الخط الساخن : 01118881009

جلسة 2 سبتمبر سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ عادل عمر شريف – المفوض، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (10)
القضية رقم 40 لسنة 16 قضائية “دستورية”

1- دعوى دستورية “المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها”.
المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية مناطها أن يقوم ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها، المطروحة على محكمة الموضوع.
2- دستور “المادة 18 منه” – حق التعليم.
التعليم – وفقاً لما قررته هذه المادة – حق إلزامى فى المرحلة الابتدائية – جواز مد هذا الالزام إلى مراحل أخرى تتصل حلقاتها – النفاذ من خلالها إلى آفاق العلوم ارتباطاً بحقائق العصر.
3- دستور “المادة 18 منه” تعليم “الإشراف عليه”.
حرص الدستور – بنص المادة المذكورة – على أن يحمل الدولة مسؤولية الاشراف على التعليم فى مختلف صوره – إلزامها بكفالة استقلال التعليم الجامعى ومراكز البحث العلمية. توخى الدستور بذلك تكامل العملية التعليمية فى وسائلها وغاياتها.
4- تعليم “دور الدولة”.
التعليم من أكثر المهام خطراً وأوثقها ارتباطاً بمصالح الجماعة – على الدولة بالتالى أن تهيمن على عناصره الرئيسية وأن توليه رعايتها – وأن توفر لدور التعليم – وبقدر طاقتها شرايين الحياة الجوهرية التى لا تقوم إلا بها.
5- تعليم “دوره – القبول بمعاهده”.
التعليم يعد النشء للحياة ويدربهم على مواجهة صعابها – النشء أسوياء بالتعليم – التعليم يعد دوماً حقاً أصيلاً لا تابعاً – ضرورة أن يكون القبول بالمعاهد التعليمية محدداً وفق أسس موضوعية تستقيم بها متطلبات ممارسة هذا الحق.
6- حق التعليم “فحواه – الانتفاع بمرافق المعاهد التعليمية”.
الحق فى التعليم فحواه أن يكون لمن يطلبونه الحق فى ضمان قدر منه يلتئم مع مواهبهم وقدراتهم – الالتحاق بالمعاهد التعليمية وفق الشروط الموضوعية المحددة للقبول بها يعتبر مشتملاً بالضرورة على حق الانتفاع بمرافقها بقدر اتصالها بالعملية التعليمية فى ذاتها – كتلك التى هيأتها لدعم النواحى الرياضية والصحية والاجتماعية.
7- تعليم “تكامله” – دستور “حماية حق التعليم – إنهاء التمييز”.
التعليم حق، والعملية التعليمية تتكامل عناصرها – امتداد الحماية التى كفلها الدستور للحق فى التعليم إلى كل العناصر التى يتألف منها – وجوب إنهاء التمييز غير المشروع بين الطلبة فى كل صور التعامل وأشكال العلائق التى ترتبط بها المعاهد التعليمية معهم – ما لم يكن التمييز بينهم مستنداً إلى جدارتهم أو متصلاً بأوضاع تلك المعاهد.
8- تعليم – معونة – حرية الالتحاق بالمعاهد غير الحكومية”.
عدم جواز اتخاذ المعونة التى تقدمها الدولة إلى المعاهد التعليمية موطئاً لتمييز فئة من الطلبة على أخرى – عدم جواز تعطيل حق أولياء الأمور فى الحاق أبنائهم بمعاهد تعليمية غير حكومية.
9- تعليم “الانتفاع بالمرافق: قدرة مالية”.
من غير الجائز أن يكون انتفاع طلبة المعاهد التعليمية بمرافقها مرتبطاً بقدراتهم المالية.
10- حق التعليم “حماية الدستور: شمولها”.
امتداد الحماية الدستورية للحق فى التعليم إلى المعاهد التعليمية جميعها بغض النظر عمن يملكها أو يديرها.
11- حق التعليم “المواثيق الدولية”.
كفالة حق التعليم للأفراد فى المواثيق الدولية، وحرصها على مناهضة التمييز فى مجال التعليم – منها الاعلان العالمى لحقوق الإنسان، والعهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية التى أقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والشئون العلمية والثقافية فى 14/2/1960، والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، والميثاق الأفريقى لحقوق الإنسان والشعوب.
12- مبدأ المساواة “تقرير الحماية القانونية المتكافئة – صور التمييز: قوامها”.
أضحى مبدأ المساواة أمام القانون – فى أساس بنيانه – وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التى يشمل مجال تطبيقها الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور وكذلك تلك التى كفلها المشرع للمواطنين – صور التمييز وإن تعذر حصرها إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التى كفلها الدستور أو القانون.
13- حق التعليم – تكافؤ الفرص – تأمين صحى “التزامات مالية”.
التكافؤ فى الشروط الموضوعية التى تنظم القبول بالمعاهد التعليمية فيما بين المتزاحمين على فرص النفاذ إليها مؤداه: تساويهم فى المراكز القانونية بالنسبة إلى المرحلة التعليمية المقبولون بها – تعادل حقوقهم فى الانتفاع بمرافق معاهدهم ومنها التأمين الصحى – من المتعين تكافؤ التزاماتهم المالية فى مجال هذا التأمين.
14- دستور “المادة 7 منه”.
قيام المجتمع على أساس التضامن الاجتماعى يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها وإمكان التوفيق بين مصالحها واتصال أفرادها ليكون بعضهم لبعض ظهيراً.
15- تشريع “البند ( أ ) من المادة 3 من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب: اخلال بالمساواة”.
افتراض هذا النص ملاءة طلبة التعليم الخاص غير المعان وإلزامهم بالتالى – بأعباء مالية تزيد على غيرهم من نظرائهم، لا يعدو أن يكون تمييزاً فيما بينهم على أساس من الثروة؛ وهو تمييز منهى عنه دستورياً.
1- إن قضاء المحكمة الدستورية العليا، مستقر على أن المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يقوم ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع؛ وكانت مناعى المدعى تدور جميعها حول الزيادة فى الاشتراكات السنوية المنصوص عليها فى البند ( أ ) من المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، والتى مايز المشرع بها، بين الالتزامات المالية للملتحقين بالمدارس الحكومية الخاصة غير المعانة، ومن عداهم، دون غيرها من الخدمات التى ساواهم فيها بنظرائهم – كالزيارات المنزلية والمساهمة فى ثمن الأدوية – إذ تتكافأ فئتها المالية فيما بين الطلاب جميعهم؛ وكانت الاشتراكات السنوية التى نازع المدعى فيها – والتى يتصل بها النزاع الموضوعى – تلك التى تم تحصيلها منه استناداً إلى البند ( أ ) من المادة الثالثة المشار إليها؛ فإن نطاق الطعن ينحصر فى هذا البند ولا يمتد لسواه من البنود التى انتظمتها هذه المادة.
