الدستورية، ولو كان إنفاذ هذه الآثار يقتضى تدخلا تشريعيا “لتحديد الجهة التى تفصل فى هذا الطعن وكيفية تشكيلها”. ذلك أن الحجية المطلقة التى أسبغها قانون المحكمة الدستورية العليا على أحكامها فى المسائل الدستورية، لازمها تقيد الناس أجمعين بمضمونها. ونزول الدولة بكامل سلطاتها وتنظيماتها عليها، لتعمل بوسائلها وأدواتها – من خلال السلطة التشريعية كلما كان ذلك ضرورياً – على تطبيقها.
وحيث إن المادة 6 من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة، تقضى بأن “تختص محكمة القيم المنصوص عنها فى قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980 دون غيرها، بنظر المنازعات المتعلقة بتحديد الأموال وقيمة التعويضات المنصوص عليها فى المادة السابقة. وكذلك المنازعات الأخرى المتعلقة بالحراسات التى فرضت قبل العمل بالقانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب أو المترتبة عليا، وتحال إليها جميع المنازعات المطروحة على المحاكم الأخرى بجميع درجاتها…”
وحيث إن المناعى التى يثيرها الطعن الراهن، تتحصل فى إهدار النص المطعون فيه مبدأ المساواة أمام القانون، والإخلال بضمانة الدفاع، وحق التقاضي، واستقلال السلطة القضائية، وما يجب الالتزام به فى شأن تحديد اختصاص محاكمها، ذلك أن النزاع الموضوعى أحيل إلى محكمة القيم إعمالاً لنص المادة 6 من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة، ويثير هذا النزاع وفقاً لحكمها حقوقاً تدور حول الملكية التى تختص أصلاً جهة القضاء العادى بالفصل فيها ابتدائياً واستئنافياً. وكذلك من خلال تقعيد مسائل القانون بصددها. إذ كان ذلك، وكان عرض النزاع على محكمة القيم ثم المحكمة العليا للقيم – وإن جاز أن يُحْمَل على أنهما درجتان من درجات التقاضي، أولاهما ابتدائية وثانيتهما استئنافية – إلا أن انغلاق طريق الطعن – على صعيد مسائل القانون – فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم، يعنى أن من تحملوا بالتدابير التى فرضتها الدولة عليهم لإخضاع أموالهم لحراستها، أسوأ حالاً ممن انحسرت عنهم هذه التدابير، وإن كانوا جميعاً يملكون أموالاً، ويسعون لرد العدوان عليها.
وحيث إن المواثيق الدولية – فى مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة – تؤكد عزم الدول على إرساء مفهوم للعدالة لا ينفصل عن محتواها، ويكون كافلاً لملامحها، لازماً لإنفاذ متطلباتها ضماناً لحقوق مواطنيها وتأمينها لحرياتهم. كذلك فإن الأسس الموضوعية لقواعد إدارتها، ينافيها كل تمييز ينال منها.
وحيث إن الدستور بما نص عليه فى المادة 68 منه، من ضمان حق كل مواطن فى اللجوء إلى قاضيه الطبيعى لرد ما قد يقع من عدوان على الحقوق التى يدعيها، قد دل على أمرين:
أولهما: أنهما لكل مواطن أن يسعى بدعواه إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعتها، وعلى ضوء مختلف العناصر التى لابستها، مهيأ دون غيره للفصل فيها.