2- إن الدستور، نص فى المادة 18 على أن يكون التعليم حقاً، وإلزامياً فى المرحلة الابتدائية، مع جواز مد هذا الإلزام إلى مراحل أخرى تتصل حلقاتها، وتتضافر مكوناتها، ليكون قوامها جميعاً بنياناً صلباً متماسكاً، نفاذاً إلى آفاق العلوم واقتحاماً لدروبها، وارتباطاً بحقائق العصر ومعطياته، وبوسائل التنمية وأدواتها، وبعوامل القوة ومظاهرها، وبموازين الصراع والوفاق ، وبقيم الحق والخير والجمال، وبتكامل الشخصية الإنسانية لا تراجعها، وبنواحى التقدم ومناحى القصور، وبإنماء التقاليد التربوية والخلقية والثقافية وتكريسها، وبألوان الإبداع وأشكال الفنون إطلالاً عليها وتزوداً بها، وبالمعايير التى التزمتها الأمم المتحضرة تأميناً لحقوق مواطنيها وحرياتهم، وبالعوامل الجوهرية التى تكفل للوطن والمواطن آمالاً لا ينحصر محيطها، بل تمتد دائرتها إلى غير حد، إيماناً بغد أفضل قوة وبأساً، حقا وعدلاً، واقعاً ومصيراً.
3- إن الدستور حرص فوق هذا – وبنص المادة 18 ذاتها – على ألا تقف الدولة من التعليم موقفاً سلبياً، وإنما حملَها مسؤولية الإشراف على مختلف صوره. وعزز دورها بإلزامها أن تكفل استقلال التعليم الجامعي، ومراكز البحث العلمية على اختلافها، تطويراً لرسالتها، وبما يكفل انفتاح مجالاتها دون قيد، متوخياً بذلك أن تتكامل العملية التعليمية فى وسائلها وغايتها، وأن تتعدد روافدها لتكون نهراً متصلاً، فلا تنعزل بعض حلقاتها عن بعض، بل تتحد أجزاؤها وتتعاون عناصرها، لتقيم بنيانها الحق، وأن يكون نبعها تلك القيم والتقاليد الغائرة فى أعماق بيئتها، وما ذلك إلا لأن قيمتها تتمثل بصفة رئيسية فى انبثاقها عن مجتمعها، وتعبيرها عن المصالح والأسس التى يقوم عليها، تثبيتاً لها، وتعميقاً لمضمونها.
4- إن التعليم – على ضوء ما تقدم – كان ولا زال من أكثر المهام خطراً وأعمقها اتصالاً بآمال المواطنين وطموحاتهم، وأوثقها ارتباطاً بمصالح الجماعة ومقاييس تقدمها، وكان على الدولة بالتالى أن تهيمن على عناصره الرئيسية، وأن توليه رعايتها، وأن توفر لدور التعليم – وبقد طاقتها – شرايين الحياة الجوهرية التى لا تقوم إلا بها، وأن يكون إنفاقها على التعليم، تعبيراً عن اقتناعها بأن ثماره عائدة فى منتهاها إليها، وأن اجتناءها بيد مواطنيها، فليس التعليم حرثاً فى البحر، بل هو نبض الحياة وقوامها، لا تستقيم بغيره شئونها، ولا زال متطلباً كشرط مبدئى لمواجهة المواطنين لمسؤولياتهم مع تنوعها وشمولها، ليكون اضطلاعهم بها منتجاً وفعالاً، وهو كذلك تعميق لمشاعر الانتماء، يتمحض إلهاماً للضمائر، وتقريراًً لتلك لقيم والمثل العليا التى يكون غرسها وإيقاظها فى النشء، مشكلاً لعقولهم، محدداً مآلاً أنماطاً لتصرفاتهم، فلا يوجهون – فى الأعم – طاقاتهم بدداً، ولا يتراجعون عن الإقدام طريقاً، ولا يتخاذلون أو يمارون، بل يوازنون بين حقوقهم وواجباتهم مستبصرين حدودها، فلا يتفرقون أو يفرطون.
5- والتعليم فوق هذا يعدهم للحياة. ويدربهم على مواجهة صعابها، ويقيم لها معالمها، فلا تتنافر وسائلها، أو تتعارض ملامحها، وهم أسوياء بالتعليم، يتوافقون مع بيئتهم، ويندمجون فى مجتمعاتهم، فلا يسعون لغير مظاهر التفوق إصراراً، ولا يميلون عن الحق طريقاً، ليكون التعليم دوماً حقاً أصيلاً لا تابعاً، لا تداخل الأهواء فرص النفاذ إليه، ولا تمليها نزوة عابرة، بل يكون القبول بالمعاهد التعليمية على اختلافها، محدداً وفق أسس موضوعية تستقيم بها متطلبات ممارسة هذا الحق، فلا يكون التعليم على ضوئها شكلياً أو رمزيا ولا يقيد المشرع من مداه اعتسافا، بل يكون ملبيا – واقعا ومضمونا – للأغراض التى يتوخاها أصلاً، وموازناً بين مستواه فى مرحلة بذاتها، وما ينبغى أن يلائمها من شروط الالتحاق بها؛ على ضوء نظره كلية تكفل الاتقاء بالجماعة حضارياً، وإنما طرائق النظر والاستدلال، لتطوير العلوم فى مختلف مجالاتها، والتمكين من أسبابها.
6- إن الحق فى التعليم فحواه، أن يكون لمن يطلبونه الحق فى ضمان قدر منه يلتئم مع مواهبهم وقدراتهم، وكذلك اختيار نوع من التعليم يكون أكثر اتفاقاً مع ملكاتهم وميولهم. ولا ينحصر الحق فى التعليم، فى مجرد النفاذ إليه وفق الشروط الموضوعية التى تتحدد على ضوئها فرص قبول الطلبة بالمعاهد التعليمية، كتلك التى تتصل بتلك المعاهد، وعلى ضوء مستوياتها الأكاديمية، ذلك أن الالتحاق بالمعاهد التعليمية وفق الشروط الموضوعية المحددة للقبول بها، يعتبر مشتملاً بالضرورة على حق الانتفاع بمرافقها وتسهيلاتها وخدماتها، بقدر اتصالها بالعملية التعليمية فى ذاتها، وارتباطها بما يكفل تكامل عناصرها، وبلوغ غايتها، يؤيد ذلك أن الاعتبار الأظهر فى العملية التعليمية، وإن كان عائداً أصلاً إلى خصائص مناهجها الدراسية ومستوياتها، وكذلك إلى شروط تكوين الهيئة التى يقوم بتدريسها، وعلى الأخص من زاوية كفاءتها العلمية، وقدرتها على الاتصال بالطلبة، والتأثير فيهم وجذبهم إليها، وإشرابهم تلك القيم والمثل التى تمليها المصالح الحيوية فى درجاتها العليا، إلا أن ذلك لا يقلل من دور مرافق المعاهد التعليمية وخدماتها، وكتلك التى هيأتها لدعم النواحى الرياضية والترويحية والصحية لطلباتها، وكذلك تلك التى أنشأتها لاستثارة مواهبهم نهوضاً برسالتها. إذ لا تستقيم أغراض التعليم لغير الأسوياء الأصحاء – القادرين بدنياً ونفسياً – على النظر فى العلوم وتدبرها وإنشاء علائق اجتماعية مع زملائهم، والاندماج فى محيطهم.
7- إن ما تقدم مؤداه، أن التعليم حق، وأن العملية التعليمية تتكامل عناصرها، فلا يجوز تبعيضها بفصل بعض أجزائها عن البعض، ذلك أن تضافر مكوناتها هو الضمان لفعاليتها، لتمتد الحماية التى كفلها الدستور للحق فى التعليم، إلى كل العناصر التى يتألف منها، فلا يجوز تعطيل بعض جوانبها أو تقييدها بنصوص قانونية أو تدابير إدارية من شأنها الإخلال بركائز التعليم بما ينال من محتواه، وبوجه خاص يجب أن تتخذ السلطات العامة جميعها، التدابير التى يقتضيها إنهاء التمييز غير المشروع، سواء فى مجال شروط القبول فى المعاهد التعليمية، أو من خلال القواعد التى تفرق بين الطلبة فى شأن مصروفاتهم، أو منحهم الدراسية، أو فرض متابعتهم لتعليهم فى الدول الأجنبية، وبوجه عام، لا يجوز للمعاهد التعليمية أن تمايز بين طلبتها فى شأن صور التعامل وإشكال العلائق التى ترتبط بها معهم، ما لم يكن التمييز بينهم، مستنداً إلى جدارتهم، أو متصلاً بأوضاع تلك المعاهد واحتياجاتها.
8- ولا يسوغ كذلك أن تتخذ السلطات العامة، من إشكال المعونة التى تقدمها إلى المعاهد التعليمية – وأيا كان مقدارها – موطئاً لتقييد حقوق فئة بذاتها من طلبتها، أو تقديمها وتفضيلها على نظرائهم، وليس لها أن تعطل حق أولياء أمور الطلبة فى إلحاق أبنائهم بمعاهد تعليمية غير التى أنشأتها ، بشرط ألا يقل مستواها عن الحدود الدنيا التى تتطلبها الجهة ذات الاختصاص بتنظيم شئون التعليم.
9- وفضلاً عما تقدم، لا يجوز، أن يكون انتفاع طلب المعاهد التعليمية، بمرافقها أو خدماتها، مرتبطاً بقدارتهم المالية، ذلك أن التمييز بين المواطنين – “فى مجال مباشرتهم الحقوق الأساسية عينها” – على ضوء ثرواتهم، كان دائماً أمراً محظوراً منهياً عنه دستورياً.
10- ولئن صح القول بأن الأصل فى التعليم الخاص، هو جوازه فى الحدود التى يبينها المشرع، وبما لا يناقض نصوص الدستور، وبشرط ألا يكون متوخياً استبعاد فئة بذاتها من المواطنين انحرافاً، وأن يكون ملتزماً – من حيث مستواه فى كل مرحلة تعليمية – بالمقاييس التى تفرضها الجهة الإدارية ذات الاختصاص فى شأن المرحلة المناظرة، فإن من الصحيح كذلك أن الحماية التى يكفلها الدستور للحق فى التعليم – بكل العناصر التى يشتمل عليها – إنما تمتد إلى المعاهد التعليمية جميعها، بغض النظر عمن يملكها أو يديرها.
11- إن الأسس السالف بيانها، هى التى تبنتها المواثيق الدولية. فالإعلان العالمى لحقوق الإنسان يؤكد فى ديباجته، أن الحقوق المنصوص عليها فيه، مرجعها إيمان شعوب الأمم المتحدة بالحقوق الأساسية للإنسان وبقيمة كل فرد وكرامته، وضرورة أن يعامل مع غير وفقاً لمقاييس تتكافأ مضموناتها، فلا يضطر مع غيابها إلى مقاومة القهر والطغيان، وإنما يكون ضمانها كافلاً معايير أفضل الحياة تزدهر مقوماتها فى إطار حرية أعمق وأبعد. وكان من بين هذه الحقوق، تلك المنصوص عليها فى المادة 26 من ذلك الإعلان فى شأن التعليم، فقد جاء حكمها صريحاً فى أن لكل إنسان حقاً فيه، ويجب أن يقدم مجاناً على الأقل فى مرحلتيه الابتدائية والأساسية، ويكون التعليم الابتدائى إلزامياً، فإذا كان التعليم فنياً أو مهنياً، وجب أن يكون متاحاً بوجه عام. ولا يتاح التعليم العالى إلى على أساس من الجدارة والاستحقاق، وللآباء حق أولى A prior right فى اختيار نوع بذاته من التعليم لأبنائهم.
وتؤكد المادة 13 من العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أن التعليم حق ينبغى أن يكون موجهاً نحو التطوير الكامل للشخصية الإنسانية، معززاً الاحترام لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، مقترناً بضمان حق الناس جميعاً فى مجال الإسهام الفعال فى بناء مجتمعاتهم الحرة، ومؤدياً لتعميق الفهم والتسامح بين الأمم ودعم صداقتها. كذلك يبين من الاتفاقية التى أقرها المؤتمر العام لمنظمة مناهضة التمييز فى مجال التعليم Convention Against Discrimination in Education adopted on 14. th. December, 1960, by the General Conference of The United Nations Educational, Scientifec and Cultural Organisation (UNESCO) إن هذا التمييز، يمثل انتهاكاً للحقوق التى نص عليها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وإن منظمة اليونسكو، تؤكد أن احترامها للتنوع فى النظم التعليمية الوطنية، لا يجوز أن يخل بالتزامها – ليس بتحريم أشكال التمييز فى نطاق التعليم على اختلافها فحسب – بل كذلك بالعمل على إرساء التكافؤ فى الفرص والمعاملة المتساوية على صعيد التعليم، ليكون حقاً مكفولاً لكل إنسان . ذلك أن أشكال التمييز – على تبيانها – تكتنفها مخاطر بعيدة آثارها. وكان لازماً بالتالى أن يتناولها تنظيم دولي، يكون منهياً لصورها غير المبررة. وهو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية الآنف بيانها، ذلك أن التمييز وفقاً لحكمها يعنى كل تفرقة Distinction أو تقييد Limitation أو استبعاد Exclusion أو تفضيل preference يستند إلى لون الأشخاص أو جنسهم أو لغتهم أو عقائدهم أو آرائهم، أو أصلهم الوطنى أو الاجتماعى أو “حالتهم الاقتصادية” Economic Condition إذا كان هذا التمييز يتوخى، أو من أثره، إلغاء المعاملة المتكافئة فى مجال التعليم أو الإخلال بها، ويندرج تحت ذلك بوجه خاص حرمان شخص أو مجموعة من الأشخاص من النفاذ إلى التعليم بمختلف صوره ومراحله، أو إلزامهم الالتحاق بأشكال من التعليم تنحدر مستوياتها، أو فرض أوضاع عليهم تأباها كرامة الإنسان وتنافيها، أو إنشاء نظم تعليمية أو إبقاؤها إذا كان هدفها الفصل بين الأشخاص تبعاً لجنسهم، ما لم يكن حق النفاذ إليها متكافئاً من خلال دور للتعليم تتعادل مستوياتها سواء من ناحية خصائص أبنيتها أو تجهيزاتها، أو كفاءة مدرسيها وقدراتهم، أو نوع مناهجها.
وعملا بالفقرة الثانية من المادة الأولى من تلك الاتفاقية، يقصد بالتعليم – فى تطبيق أحكامها – صور التعليم ومختلف مراحله، وهو يشمل كذلك على حق الالتحاق بالتعليم والنفاذ إلى نوعه ومستواه، والشروط التى يمنح على ضوئها.
The conditions under which education is given.