ثانيهما: أن الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال حقهم فى النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا فى نطاق القواعد الإجرائية والموضوعية التى تحكم الخصومة القضائية عينها، ولا فى فعاليه ضمانة الدفاع التى يكفلها الدستور والمشرع للحقوق التى يدعونها، ولا فى اقتضائها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروط طلبها، ولا فى طرق الطعن التى تنتظمها. بل يجب أن يكون للحقوق عينها، قواعد موحدة سواء فى مجال التداعى بشأنها، أو الدفاع عنها، أو استئدائها، أو الطعن فى الأحكام التى تتعلق بها. ولا يجوز بالتالى أن يقيم المشرع فيما بين المواطنين تمييزاً غير مبرر فى شأن إعمال هذه القواعد، بما يعطلها لفريق من بينهم أو يقيدها، وبوجه خاص على صيعد الفصل بطريقة منصفة فى حقوقهم المدنية والتزاماتهم. ويؤيد ذلك أن طرق الطعن فى الأحكام لا تعتبر مجرد وسائل إجرائية ينشئها المشرع ليوفر من خلالها سبل تقويم اعوجاجها، بل هى فى واقعها أوثق اتصالاً بالحقوق التى تناولتها، سواء فى مجال إثباتها أو نفيها أو توصيفها، ليكون مصيرها عائداً أساساً إلى انفتاح هذه الطرق أو انغلاقها، وكذلك إلى التمييز بين المواطنين المتحدة مراكزهم القانونية identically situated فى مجال النفاذ إلى فرصها.
وحيث إن السلطة التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، وإن كان الأصل فيها هو إطلاقها، إلا أن القيود التى قد يفرضها الدستور لصون هذه الحقوق من صور العدوان المحتمل عليها، هى التى تبين تخوم الدائرة التى لا يجوز أن يتداخل التنظيم التشريعى فيها هادماً للحقوق التى يكفلها الدستور، أو مؤثراً فى محتواها بما ينال منها. ومن ثم تمثل هذه الدائرة مجالا حيويا لا يتنفس الحق إلا من خلالها، ولا يكون تنظيم هذا الحق ممكناً من زاوية دستورية إلا فيما وراء حدودها الخارجية، ليكون اقتحامها مجانباً لتنظيمه، وعدواناً عليه أدخل إلى مصادرته أو تقييده. كذلك لا يجوز أن تنفصل النصوص القانونية التى نظم بها المشرع موضوعاً محدداً عن أهدافها، بل يجب أن تكون هذه النصوص مدخلاً إليها، وموطئاً لإشباع مصلحة عامة لها اعتبارها appropriate means to justifiable ends
ومرد ذلك، أن كل تنظيم تشريعى لا يصدر عن فراغ، ولا يعتبر مقصوداً لذاته. بل مرماه إنفاذ أغراض بعينها يتوخاه، وتعكس مشروعيتها إطاراً للمصلحة العامة التى أقام المشرع عليها هذا التنظيم باعتباره أداة تحقيقها، وطريق الوصول إليها.
وحيث إن ما نص عليه الدستور فى المواد 1 و3 و4 من قيام نظام الحكم على أساس ديموقراطي، ومباشرة الشعب لحقوق السيادة فى الحدود التى نص عليها، قد دل على أنه فى مجال حقوق المواطنين وحرياتهم، فإن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها، وتتقيد هى بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدول الديمقراطية باطراد فى مجتمعاتها واستقر العمل فيها بينها على انتهاجها فى مختلف مظاهر سلوكها، باعتبار أن التقيد بها مفترض أولى لتوكيد خضوعها للقانون، وبما لا إخلال فيه بتلك الحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية – ووفقاً لمعايير تطبيقها لديها – معبراً عن إقراراها لضماناتها، ونزولها بالقيود عليها إلى الحدود التى تقتضيها الضرورة، وبما لا يعطل جوهرها “essential core”، إنفاذاً لفعاليتها، واستيفاء لدورها فى مجال إشباع المصالح المرتبطة بها. ويندرج تحتها أن يكون لكل شخص حق مكتمل ومتكافئ مع غيره، فى محاكمة علنية ومنصفه، تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة، تتولى الفصل فى حقوقه والتزاماته المدنية، بما يعكس المقاييس المعاصرة التى تلتزمها الأمم المتحضرة فى تنظيماتها، وبوجه خاص تلك التى تتصل بتشكيل محاكمها، وقواعد إدارتها، والأشكال الإجرائية المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، والتكلفة المطلوبة لخدماتها، وبما لا يخل فى إطارها بضمانة الدفاع التى تتكافأ للخصوم معها أسلحتهم، equality of arms، ويؤمن المحامون على ضوئها مصالح موكليهم، ويرعون حدودها، وفق أصول المهنة ومتطلباتها، وبما لا ينحدر بضوابط ممارستها إلى حد إهدار مستوياتها الموضوعية التى يفترض أن يكون التقيد بها، كافلاً لدورهم بوصفهم شركاء للسلطة القضائية فى النهوض برسالتها.