ويبين كذلك من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، أن بروتوكولاً برقم (1) ألحق بها، ليضيف إليها بعض الحقوق التى أغفلتها، من بينها الحق فى التعليم المنصوص عليه فى المادة الثانية من هذا البروتوكول، والتى تقضى بأن حق كل شخص فى التعليم لا يجوز إنكاره، وأن على الدولة – فى ممارستها لاختصاصاتها احترام حق الآباء فى أن يوفروا لأبنائهم نوعاً من التعليم والتدريس، يكون ملبياً لعقائدهم ومفهوماتهم الفلسفية.
وتنص المادة 17 من الميثاق الأفريقى لحقوق الإنسان والشعوب African Charter on Human and peoples Rights على أن لكل فرد حقاً فى التعليم، وفى الإسهام الحر فى الحياة الثقافية لبلده.
12- إنه متى كان ما تقدم، وكان من المحقق أن الحقوق الأساسية للإنسان لا تستمد من صفته كمواطن فى بلد ما، بل مردها إلى الخصائص التى تميز الشخصية البشرية وتبرر بالتالى حمايتها وطنياً ودولياً؛ وكانت الدساتير المصرية جميعاً بدءاً من دستور سنة 1923 وانتهاءً بالدستور القائم، ترد المواطنين جميعاً إلى قاعدة واحدة، حاصلها مساواتهم أمام القانون، باعتبارها قواماً للعدل، وجوهر الحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الأغراض التى تستهدفها تتمثل أصلاً فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها أو تقيد ممارستها؛ فقد أضحى مبدأ المساواة أمام القانون- فى أساس بنيانها – وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة، التى لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والحريات التى نص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال إعمالها – كذلك – إلى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما ارتآه كافلاً للصالح العام.
ولئن نص الدستور فى المادة 40 على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها، هى تلك التى يقوم التمييز على أساس من الأصل أو الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز فيها محظوراً، مرده أنها الأكثر شيوعاً فى الحياة العملية، ولا يدل البتة على انحصاره فيها، إذ لو صح ذلك – وهو غير صحيح – لكان التمييز فيما عداها جائزاً دستورياً – وهو ما يناهض المساواة التى كفلها الدستور، وينقض أسسها ويعطل مقاصدها، وآية ذلك أن من صور التمييز التى أغفلتها المادة 40 من الدستور، مما لا تقل عن غيرها وزناً وخطراً سواء فى محتواها أو من جهة الآثار التى تتولد عنها وترتبها كالتمييز بين المواطنين فى نطاق حقوقهم وحرياتهم لاعتبار مرده إلى المولد أو الثروة أو المركز الاجتماعى أو انتمائهم الطبقى أو ميولهم الحزبية وآرائهم، أو نزعاتهم العرقية، أو إلى موقفهم من السلطة العامة وإعراضهم عن تنظيماتها، أو مناوأتهم لها، أو تبنيهم لأعمال بذاتها.
كذلك فإن الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم أو تصنيف Classification أو تمييز من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض، أو المزايا أو الحقوق التى كفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية – التى نظم بها المشرع موضوعاً محدداً – عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التى توخاها، بالوسائل إليها، منطقياً، وليس واهياً، بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً.
Classification is inherent in Legislation in that legislators may select different persons or groups for different treatment. However the state may not rely on a classification whose relationship to an asserted goal is so attenuated as to render the distinction arbitrary or irrational.
كذلك فإن صور التمييز التى تناقض مبدأ المساواة أمام القانون، وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو استبعاد، ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو من خلال تقييد آثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها.
Equality before the law requires an absence of discriminatory treatment except for those in different circumstances.
13، 14، 15- إنه متى كان ذلك، وكان حق التعليم يعنى ابتداء حق الالتحاق بالمعاهد التعليمية وفق الشروط الموضوعية التى تنظم القبول بها؛ وكان التكافؤ فى هذه الشروط فيما بين المتزاحمين على فرص النفاذ إليها، مؤداه تساويهم فى المراكز القانونية بالنسبة إلى المرحلة التعليمية التى قبلوا بها، وتعادل حقوقهم فى مجال الانتفاع بمرافق معاهدهم وتسهيلاتها وخدماتها، التى تتكامل بها العملية التعليمية وتتصل حلقاتها؛ وكان التأمين الصحى يندرج تحتها؛ فقد تعين أن تتكافأ التزاماتهم المالية فى مجال هذا التأمين، وإذ كان ذلك، وكان النص المطعون فيه، يفترض أن الذين يلتحقون بالتعليم الخاص غير المعان، يملكون من مصادر الثروة ما يعينهم على تحمل الأعباء المالية الأثقل، إسهاماً من جانبهم بنصيب أكبر فى تمويل هذا التأمين؛ وكان هذا الافتراض لا دليل عليه، ذلك أن هذا النوع من التعليم قد يتمحض طريقاً وحيداً أمامهم لإكمال دراستهم، وقد يتحملون مالياً – سعياً لبلوغ هدفهم هذا – بما لا يطيقون. وقد يزداد موقفهم سوءاً من خلال الأعباء المالية الأعلى التى فرضها عليهم النص المطعون فيه، لتتضاءل خياراتهم، بما قد يؤول إلى حرمانهم من الاستمرار فى التعليم. وليس ذلك بكل المقاييس نهجاً حميداً أو مطلوباً، بل هو إخلال بالتضامن الاجتماعي، وبالحق فى التعليم، يؤيد ذلك – بوجه خاص – أمران:-
أولهما: أن ما نص عليه الدستور فى المادة 7 من قيام المجتمع على أساس التضامن الاجتماعي، يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيرا، فلا يتفرقون بدداً، أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً، وهم بذلك شركاء فى مسؤوليتهم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلى عنها، وليس لفريق من بينهم أن يتقدم على غيره انتهازاً، ولا أن ينال قدراً من الحقوق يكون بها – عدواناً – أكثر علواً، ولا أن يحرم من بعضها بهتاناً، بل يتعين أن تتضافر جهودهم ، لتكون لهم الفرص ذاتها التى تقيم لمجتمعاتهم بنيانها الحق.
ثانيهما: أن افتراض ملاءة أولياء أمور الذين يلتحقون بالتعليم الخاص غير المعان – حتى وإن صح – وإلزامهم بأعباء مالية تزيد على غيرهم من نظرائهم، لا يعدو أن يكون تمييزاً فيما بينهم على أساس من الثروة” فى مجال مباشرتهم للحقوق الأساسية التى كفلها الدستور للمواطنين جميعاً على سواء”، لينحل، تمييزاً منهياً عنه دستورياً، ذلك أن تكافأهم فى الشروط الموضوعية التى تم على ضوئها قبولهم فى مرحلة تعليمية بذاتها، يقتضى بالضرورة تعادلهم فى مجال الانتفاع بالمرافق والخدمات التى تتصل بالعملية التعليمية، والتى هيأتها المعاهد التى التحقوا بها، لغيرهم من زملائهم. وآية ذلك، أن القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، وإن مايز بنص البند ( أ ) من مادته الثالثة – وهو النص المطعون فيه – فيما بين الطلبة بعضهم البعض فى شأن اشتراكاتهم السنوية التى يسهمون بها فى تمويل هذا التأمين، إلا أن البندين (جـ)، (د) من هذه المادة ذاتها، يكفلان مساواتهم جميعاً فى شأن إسهامهم فى ثمن الدواء، وأجر الزيارة الطبية المنزلية.


الإجراءات

بتاريخ 7 ديسمبر سنة 1994 أودع المدعي، قلم كتاب المحكمة، صحيفة الدعوى الماثلة طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن نظام التأمين الصحى على الطلاب.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام أمام محكمة بندر ثان طنطا الدعوى رقم 45 لسنة 1994، بطلب الحكم برد المبالغ التى دفعها مقابل التأمين الصحى على أولاده الثلاثة الملحقين بإحدى المدارس الخاصة بمصروفات، وقال شرحاً لدعوه إنه عملاً بحكم المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، كان عليه أن يدفع مبالغ سنوية عن أولاده الملتحقين بمدارس خاصة بمصروفات، تمثل حصتهم فى التأمين الصحي. وهى مبالغ تزيد كثيراً عما تقتضيه الدولة من نظرائهم فى المدارس الحكومية والمعاهد الأزهرية والمدارس الخاصة المعانة. وأثناء نظر دعواه الموضوعية، دفع بعدم دستورية المادة الثالثة من القانون المشار إليه. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه، وصرحت بأن يقيم دعواه الدستورية، فرفعها.
وحيث إن المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، تنص على ما يلي:
يمول نظام التأمين الصحى على الطلاب على النحو الآتي:
( أ ) الاشتراكات السنوية التى يتحملها الطالب فى كل مرحلة من المراحل، والتى تسدد كل عام دراسى وفقاً للتنظيم، وفى المواعيد التى يصدر بتحديدها قرار من وزير الصحة بالاتفاق مع الوزير المختص بواقع:
– أربعة جنيهات عن كل طفل من رياض الأطفال، وكان طالب من طلاب التعليم الأساسى والثانوى بأنواعه، والمدارس الفنية نظام الخمس سنوات، والمدارس الفنية التجريبية التحضيرية.
– 10% من قيمة المصروفات التعليمية السنوية عن كل طفل من رياض الأطفال الخاصة، وكل طالب من طلاب المدارس الخاصة بمصروفات بحد أقصى قدره خمسون جنيهاً.
(ب) الاشتراكات السنوية التى تتحملها الخزانة العامة، بواقع اثنى عشر جنيهاً عن كل طالب فى المدارس ورياض الأطفال المملوكة للدولة، والمدارس الخاصة المعانة.
(ج) مساهمة الطالب فى ثمن الدواء خارج المستشفى بواقع الثلث، عدا حالات الأمراض المزمنة التى تحدد بقرار من وزير الصحة، فيعطى الدواء للطلاب مجاناً، وكذلك الجهاز التعويضي، مرة واحدة كل سنتين، كلما اقتضت الحاجة ذلك.
(د) حصيلة الزيارات المنزلية بما لا يقل عن ثلاثة جنيهات، ولا يجاوز خمسة جنيهات، عن كل زيارة منزلية وفقا لمكان إقامة الطالب، وطبقاً للقواعد التى يصدر بها قرار وزير الصحة.
(هـ) الإعانات والتبرعات والهبات التى تقدم لأغراض هذا النظام.
(و) حصيلة رسم تأمين صحى بمقدار عشرة قروش، تفرض على كل عشرين سيجارة مباعة بالسوق المحلي، سواء الوطنية أو الأجنبية.
وحيث إن المدعى ينعى على المادة الثانية المشار إليها، إلزامها طلاب المدارس الخاصة بمصروفات، بأداء اشتراكات سنوية لمقابلة خدمات التأمين الصحى المقدمة لهم، تزيد فى مقدارها عن تلك التى تقتضيها الدولة من نظرائهم الذين التحقوا بالمدارس الحكومية والمدارس الخاصة المعانة أو المعاهد الأزهرية، والذين يتمتعون بذات الخدمات، مما يخل بمبدأ المساواة أمام القانون، باعتبار أن التمييز بين هاتين الفئتين لا يقوم على روابط منطقية، بل يعد تمييزاً تحكمياً منهياً عنه بنص المادة 40 من الدستور. كذلك فإن الأصل فى خدمات التأمين الصحي، أن تقدمها الدولة لمستحقيها من الطلاب، عند توافر موجباتها، سواء بسبب عجزهم أو مرضهم. ولا صلة لها بالتالى – وبوصفها حقاً تكفله الدولة للمواطنين جميعاً على ما تقضى به المادة 17 من الدستور – بما إذا كانت المدارس التى يلتحقون بها حكومية، أو مشبهة بها، أو من المدارس الخاصة غير المعانة. ولا يسوغ القول بأن تلك المغايرة فى القواعد القانونية التى تحكم هاتين الفئتين، مردها ضرورة تعاون القادرين مع غير القادرين فى إطار العدالة الاجتماعية. ذلك أن هذا المفهوم، وإن صح أن يكون أساساً للضريبة العامة، إلا أن الطلاب جميعهم يتمتعون بالخدمة الصحية عينها، وبالوسائل ذاتها، ودون تمييز فيما بينهم. ويتعين بالتالى أن يكون مقابل هذه الخدمة واحداً بالنسبة إليهم. وافتراض ملاءة أولياء الأمور الذين ألحقوا أبناءهم بالمدارس الخاصة غير المعانة، لا دليل عليه، ولا تظاهره أية مصلحة اجتماعية.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا، مستقر على أن المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يقوم ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع؛ وكانت مناعى المدعى تدور جميعها حول الزيادة فى الاشتراكات السنوية المنصوص عليها فى البند ( أ ) من المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، والتى مايز المشرع بها، بين الالتزامات المالية للملتحقين بالمدارس الحكومية الخاصة غير المعانة، ومن عداهم، دون غيرها من الخدمات التى ساواهم فيها بنظرائهم – كالزيارات المنزلية والمساهمة فى ثمن الأدوية – إذ تتكافأ فئتها المالية فيما بين الطلاب جميعهم؛ وكانت الاشتراكات السنوية التى نازع المدعى فيها – والتى يتصل بها النزاع الموضوعى – تلك التى تم تحصيلها منه استناداً إلى البند ( أ ) من المادة الثالثة المشار إليها؛ فإن نطاق الطعن ينحصر فى هذا البند ولا يمتد لسواه من البنود التى انتظمتها هذه المادة.
وحيث إن الدستور، نص فى المادة 18 على أن يكون التعليم حقاً، وإلزامياً فى المرحلة الابتدائية، مع جواز مد هذا الإلزام إلى مراحل أخرى تتصل حلقاتها، وتتضافر مكوناتها، ليكون قوامها جميعاً بنياناً صلباً متماسكاً، نفاذاً إلى آفاق العلوم واقتحاماً لدروبها، وارتباطاً بحقائق العصر ومعطياته، وبوسائل التنمية وأدواتها، وبعوامل القوة ومظاهرها، وبموازين الصراع والوفاق ، وبقيم الحق والخير والجمال، وبتكامل الشخصية الإنسانية لا تراجعها، وبنواحى التقدم ومناحى القصور، وبإنماء التقاليد التربوية والخلقية والثقافية وتكريسها، وبألوان الإبداع وأشكال الفنون اطلالاً عليها وتزوداً بها، وبالمعايير التى التزمتها الأمم المتحضرة تأميناً لحقوق مواطنيها وحرياتهم، وبالعوامل الجوهرية التى تكفل للوطن والمواطن آمالاً لا ينحصر محيطها، بل تمتد دائرتها إلى غير حد، إيماناً بغد أفضل قوة وبأساً، حقا وعدلاً، واقعاً ومصيراً.