وإذ كان الدستور – بالنصوص التى صاغها لإرساء ضمانة الدفاع – يفترض ألا يكون دور المحامين شكليا أو رمزيا، متخاذلا أو قاصرا عن أن يقدموا لموكليهم تلك المعاونة الفعالة التى يقتضيها صون حقوقهم، فإن التدخل تشريعياً بما يعوق إنفاذ موجباتها – كإغلاق طريق الطعن بالنسبة إلى فئة ممن يملكون، وحرمان أفرادها بالتالى من فرص الدفاع عن حقوقهم أو من بعض جوانبها – يكون كذلك ممتنعاً دستورياً.
إن الدستور – إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيداً لإسهامها فى صون الأمن الاجتماعى – كفل بالمادتين 32 و34 حمايتها لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً – ولم يجز المساس بها إلى على سبيل الاستثناء، وفى الحدود التى يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة – فى الأعم من الأحوال – إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها، معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أدواتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام، هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً إلى كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته فى شأنها خصيم ليس بيده ناقل لها، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التى تعينها على أداء دورها وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها.
ولم يعد جائزاً بالتالى أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها، أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن أجزائها أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصباً، وافتئاتاً على كيانها أدخل إلى مصادرتها.
وبقدر اتساع قاعدة الملكية تتعدد روافدها، وتتنوع استخداماتها، لتشكل نهراً يتدفق بمصادر الثروة القومية التى لا يجوز إهدارها، أو التفريط فيها أو بعثرتها تبديداً لقيمتها، ولا تنظيمها بما يخل بالتوازن بين نطاق حقوق الملكية المقررة عليها، وضرورة تقييدها نأياً عن الانتهاز، أو الاضرار بحقوق الآخرين. ذلك أن الملكية – فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة – لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هى عصية على التنظيم التشريعى. وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها.
ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التى تتطلبها وظيفتها الاجتماعية. وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكماً، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعى معين، فى بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها، وبمراعاة أن القيود التى يفرضها الدستور على حق الملكية، للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها بل غايتها خير الفرد والجماعة.
وحيث إن البين من اختصاص محكمة القيم – محدداً وفقاً لنص المادة 6 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة – أن الحقوق المثارة فى الدعاوى التى يتعلق بها هذا الاختصاص، تدور جميعها حول الملكية الفردية التى كفل الدستور صونها، واختصها بالحماية المنصوص عليها فى المادتين 32 و34، ذلك أن المنازعات التى تنشأ عن الحراسات المفروضة قبل العمل بالقانون رقم 34 لسنة 1971 – بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب – أو المترتبة عليها، محورها أموال الأشخاص الذين أخضعتهم أوامر الجهة الإدارية الصادرة عنها وفقاً لقانون الطوارئ، لتلك التدابير، ليقع عبؤها عليهم تارة، أو عليهم مع عائلاتهم بالتبعية طوراً آخر.
وقد صدر القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 آنف البيان، بعد أن كانت جهات القضاء على اختلافها قد استقر أمرها على انهدام الأوامر الصادرة بفرض الحراسة على أموال الأشخاص الطبيعيين استناداً إلى أحكام القانون رقم 162 لسنة 1958 فى شأن حالة الطوارئ، وانعدام آثارها. وإذا كان إعمال آثار هذه الأحكام فى شأن تلك الأوامر، مؤداه أن ترد الأموال التى تناولتها – وبأكملها – إلى أصحابها عيناً، وكان استئثارهم بها قد انطوى – فى تقدير المشرع – على الإضرار بأخرين ظلوا يحوزونها مدداً طويلة رتبوا خلالها – وعلى أساسها – حقهم فى العيش والحياة الآمنة، فقد تدخل المشرع للحد من جريان هذه الآثار على إطلاقها، ضماناً للسلام الاجتماعي، وصوناً لبعض الأوضاع السياسية والاقتصادية القومية. واقتضاه ذلك أن يلجأ – استثناء – إلى تعويضهم على بعض أموالهم وفق معايير قدر ألا يكون تطبيقها منطوياً على مصادرة كلية أو جزئية للحق فى التعويض. وهو استثناء ظل قائماً فى الحدود التى بينها المشرع، ومرتبطاً بأموال بذواتها لا يتعداها إلى غيرها.
ومن ثم كان منطقياً أن يردد هذا القرار بقانون، الأصل العام فى شأن أموال الخاضعين لتلك التدابير، ممثلاً فى ردها عيناً إليهم، وإن ينص فى مادته الأولى – واستصحاباً لهذا الأصل – على أن “تعتبر كأن لم تكن الأوامر الصادرة بفرض الحراسة على الأشخاص الطبيعيين وعائلاتهم وورثتهم استناداً إلى أحكام القانون رقم 162 لسنة 1958 فى شأن حالة الطوارئ، وتتم إزالة الآثار المترتبة على ذلك الوجه المبين فى هذا القانون”. مقنناً بذلك ما استقر عليه القضاء من قبل اعتبار هذه الأوامر متضمنة عيباً جسيماً يفقدها مقوماتها لصدورها عارية عن سندها من خلال عدوانها على الملكية الخاصة التى عنى الدستور بصونها، وهو ما ينحدر بتلك الأوامر إلى مرتبة الأعمال المادية عديمة الأثر قانوناً، ويجردها من محتواها، من مشروعيتها الدستورية، لتنحل عدماً.
ولئن صح القول بأن جانباً من الأموال التى شملتها التدابير المنصوص عليها فى المادة الأولى من هذا القرار بقانون، قد استثنتها مادته الثانية من قاعدة الرد العينى مع تعويض أصحابها عنها وفقاً للأسس التى حددتها، إلا أن قضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن هذا الاستثناء – وعلى ما يبين من حكمها الصادر فى دعويين رقمى 139 و140 لسنة 5 قضائية “دستورية” – جاء قاطعاً بأن التعويض المقرر عن الأموال التى تناولها، ليس معادلاً لقيمتها الحقيقية، وهو ما يعنى بالضرورة، رد تلك الأموال إلى أصحابها دون قيد.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن اختصاص محكمة القيم – محدداً على ضوء نص المادة 6 من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 المشار إليه – لا يتعلق إلا بالملكية الخاصة فصلاً فى ثبوتها أو انتفاء الحق فيها؛ وكان الأصل فى الملكية أنها تعتبر حقاً دائماً، فلا تزول بالتراخى فى استعمالها أمداً ولو كان بعيداً، بل يظل صاحبها متمتعاً بالحق فى حمايتها، وأن ترد إليه عند اغتصابها، غير مقيد فى ذلك بزمن معين، إلا إذا آل الحق فيها إلى غيره وفقاً للقانون؛ وكان من المقرر كذلك أن الحماية التى أضفاها الدستور على الملكية الخاصة لضمان صونها من العدوان، لا تنحصر فى الملكية الفردية كحق عينى أصلى تتفرع عنه الحقوق العينية جميعها، ويعتبر أوسعها وجماعها، بل تمتد هذه الحماية إلى الأموال كلها – ودون تمييز بينها – باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية سواء أكان هذا الحق شخصياً، أم عينياً، أم كان من الحقوق الملكية الأدبية أو الفنية أو الصناعية؛ متى كان ذلك، فإن حقوق الملكية فى مختلف صورها – وأيا كان سبب نشوئها أو انتقالها إلى الغير – تشملها الحماية الدستورية المنصوص عليها فى المادتين 32 و34؛ وهى فى مجال اختصاص قضاء القيم بالفصل فيها، يتعين أن تحكمها القواعد القانونية عينها عند توافر شروط تطبيقها، وبوجه خاص على صعيد الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم، إذ لا يجوز أن يكون هذا الطريق مفتوحاً لفئة ممن يملكون، ومحجوباً عن نظرائهم.