وحيث إن الدستور حرص فوق هذا – وبنص المادة 18 ذاتها – على ألا تقف الدولة من التعليم موقفاً سلبياً، وإنما حملها مسؤولية الإشراف على مختلف صوره. وعزز دورها بإلزامها أن تكفل استقلال التعليم الجامعي، ومراكز البحث العلمية على اختلافها، تطويراً لرسالتها، وبما يكفل انفتاح مجالاتها دون قيد، متوخياً بذلك أن تتكامل العملية التعليمية فى وسائلها وغاياتها، وأن تتعدد روافدها لتكون نهراً متصلاً، فلا تنعزل بعض حلقاتها عن بعض، بل تتحد أجزاؤها وتتعاون عناصرها، لتقيم بنيانها الحق، وأن يكون نبعها تلك القيم والتقاليد الغائرة فى أعماق بيئتها، وما ذلك إلا لأن قيمتها تتمثل بصفة رئيسية فى انبثاقها عن مجتمعها، وتعبيرها عن المصالح والأسس التى يقوم عليها، تثبيتاً لها، وتعميقاً لمضمونها.
وحيث إن التعليم – على ضوء ما تقدم – كان ولا زال من أكثر المهام خطراً وأعمقها اتصالاً بآمال المواطنين وطموحاتهم، وأوثقها ارتباطاً بمصالح الجماعة ومقاييس تقدمها؛ وكان على الدولة بالتالى أن تهيمن على عناصره الرئيسية، وأن توليه رعايتها، وأن توفر لدور التعليم – وبقد طاقتها – شرايين الحياة الجوهرية التى لا تقوم إلا بها، وأن يكون إنفاقها على التعليم، تعبيراً عن اقتناعها بأن ثماره عائدة فى منتهاها إليها، وأن اجتناءها بيد مواطنيها، فليس التعليم حرثاً فى البحر، بل هو نبض الحياة وقوامها، لا تستقيم بغيره شئونها، ولا زال متطلباً كشرط مبدئى لمواجهة المواطنين لمسؤولياتهم مع تنوعها وشمولها، ليكون اضطلاعهم بها منتجاً وفعالاً، وهو كذلك تعميق لمشاعر الانتماء، يتمحض إلهاماً للضمائر، وتقريراًً للحقائق، واستنهاضا للهمم، نحو ما ينبغى أن يكون نهجا قويما للعمل، واستثارة لتلك لقيم والمثل العليا التى يكون غرسها وإيقاظها فى النشء، مشكلاً لعقولهم، محدداً مآلاً أنماطاً لتصرفاتهم، فلا يوجهون – فى الأعم – طاقاتهم بدداً، ولا يتراجعون عن الإقدام طريقاً، ولا يتخاذلون أو يمارون، بل يوازنون بين حقوقهم وواجباتهم مستبصرين حدودها، فلا يتفرقون أو يفرطون.
والتعليم فوق هذا يعدهم للحياة. ويدربهم على مواجهة صعابها، ويقيم لها معالمها، فلا تتنافر وسائلها، أو تتعارض ملامحها، وهم أسوياء بالتعليم، يتوافقون مع بيئتهم، ويندمجون فى مجتمعاتهم، فلا يسعون لغير مظاهر التفوق إصراراً، ولا يميلون عن الحق طريقاً، ليكون التعليم دوماً حقاً أصيلاً لا تابعاً، لا تداخل الأهواء فرص النفاذ إليه، ولا تمليها نزوة عابرة، بل يكون القبول بالمعاهد التعليمية على اختلافها، محدداً وفق أسس موضوعية تستقيم بها متطلبات ممارسة هذا الحق، فلا يكون التعليم على ضوئها شكلياً أو رمزياً، ولا يقيد المشرع من مداه اعتسافا، بل يكون ملبيا – واقعا ومضمونا – للأغراض التى يتوخاها أصلاً، وموازناً بين مستواه فى مرحلة بذاتها، وما ينبغى أن يلائمها من شروط الالتحاق بها؛ على ضوء نظره كلية تكفل الارتقاء بالجماعة حضارياً، وإنما طرائق النظر والاستدلال، لتطوير العلوم فى مختلف مجالاتها، والتمكين من أسبابها.
وحيث إن الحق فى التعليم فحواه، أن يكون لمن يطلبونه الحق فى ضمان قدر منه يلتئم مع مواهبهم وقدراتهم، وكذلك اختيار نوع من التعليم يكون أكثر اتفاقاً مع ملكاتهم وميولهم. ولا ينحصر الحق فى التعليم، فى مجرد النفاذ إليه وفق الشروط الموضوعية التى تتحدد على ضوئها فرض قبول الطلبة بالمعاهد التعليمية، كتلك التى تتصل بملائمة تكوينهم علميا واستعدادهم ذهنيا ونفسيا لنوع وخصائص المناهج الدراسية بتلك المعاهد، وعلى ضوء مستوياتها الأكاديمية، ذلك أن الالتحاق بالمعاهد التعليمية وفق الشروط الموضوعية المحددة للقبول بها، يعتبر مشتملاً بالضرورة على حق الانتفاع بمرافقها وتسهيلاتها وخدماتها، بقدر اتصالها بالعملية التعليمية فى ذاتها، وارتباطها بما يكفل تكامل عناصرها، وبلوغ غاياتها. يؤيد ذلك أن الاعتبار الأظهر فى العملية التعليمية، وإن كان عائداً أصلاً إلى خصائص مناهجها الدراسية ومستوياتها، وكذلك إلى شروط تكوين الهيئة التى تقوم بتدريسها، وعلى الأخص من زاوية كفاءتها العلمية، وقدرتها على الاتصال بالطلبة، والتأثير فيهم وجذبهم إليها، وإشرابهم تلك القيم والمثل التى تمليها المصالح الحيوية فى درجاتها العليا، إلا أن ذلك لا يقلل من دور مرافق المعاهد التعليمية وخدماتها، وكتلك التى هيأتها لدعم النواحى الرياضية والترويحية والصحية لطلباتها، وكذلك تلك التى أنشأتها لاستثارة مواهبهم نهوضاً برسالتها. إذ لا تستقيم أغراض التعليم لغير الأسوياء الأصحاء – القادرين بدنياً ونفسياً – على إنشاء علائق اجتماعية مع زملائهم، والاندماج فى محيطهم.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن التعليم حق، وأن العملية التعليمية تتكامل عناصرها، فلا يجوز تبعيضها بفصل بعض أجزائها عن البعض، ذلك أن تضافر مكوناتها هو الضمان لفعاليتها، لتمتد الحماية التى كفلها الدستور للحق فى التعليم، إلى كل العناصر التى يتألف منها، فلا يجوز تعطيل بعض جوانبها أو تقييدها بنصوص قانونية أو تدابير إدارية من شأنها الإخلال بركائز التعليم بما ينال من محتواه، وبوجه خاص يجب أن تتخذ السلطات العامة جميعها، التدابير التى يقتضيها إنهاء التمييز غير المشروع، سواء فى مجال شروط القبول فى المعاهد التعليمية، أو من خلال القواعد التى تفرق بين الطلبة فى شأن مصروفاتهم، أو منحهم الدراسية، أو فرض متابعتهم لتعليمهم فى الدول الأجنبية، وبوجه عام، لا يجوز للمعاهد التعليمية أن تمايز بين طلبتها فى شأن صور التعامل وإشكال العلائق التى ترتبط بها معهم، ما لم يكن التمييز بينهم، مستنداً إلى جدارتهم، أو متصلاً بأوضاع تلك المعاهد واحتياجاتها.
ولا يسوغ كذلك أن تتخذ السلطات العامة، من إشكال المعونة التى تقدمها إلى المعاهد التعليمية – وأياً كان مقدارها – موطئاً لتقييد حقوق فئة بذاتها من طلبتها، أو تقديمها وتفضيلها على نظرائهم، وليس لها أن تعطل حق أولياء أمور الطلبة فى إلحاق أبنائهم بمعاهد تعليمية غير التى أنشأتها ، بشرط ألا يقل مستواها عن الحدود الدنيا التى تتطلبها الجهة ذات الاختصاص بتنظيم شئون التعليم.
وفضلاً عما تقدم، لا يجوز، أن يكون انتفاع طلبة المعاهد التعليمية، بمرافقها أو خدماتها، مرتبطاً بقدارتهم المالية، ذلك أن التمييز بين المواطنين – “فى مجال مباشرتهم الحقوق الأساسية عينها” – على ضوء ثرواتهم، كان دائماً أمراً محظوراً منهياً عنه دستورياً.
ولئن صح القول بأن الأصل فى التعليم الخاص، هو جوازه فى الحدود التى يبينها المشرع، وبما لا يناقض نصوص الدستور، وبشرط ألا يكون متوخياً استبعاد فئة بذاتها من المواطنين انحرافاً، وأن يكون ملتزماً – من حيث مستواه فى كل مرحلة تعليمية – بالمقاييس التى تفرضها الجهة الإدارية ذات الاختصاص فى شأن المرحلة المناظرة، فإن من الصحيح كذلك أن الحماية التى يكفلها الدستور للحق فى التعليم – بكل العناصر التى يشتمل عليها – إنما تمتد إلى المعاهد التعليمية جميعها، بغض النظر عمن يملكها أو يديرها.
وحيث إن الأسس السالف بيانها، هى التى تبنتها المواثيق الدولية. فالإعلان العالمى لحقوق الإنسان يؤكد فى ديباجته، أن الحقوق المنصوص عليها فيه، مرجعها إيمان شعوب الأمم المتحدة بالحقوق الأساسية للإنسان وبقيمة كل فرد وكرامته، وضرورة أن يعامل مع غير وفقاً لمقاييس تتكافأ مضموناتها، فلا يضطر مع غيابها إلى مقاومة القهر والطغيان، وإنما يكون ضمانها كافلاً معايير أفضل الحياة تزدهر مقوماتها فى إطار حرية أعمق وأبعد. وكان من بين هذه الحقوق، تلك المنصوص عليها فى المادة 26 من ذلك الإعلان فى شأن التعليم، فقد جاء حكمها صريحاً فى أن لكل إنسان حقاً فيه، ويجب أن يقدم مجاناً على الأقل فى مرحلتيه الابتدائية والأساسية، ويكون التعليم الابتدائى إلزامياً، فإذا كان التعليم فنياً أو مهنياً، وجب أن يكون متاحاً بوجه عام. ولا يتاح التعليم العالى إلى على أساس من الجدارة والاستحقاق، وللآباء حق أولى A prior right فى اختيار نوع بذاته من التعليم لأبنائهم.
وتؤكد المادة 13 من العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أن التعليم حق ينبغى أن يكون موجهاً نحو التطوير الكامل للشخصية الإنسانية، معززاً الاحترام لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، مقترناً بضمان حق الناس جميعاً فى مجال الإسهام الفعال فى بناء مجتمعاتهم الحرة، ومؤدياً لتعميق الفهم والتسامح بين الأمم ودعم صداقتها. كذلك يبين من الاتفاقية التى أقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والشئون العلمية والثقافية فى 14 ديسمبر 1960 فى شأن مناهضة التمييز فى مجال التعليم Convention Against Discrimination in Education adopted on 14. th. December, 1960, by the General Conference of The United Nations Educational, Scientific and Cultural Organisation (UNESCO) أن هذا التمييز، يمثل انتهاكاً للحقوق التى نص عليها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وإن منظمة اليونسكو، تؤكد أن احترامها للتنوع فى النظم التعليمية الوطنية، لا يجوز أن يخل بالتزامها – ليس بتحريم أشكال التمييز فى نطاق التعليم على اختلافها فحسب – بل كذلك بالعمل على إرساء التكافؤ فى الفرص والمعاملة المتساوية على صعيد التعليم، ليكون حقاً مكفولاً لكل إنسان . ذلك أن أشكال التمييز – على تباينها – تكتنفها مخاطر بعيدة آثارها. وكان لازماً بالتالى أن يتناولها تنظيم دولى ، يكون منهياً لصورها غير المبررة. وهو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية الآنف بيانها، ذلك أن التمييز وفقاً لحكمها يعنى كل تفرقة Distinction أو تقييد Limitation أو استبعاد Exclusion أو تفضيل preference يستند إلى لون الأشخاص أو جنسهم أو لغتهم أو عقائدهم أو آرائهم، أو أصلهم الوطنى أو الاجتماعى أو “حالتهم الاقتصادية” Economic Condition إذا كان هذا التمييز يتوخى، أو من أثره، إلغاء المعاملة المتكافئة فى مجال التعليم أو الإخلال بها، ويندرج تحت ذلك بوجه خاص حرمان شخص أو مجموعة من الأشخاص من النفاذ إلى التعليم بمختلف صوره ومراحله، أو إلزامهم الالتحاق بأشكال من التعليم تنحدر مستوياتها، أو فرض أوضاع عليهم تأباها كرامة الإنسان وتنافيها، أو إنشاء نظم تعليمية أو إبقاؤها إذا كان هدفها الفصل بين الأشخاص تبعاً لجنسهم، ما لم يكن حق النفاذ إليها متكافئاً من خلال دور للتعليم تتعادل مستوياتها سواء من ناحية خصائص أبنيتها أو تجهيزاتها، أو كفاءة مدرسيها وقدراتهم، أو نوع مناهجها.
وعملا بالفقرة الثانية من المادة الأولى من تلك الاتفاقية، يقصد بالتعليم – فى تطبيق أحكامها – صور التعليم ومختلف مراحله، وهو يشمل كذلك على حق الالتحاق بالتعليم والنفاذ إلى نوعه ومستواه، والشروط التى يمنح على ضوئها.
The conditions under which education is given.
ويبين كذلك من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، أن بروتوكولاً برقم (1) ألحق بها، ليضيف إليها بعض الحقوق التى أغفلتها، من بينها الحق فى التعليم المنصوص عليه فى المادة الثانية من هذا البروتوكول، والتى تقضى بأن حق كل شخص فى التعليم لا يجوز إنكاره، وأن على الدولة – فى ممارستها لاختصاصاتها – احترام حق الآباء فى أن يوفروا لأبنائهم نوعاً من التعليم والتدريس، يكون ملبياً لعقائدهم ومفهوماتهم الفلسفية.
وتنص المادة 17 من الميثاق الأفريقى لحقوق الإنسان والشعوب African Charter on Human and peoples Rights على أن لكل فرد حقاً فى التعليم، وفى الإسهام الحر فى الحياة الثقافية لبلده.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان من المحقق أن الحقوق الأساسية للإنسان لا تستمد من صفته كمواطن فى بلد ما، بل مردها إلى الخصائص التى تميز الشخصية البشرية وتبرر بالتالى حمايتها وطنياً ودولياً؛ وكانت الدساتير المصرية جميعاً بدءاً من دستور سنة 1923 وانتهاءً بالدستور القائم، ترد المواطنين جميعاً إلى قاعدة واحدة، حاصلها مساواتهم أمام القانون، باعتبارها قواماً للعدل، وجوهر الحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الأغراض التى تستهدفها تتمثل أصلاً فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها أو تقيد ممارستها. وغداً أمر هذه المساواة، فى أساس بنيانه – وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة، التى لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال إعمالها – كذلك – إلى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما ارتآه كافلاً للصالح العام.
ولئن نص الدستور فى المادة 40 على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها، هى تلك التى يقوم التمييز على أساس من الأصل أو الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز فيها محظوراً، مرده أنها الأكثر شيوعاً فى الحياة العملية، ولا يدل البتة على انحصاره فيها، إذ لو صح ذلك – وهو غير صحيح – لكان التمييز فيما عداها جائزاً دستورياً – وهو ما يناهض المساواة التى كفلها الدستور، وينقض أسسها ويعطل مقاصدها، وآية ذلك أن من صور التمييز التى أغفلتها المادة 40 من الدستور، مما لا تقل عن غيرها وزناً وخطراً سواء فى محتواها أو من جهة الآثار التى تتولد عنها وترتبها كالتمييز بين المواطنين فى نطاق حقوقهم وحرياتهم لاعتبار مرده إلى المولد أو الثروة أو المركز الاجتماعى أو انتمائهم الطبقى أو ميولهم الحزبية وآرائهم، أو نزعاتهم العرقية، أو إلى موقفهم من السلطة العامة وإعراضهم عن تنظيماتها، أو مناوأتهم لها، أو تبنيهم لأعمال بذاتها.
كذلك فإن الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم Classification أو تمييز من خلال الاعباء التى يلقيها على البعض أو المزايا أو الحقوق التى كفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية – التى نظم بها المشرع موضوعاً محدداً – عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التى توخاها، بالوسائل إليها، منطقياً، وليس واهياً، بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً.
Classification is inherent in Legislation in that legislators may select different persons or groups for different treatment. However, the state may not rely on a classification whose relationship to an asserted goal is so attenuated as to render the distinction arbitrary or irrational.
كذلك فإن صور التمييز التى تناقض مساواتهم أمام القانون، وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد، ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التى كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو من خلال تقييد آثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها.
Equality before the law requires an absence of discriminatory treatment except for those in different circumstances.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان حق التعليم يعنى ابتداء حق الالتحاق بالمعاهد التعليمية وفق الشروط الموضوعية التى تنظم القبول بها؛ وكان التكافؤ فى هذه الشروط فيما بين المتزاحمين على فرص النفاذ إليها، مؤداه تساويهم فى المراكز القانونية بالنسبة إلى المرحلة التعليمية التى قبلوا بها، وتعادل حقوقهم فى مجال الانتفاع بمرافق معاهدهم وتسهيلاتها وخدماتها، التى تتكامل بها العملية التعليمية وتتصل حلقاتها، وأن التأمين الصحى يندرج تحتها؛ فقد تعين أن تتكافأ التزاماتهم المالية فى مجال هذا التأمين. إذ كان ذلك؛ وكان النص المطعون فيه، يفترض أن الذين يلتحقون بالتعليم الخاص غير المعان، يملكون من مصادر الثروة ما يعينهم على تحمل الأعباء المالية الأثقل، إسهاماً من جانبهم بنصيب أكبر من تمويل هذا التأمين؛ وكان هذا الافتراض لا دليل عليه، ذلك أن هذا النوع من التعليم قد يتمحض طريقاً وحيداً متاحا أمامهم لإكمال دراستهم، وقد يتحملون مالياً – سعياً لبلوغ هدفهم هذا – بما لا يطيقون. وقد يزداد موقفهم سوءاً من خلال الأعباء المالية الأعلى التى فرضها عليهم النص المطعون فيه، لتتضاءل خياراتهم، بما قد يؤول إلى حرمانهم من الاستمرار فى التعليم. وليس ذلك بكل المقاييس نهجاً حميداً أو مطلوباً، بل هو إخلال بالتضامن الاجتماعي، وبالحق فى التعليم، يؤيد ذلك – بوجه خاص – أمران:-
أولهما: أن ما نص عليه الدستور فى المادة 7 من قيام المجتمع على أساس التضامن الاجتماعي، يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يتفرقون بدداً، أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً، وهم بذلك شركاء فى مسؤوليتهم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلى عنها، وليس لفريق من بينهم أن يتقدم على غيره انتهازاً، ولا ينال قدراً من الحقوق يكون بها – عدواناً – أكثر علواً، ولا أن يحرم من بعضها بهتاناً، بل يتعين أن تتضافر جهودهم ، لتكون لهم الفرص ذاتها التى تقيم لمجتمعاتهم بنيانها الحق.
ثانيهما: أن افتراض ملاءة أولياء أمور الذين يلتحقون بالتعليم الخاص غير المعان – حتى وإن صح – وإلزامهم بأعباء مالية تزيد على غيرهم من نظرائهم، لا يعدو أن يكون تمييزاً فيما بينهم على أساس من الثروة “فى مجال مباشرتهم للحقوق الأساسية التى كفلها الدستور للمواطنين جميعاً على سواء”، لينحل، تمييزاً منهياً عنه دستورياً، ذلك أن تكافأهم فى الشروط الموضوعية التى تم على ضوئها قبولهم فى مرحلة تعليمية بذاتها، يقتضى بالضرورة تعادلهم فى مجال الانتفاع بالمرافق والخدمات التى تتصل بالعملية التعليمية، والتى هيأتها المعاهد التى التحقوا بها، لغيرهم من زملائهم. وآية ذلك، أن القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، وإن مايز بنص البند ( أ ) من مادته الثالثة – وهو النص المطعون فيه – فيما بين الطلبة بعضهم البعض فى شأن اشتراكاتهم السنوية التى يسهمون بها فى تمويل هذا التأمين، إلا أن البندين (جـ)، (د) من هذه المادة ذاتها، يكفلان مساواتهم جميعاً فى شأن إسهامهم فى ثمن الدواء، وأجر الزيارة الطبية المنزلية.
وحيث إن مؤدى ما تقدم، أن النص المطعون فيه، قد وقع فى حمأة المخالفة الدستورية لمخالفته المواد 7، 18، 40 من الدستور.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم دستورية ما تضمنه البند ( أ ) من المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 فى شأن التأمين الصحى على الطلاب، من افراد كل طفل فى رياض الأطفال الخاصة، وكل طالب من طلاب المدارس الخاصة بمصروفات، بالتحمل باشتراكات سنوية لتمويل هذا التأمين، تزيد على تلك التى فرضتها على غيرهم من الطلبة، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.