وحيث إنه لا ينال مما تقدم، قالة: أن المحكمة العليا للقيم – بوصفها درجة استئنافية لمحكمة القيم – إنما تفصل فى أنواع بذاتها من المنازعات التى تستقل بخصائصها التى تمنحها ذاتيتها، وتتمثل فى انصرافها إلى الأشخاص الطبيعيين المشمولين بتلك التدابير الاستثنائية التى فرضتها الدولة عليهم لإخضاع أموالهم لحراستها، وأنهم بسببها – وترتيباً عليها – يعتبرون فى مركز قانونى مغاير لمن لم تشملهم هذه التدابير، ويدعون ملكية أموال يقيمون دعوى الاستحقاق لطلبها، لا محل لما تقدم، ذلك أن هؤلاء وهؤلاء يطلبون رد أموالهم إليهم – أياً كان سبب تملكهم لها – ولا يتمايزون عن بعضهم البعض إلا فى واقعة بعينها تعد منعدمة فى ذاتها من زاوية دستورية، هى تلك التى تتعلق بخضوع الأولين لتلك التدابير التى فرضتها الجهة الإدارية فى شأنهم نكالاً، لإخراج بعض أموالهم من أيديهم ختالاً، وهو ما يندرج تحت اغتصابها.
ومن غير المتصور أن تكون الواقعة المنعدمة، مرتبة لأية آثار فى محيط العلائق القانونية، ذلك أن انعدامها إفناء لذاتيتها من منابتها، يجتثها من قواعدها، ليحيلها هباء منثوراً، فلا تولد حقاً، ولا يتعلق بها التزام، بعد أن هدمها الدستور، وجردها من كل أثر، لتكون هشيماً. ولا يسوغ بالتالى أن تؤول واقعة أعدمها الدستور، إلى الانتقاص من حقوق هؤلاء الذين ناءوا بعبئها. إذ كان ذلك، وكان التمييز بين المراكز القانونية بعضها البعض، يفترض تغايرها – ولو فى بعض جوانبها – لتتنافر أجزاؤها، فلا تتحد العناصر التى تكونها؛ وكان من المقرر قانوناً أن كل واقعة منعدمة لا استواء لها، فليس لها من عُمد ترفعها، ولا من كيان يُقيمها، ولا قرار لها، بل تنهدم من أساسها لتفقد وجودها من مبدئها، إذ هى ساقطة فى ذاتها، فلا وضع لها، ولا اعتداد بها، وحسبها أنها غير شيء؛ متى كان ذلك، فإن مثل هذه الواقعة التى تقوم – فى إطار النزاع الراهن – على فرض الحراسة على أموال الأشخاص الطبيعيين وممتلكاتهم وفقاً لأحكام قانون الطوارئ، لا تدخل فى تكوين المراكز القانونية التى لا تعتبر كذلك “إلا بافتراض مشروعية عناصرها جميعاً”. ولا يتصور بالتالى أن يستقيم بها التباين بين مركزين قانونيين، ذلك أن انعدامها لا يُضيفها إلى أيهما، ولا يخول أحداً أن ينتقص من القواعد الإجرائية والموضوعية التى حددها الدستور لإسباغ الحماية الواجبة لحق الملكية، وذلك لأمرين:
أولهما: أن صون الملكية من زاوية القواعد الإجرائية والموضوعية التى بسطها الدستور والمشرع عليها، لا ينفصل عن مبدأ خضوع الدولة للقانون المنصوص عليه فى المادة 65 من الدستور محدداً وفق المقاييس المعمول بها فى الدول الديمقراطية، ومعززاً باستقلال القضاة وحصانتهم كضمانين أساسيين يكفلان حقوق المواطنين وحرياتهم، ذلك أن الدولة القانونية هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها بقواعد تعلو عليها، وتكون بذاتها ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها، لتهيمن عليها محددة طرائقها ومضموناتها.
يؤيد ذلك، أن السلطة – أياً كان موقعها أو توجهها – لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد يمارسها تعالياً أو استبداداً، بل يباشرها من يتقلدها نيابة عن الجماعة ولصالحها، وتقييد بقيمتها. وكان من الحتم بالتالى أن يقوم بنيان الدول جميعها – ومن خلال التزامها بالمفهوم المعاصر للديمقراطية، وسعيها لبناء الشخصية المتكاملة لمواطنيها – على مبدأ مشروعية السلطة the principle of de jure legitimate authority، معززاً بمبدأ الخضوع المتكافئ للقانون Equal subjetion to the rule of law، ليعملان معا كمبدأين متكاملين متساندين، وضمانا لتنظيم السلطة وفق أسس محددة، لا تخرج بها عن أهدافها انحرافاً، ولا تميل بممارستها عدواناً، لتظل القاعدة القانونية محوراً لكل عمل، وإطاراً يبين حدود الدائرة التى لا يجوز لأحد أن ينال منها، ورادعاً ضد العدوان. ولأن الدولة القانونية دون غيرها، هى التى يتوافر لكل مواطن فى كنفها – ومن خلال نظمها – الضمانة الأولية والمبدئية، لصون الحقوق والحريات التى كفلها الدستور والقانون، فلا تختص فئة ممن يملكون بحقوق يستقلون بها، ولو كان من حرموا منها يساوونهم فيها.
ثانيهما: أن مبدأ المساواة أمام القانون، أساس للعدل، وهو أدخل إلى جوهر الحرية، وأكفل لإرساء السلام الاجتماعي. ولئن جاز القول بأن الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم أو تصنيف Classsification أو تمييز من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض، أو المزايا التى يمنحها لفئة دون غيرها؛ إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التى نظم المشرع بها موضوعاً محدداً، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التى توخاها، بالوسائل إليها، منطقياً، وليس واهياً أو واهناً، بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً.
Classification is inherent in legislation in that legislators may select different persons or groups for different treatment. However, the state may not rely on a classification whose relationship to an asserted goal is so attenuated as to render the distinction arbitrary or irrational.
كذلك فإن صور التمييز التى تناقض مبدأ المساواة أمام القانون، وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد، ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو من خلال تقييد آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها Equality before the law requires an absence of discriminatory treatment except for those in different circumstances.
ولا شبهة فى أن من يملكون، يجب أن يكونوا جميعاً محاطين بالوسائل الإجرائية عينها التى يقتضيها الدفاع عن حقوقهم، ذلك أن حرمان بعضهم منها دون مسوغ، عدوان على حق الملكية من خلال تقليص فرص حمايتها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان النص المطعون فيه، قد اختص الفئة التى تعلق بها مجال تطبيقه، بمعاملة استثنائية جائرة تفتقر إلى الأسس الموضوعية التى تسوغها، بأن حرمها من فرض الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم، لتقويم ما يكون قد اختل من قضائها فى مجال تطبيقها للقانون على النزاع المعروض عليها؛ وكان انغلاق طريق الطعن فيها بالنسبة إلى هذه الفئة، مؤداه تجريد أموالها من صورة بذاتها من صور الحماية التى كان ينبغى بسطها عليها، ليكون المتماثلون فى مراكزهم القانونية، متمتعين بالحقوق عينها؛ وكان النص المطعون فيه – فوق هذا – قد أخل بضمانة الدفاع فى بعض جوانبها، وبضرورة الفصل فى حقوق المواطنين والتزاماتهم المدنية وفق قواعد منصفة فى ذاتها، وبمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، وبخضوع الدولة لاحكامه، فإن هذا النص، يكون مخالفاً لأحكام المواد 32 و34 و40 و64 و65 و68 و69 و165 من الدستور

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة 50 من قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980 وذلك فيما تضمنته من حظر الطعن – بغير طريق إعادة النظر – فى الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة العليا للقيم فى شأن المنازعات المحالة إلى قضاء القيم وفقا لنص المادة 6 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماه.