الخط الساخن : 01118881009

جلسة 3 فبراير سنة 1996

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (22)
القضية رقم 33 لسنة 6 قضائية “دستورية”

1- دعوى دستورية: ميعادها: بدء سريانه – امتداده طبقاً لقواعد المرافعات.
ميعاد الثلاثة أشهر – المحدد كحد أقصى ” لرفع الدعوى – لا يبدأ إلا من اليوم التالى لحصول الأمر المعتبر قانونا مجريا للميعاد – وهو التصريح الصادر عن محكمة الموضوع باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية – امتداد الميعاد. إذا صادف نهاية هذه الأشهر عطلة رسمية إلى يوم عمل بعدها – إنفاذاً للمادة 18 مرافعات.
2- دعوى دستورية “المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها”.
مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسائل الدستورية مؤثراً فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.
3- ضريبة “الملتزم بها – المسئول عن أدائها”.
الملتزم أصلاً بالضريبة هو من تتوافر بالنسبة إليه الواقعة المنشئة لها – عدم مسئولية الشخص عن الضريبة إلا إذا كان وفاؤه بها تابعا للالتزام الأصلى بأدائها – علاقة المسئول عن الضريبة فى شأن المال المتخذ وعاءً لها منتفية.
4- تشريع “البند 15 من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة: الملتزم به والمسئول عنه”.
الرسم المقرر بمقتضى البند المشار إليه فى شأن الحفلات والخدمات الترفيهية بالفنادق يلتزم بدفعه أصلاً من يقيمونها فيها – تعيين المشرع إلى جانبهم مسئولين عن توريدها إلى الخزانة العامة وبأداء مثل مبلغها إذا تخلفوا عنه.
5- ضريبة: “ماهيتها – مقدرة تكليفية – رسم – استحقاق”
الضريبة فريضة مالية يدفعها المكلفون بها للدولة بصفة نهائية جبراً عنهم دون أن يعود عليهم نفع خاص من وراء تحملهم بها – فرض الضريبة مرتبط بمقدرتهم التكليفية – استحقاق الرسم مقابل نشاط خاص أتاه الشخص العام – وعوضاً عن تكلفته – وإن لم يكن بمقدارها.
6- تشريع “النص المشار إليه: ضريبة عامة”
انفصال الرسم المقرر عن الحفلات والخدمات الترفيهية بالفنادق والمحلات العامة السياحية – بموجب النص المشار إليه – عن كل نشاط خاص تبذله الدولة لمن يقيمونها – اعتباره ضريبة عامة يقوم التعادل بين مموليها فى نطاقها جغرافياً.
7- الضريبة “محلها – حصيلتها”.
اختيار المشرع للمال محل الضريبة مما يخضع لسلطته التقديرية – دستورية الضريبة لا ينال منها ضآلة حصيلتها، أو أن يكون هدفها الحصول على مبلغها.
8- ضريبة عامة “أداة تنظيمها”.
تولى السلطة التشريعية بنفسها كل ما يتصل ببنيان الضريبة العامة بقانون يصدر عنها. عدا الإعفاء منها فيجوز أن يتقرر فى الأحوال التى يبينها القانون.
9- ضريبة عامة “عدالة اجتماعية – حق الملتزمين بها والمسئولين عنها”.
اتخاذ النظام الضريبى من العدالة الاجتماعية – وفقاً للمادة 38 من الدستور – مضموناً وإطاراً – مؤدى ذلك: حق الدولة فى اقتضاء الضريبة يقابله حق الملتزمين بها والمسئولين عنها فى تحصيلها وفق أسس موضوعية لتكون منصفة ومحايدة.
10- ضريبة عامة “مصلحة ضريبية – عدالة اجتماعية – عقاب”.
المصلحة الضريبية للدولة التى يتوخاها قانون الضريبة العامة ينبغى موازنتها بالعدالة الاجتماعية بوصفها اطارا مقيدا لنصوصه – فلا يكون دين الضريبة متمحضا عقابا يفقدها مقوماتها.
11- ضريبة “جزاء : إفراط – عدالة اجتماعية”.
عدم جواز تقرير جزاء على الإخلال بالضريبة مجاوزاً الحدود المنطقية التى يقتضيها صون المصلحه الضريبية للدولة – الغلو فى الجزاء يوقعه وراء نطاق العدالة الاجتماعية.
12- ضريبة “جزاء قضاء مقارن”.
قرار المجلس الدستورى الفرنسى بعدم دستورية نص بغرامة مالية – توقع على من ينبغون حقائق الدخل الخاص بأحد الأشخاص – تعادل فى مبلغها مقدار هذا الدخل – عدم تناسب الغرامة مع الفعل الذى ارتكبوه.
13- دستور “عدالة – المقصود بها”.
اقتران بعض نصوص الدستور بالعدل ليكون قيداً على السلطة التشريعية فى المسائل التى تناولتها هذه النصوص – خلو هذه النصوص من تحديد لمعنى العدالة – المقصود بها ينبغى أن يتمثل فيما يكون حقاً وواجباً سواء فى علائق الأفراد فيما بينهم أو بمجتمعهم – وإن تعين تحديده من منظور اجتماعي.
14- قانون “أداة توازن”.
القانون – من زاوية مثالية – أداء التوزان داخل الجماعة الواحدة بين خبراتها السابقة وتطلعاتها مستقبلا – بلورة القانون تلك القيم التى أنتجتها الخبرة الاجتماعية – اقتراب القانون منها ضمان لإرساء المفهوم التطبيقى للعدالة.
15- عدالة “توزيعية وتقويمية”.
العدالة إما أن تكون توزيعية من خلال التشريع، وإما أن تكون تقويمية ترتد إلى الحلول القضائية.
16- عدالة – قانون.
القانون أداة تحقيق العدالة اعتباره منصفاً إذا كان كافلاً لأهدافها وإلا أسقط كل قيمة لوجوده.
17- شرعية جنائية “مناطها”.
الشرعية الجنائية مناطها تلك الأفعال التى أثمها المشرع من منظور اجتماعي، فلا تمتد نواهيه لغيرها – الشرعية الجنائية مقيدة لتفسير النصوص العقابية، ومحددة لمجال إعمالها بما لا يلبسها بغيرها.
18- جزاء “شرعية : ضمانها”.
شرعية الجزاء – جنائياً كان أم تأديبياً أم مدنياً – لا يمكن ضمانها إلا إذا كان متناسباً مع الفعل المؤثم.
19- جزاء جنائى “معقوليته”.
العقوبة الجنائية يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها – الجزاء الجنائى لا يكون مبرراً إلا كان مفيدا من وجهة اجتماعية – من غير المتصور أن يكون الجزاء الجنائى منصرفاً إلى تقرير عقوبة تدل بمضمونها أو طرائق تنفيذها – على منافاتها للقيم التى ارتضتها الأمم المتحضرة – من غير الجائز أن يكون الجزاء الجنائى بغيضاً أو عاتياً.
20- جزاء “تعويض: تناسب”.
الأصل فى التعويض – فيما خلا الأحوال التى يكون التعويض فيها مقرراً بنص فى القانون – أن يكون مقداره متكافئاً مع الضرر.
21- جزاء “جريمة تأديبية”.
من المتعين أن يكون تقدير الجهة الإدارية لجزاءاتها متوازناً ، دائراً حول الملاءمة الظاهرة بين خطورة الذنب الإدارى وبين نوع الجزاء ومقداره.
22- تشريع “الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 المعدل بالقانون رقم 5 لسنة 1986: عقوبة”.
التزام المسئولين عن دين ضريبة التنمية بأداء مثل مبلغها عند تخلفهم عن توريدها – وفقاً لهذا النص – معنى العقوبة ماثل فى هذا الجزاء.
23- مبدأ خضوع الدولة للقانون “تناسب الجزاء”.
عدم نزول الدولة القانونية – فى مجال تقيدها بالقاعدة القانونية – بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرماتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة فى الدول الديمقراطية – منها ألا يكون الجزاء على أفعالهم جنائياً أم مدنياً أم تأديبياً إفراطاً بل متناسباً معها.
24- تشرع “المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 المشار إليه”.
إضافة المشرع جزاءين آخرين هما الغرامة والتعويض المنصوص عليهما فى المادتين 187 (ثالثاً) و190 من قانون الضرائب عل الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981 – إلى الجزاء المقرر بالنص المشار إليه – تعامد هذه الجزاءات جميعها على سبب واحد ممثلاً فى مخالفة هذا النص – منافاة تعدد الجزاءات عن فعل واحد لضوابط العدالة الاجتماعية.
1- إن قانون المرافعات المدنية والتجارية، قد نص فى المادة 15 على أنه إذا عين القانون للحضور أو لحصول الإجراء ميعاداً مقدراً بالايام، أو بالشهور، أو بالسنين، فلا يحسب منه يوم الإعلان أو حدوث الأمر المعتبر فى نظر القانون مجرياً للميعاد؛ وكان البند (ب) من المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، ينص على أنه إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة، ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي، أجلت نظر الدعوى، وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى فى الميعاد، اعتبر الدفع كأن لم يكن؛ وكان ميعاد الأشهر الثلاثة المنصوص عليها بالبند السابق محدداً على نحو آمر كحد أقصى، ومقيداً الخصوم ومحكمة الموضوع على سواء، حتى ينتظم التداعى فى المسائل الدستورية وفقاً للأوضاع، وخلال الميعاد المقرر قانوناً؛ وكان ثابتاً من الأوراق، أن المدعية بعد التصريح لها برفع دعواها الدستورية فى 7 يوليو سنة 1964، أقامتها بإيداع صحيفتها قلم كتاب هذه المحكمة فى الثامن من أكتوبر سنة 1964؛ وكان ميعاد الأشهر الثلاثة – المحدد كحد أقصى لرفعها – لا يبدأ إلا من اليوم التالى لحصول الأمر المعتبر قانوناً مجرياً للميعاد – وهو التصريح المتقدم الصادر عن محكمة الموضوع باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية – وكانت نهاية هذه الأشهر عطلة رسمية، فإن الميعاد المقرر قانونا لرفع الدعوى الدستورية، يمتد إلى أول يوم عمل بعدها، إنفاذاً لنص المادة 18 من قانون المرافعات المدنية والتجارية، ويكون الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية لرفعها بعد الميعاد، على غير سند.
2- البين من أحكام القانون رقم 5 لسنة 1986 الصادر بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984 بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة، أن هذا القانون أضاف إلى المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 خمس بنود جديدة – هى البنود 12 و13 و14 و15 و16 – التى يستحق الرسم عن كل منها، بالقدر وفى الحدود التى بينتها، ثم أورد فى شأن هذه البنود جميعها، حكماً يقضى بأن يصدر وزير المالية قراراً بإجراءات ومواعيد تحصيل وتوريد الرسم المنصوص عليه فى تلك البنود، وفى حالة التخلف عن توريده فى الموعد المحدد لذلك، يتم تحصيله بطريق الحجز الإداري، ويستحق على الجهات المسئولة “مثل المبالغ المقررة”. متى كان ذلك، وكانت المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسائل الدستورية، مؤثراً فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع؛ وكان البند 15 من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 – المضاف إليها بمقتضى القانون رقم 5 لسنة 1986 – متعلقاً برسم التنمية الخاص بالحفلات والخدمات الترفيهية التى تقام فى الفنادق؛ وكانت الإدارة العامة لتحصيل هذا الرسم، قد اقتضت من المدعية مثل الرسم المستحق على الحفلات التى أقيمت فى فندقها، تأسيساً على نكولها عن توريده، فإن مصلحتها الشخصية والمباشرة، إنما تتحدد فى الطعن على عبارة “ويستحق على الجهات المسئولة مثل المبالغ المقررة” الواردة فى عجز الفقرة الأخير من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1983، معدلاً بالقانون رقم 5 لسنة 1985 المشار إليهما.
3، 4- يعتبر ملتزماً أصلاً بالضريبة من تتوافر بالنسبة إليه الواقعة التى أنشأتها، والتى يتمثل عنصراها فى المال المحمل بعبئها والمتخذ وعاء لها، ثم وجود علاقة بين هذا المال وشخص معين، ليكون اجتماعهما معاً مُظهراً للالتزام بالضريبة من خلال تحديد المشرع لظروفها الموضوعية والشخصية. ولا يكون الشخص مسئولاً عن الضريبة، إلا إذا كان وفاؤه بها تابعاً للالتزام الأصلى بأدائها، ليبقى بوجوده ويزول بانقضائه. وشرط ذلك أن تكون علاقة المسئول عن الضريبة فى شأن المال المتخذ وعاءً لها – وهو العنصر الموضوعى فى الواقعة التى أنشأتها. منتفية.
إذ كان ما تقدم، وكان الرسم المقرر بمقتضى البند 15 من القانون رقم 147 لسنة 1984 فى شأن الحفلات والخدمات الترفيهية بالفنادق، واقعا أصلا على من يقيمونها فيها، ومتعلقاً بالمبالغ التى يدفعونها إلى الفندق مقابلاً لها، ومحدداً فى شكل نسبة مئوية منها، فإن دين الضريبة يكون مترتبا فى ذمتهم ابتداء، بوصفهم ملتزمين أصلاً بدفعها. ولئن كان المشرع قد أقام إلى جانبهم – ومعهم – من يكونون مسئولين عن توريد مبلغها إلى الخزانه العامه، وبأداء مثل مبلغها إذا نكلوا عن واجبهم هذا، فذلك ضماناً لتحصيل الضريبة، وتوقياً للتحايل عليها والتخلص منها، وتأميناً لانتظام جبايتها وسرعتها والتقليل من تكلفتها.
وفى إطار هذه الرابطة وحدها، تتحدد علاقة المدعية بالخدمة الفندقية التى قدمتها، وعلى ضوئها يتم الفصل فى المطاعن الدستورية التى أثارتها.
5، 6- إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن الضريبة فريضة مالية تقتضيها الدولة جبراً من المكلفين بأدائها إسهاماً من جهتهم فى أعبائها وتكاليفها العامة. وهم يدفعونها لها بصفة نهائية، ودون أن يعود عليهم نفع خاص من وراء التحمل بها، فلا تقابلها خدمة محددة بذاتها، يكون الشخص العام قد بذلها من أجلهم، وعاد عليهم مردها. ومن ثم كان فرضها مرتبطاً بمقدرتهم التكليفية، ولا شأن لها بما آل إليهم من فائدة بمناسبتها، وإلا كان ذلك خلطاً بينها وبين الرسم، إذ يستحق مقابلاً لنشاط خاص أتاه الشخص العام – وعوضاً عن تكلفته – وإن لم يكن بمقدارها. متى كان ذلك، وكان الرسم المقرر على الحفلات والخدمات الترفيهية التى تقدمها الفنادق والمحلات العامة السياحية، منفصلاً عن كل نشاط خاص تكون الدولة قد بذلته لمن يقيمونها أو يعدونها؛ فإنه ينحل إلى ضريبة من الناحية القانونية، وهى بعد ضريبة لا يقتصر نطاق تطبيقها على رقعة إقليمية معينة تمتد إليها دون سواها، ويتحدد المخاطبون بها فى إطار هذه الدائرة وحدها، بل يعتبر تحقق الواقعة المنشئة لها على امتداد النطاق الإقليمى للدولة – وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية – وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية – مرتباً لدينها فى ذمة الممول، مما مؤداه تكافؤ الممولين فى الخضوع لها دون تمييز، وسريانها بالتالى – وبالقوة ذاتها – كلما توافر مناطها فى أية جهة داخل الحدود الإقليمية للدولة، وهو ما يعنى أنها ضريبة عامة يقوم التماثل فيها بين الممولين بصددها، على وحدة تطبيقها من الناحية الجغرافية، وليس بالنظر إلى مقدار الضريبة التى يؤدونها، ذلك أن التعادل بينهم فى نطاقها ليس فعلياً intrinsic بل جغرافياً.
7- إن اختيار المشرع للمال محل الضريبة، وإن كان مما يخضع لسلطته التقديرية، وكان من المقرر كذلك أن دستورية الضريبة لا ينال منها أن تكون حصيلتها متناهية فى ضآلتها negligIble، أو أن يكون هدفها الحصول أصلاً من المكلفين بها على مبلغها مع تنظيم نشاطهم عرضاً بما يجعل الاستمرار فيه مرهقاً onerons؛ وكانت الضريبة التى فرضها النص المطعون فيه، ونسبها إلى قيمة المبالغ التى تؤدى عن الحفلات التى تقام فى الفنادق، تتغيا أصلاً تمويل الخزانة العامة لمواجهة النقص فى مواردها، مع تنظيم نشاط المكلفين بأدائها عرضاً باعتباره استهلاكاً ترفياً ينبغى الحد منه، فإن الملتزمين أصلاً بأدائها، لا يتحملون بسببها عبئاً مخالفاً للدستور.
8، 9- إن السلطة التشريعية هى التى تقبض بيدها على زمام الضريبة العامة، إذ تتولى بنفسها تنظيم أوضاعها بقانون يصدر عنها، متضمناً تحديد وعائها، وأسس تقديره، وبيان مبلغها، والملتزمين أصلاً بأدائها، والمسئولين عنها وقواعد ربطها وتحصيلها، وتوريدها، وكيفية أدائها، وضوابط تقادمها، وما يجوز أن يتناولها من الطعون اعتراضاً عليها، ونظم خصم بعض المبالغ أو إضافتها لحسابها، وغير ذلك مما يتصل ببنيان هذه الضريبة – عدا الإعفاء منها – إذ يجوز أن يتقرر فى الأحوال التى يبينها القانون. وإلى هذه العناصر جميعها يمتد النظام الضريبى فى جمهورية مصر العربية، ليحيط بها فى إطار من قواعد القانون العام، متخذاً من العدالة الاجتماعية – وعلى ما تنص عليه المادة 38 من الدستور – مضموناً وإطاراً وهو ما يعنى بالضرورة، أن حق الدولة فى اقتضاء الضريبة لتنمية مواردها، ولإجراء ما يتصل بها من آثار عرضية، ينبغى أن يقابل بحق الملتزمين أصلاً بها، والمسئولين عنها، فى تحصيلها وفق أسس موضوعية يكون إنصافها نافياً لتحيفها، وحيدتها ضماناً لاعتدالها.
10- إن قانون الضريبة العامة، وإن توخى حماية المصلحة الضريبية للدولة باعتبار أن الحصول على إيرادها هدفاً مقصوداً منه ابتداء، إلا أن مصلحتها هذه ينبغى موازنتها بالعدالة الاجتماعية بوصفها مفهوماً وإطاراً مقيداً لنصوص هذا القانون، فلا يكون دين الضريبة – سواء بالنسبة إلى من يلتزمون أصلاً بها، أو يكونون مسئولين عنها – متمحضاً عقاباً بما يخرجها عن بواعثها الأصلية والعرضية، ويفقدها مقوماتها بالتالى لتنحل عدماً.
11- 12- لا يجوز أن تعمد الدولة كذلك – استيفاء لمصلحتها فى اقتضاء دين الضريبة – إلى تقرير جزاء على الإخلال بها، يكون مجاوزاً – بمداه أو تعدده – الحدود المنطقية التى يقتضيها صون مصلحتها الضريبية، وإلا كان هذا الجزاء غلواً وإفراطاً، منافياً بصورة ظاهرة لضوابط الاعتدال، واقعاً عملاً – بالضرورة – وراء نطاق العدالة الاجتماعية، ليختل مضمونها بها ينافى القيود التى فرضها الدستور فى مجال النظام الضريبي. وهو مانحاً إليه المجلس الدستورى الفرنسى بما قرره من أن القانون المالى إذ فرض بنص المادة 92 – على من يذيعون حقائق الدخل الخاص بأحد الأشخاص – من خلال إفشائهم لسريتها بالمخالفة لأحكامها – غرامة مالية يتعين دوماً توقيعها، وتعادل فى مبلغها مقدار هذا الدخل، إنما يفقدها فى عديد من الأحوال – وبصورة صارخة – تناسبها مع الأفعال التى ارتكبوها – ويتعين لهذا الاعتبار وحده – ودون ما ضرورة للخوض فى غيره من مناحى الطعن على تلك المادة – تقرير عدم دستوريتها.

16- Considèrant qu’en prescrivant que L’amende fiscale encourue en cas de divulgation du montant du revenue d’une personne en violation des dispositions de L’article L.lll du Livre de procèdutes sera, en toute hypothese, ègale au mintant des revenues divulgès, l’ article 92 de la loi de finances pour 1988 èdicte une sanction qui pourrait, dans nombre de cas, revtir un caractère manifestement disproportionnè,
17- Considèrant que, sans mème qu’ il soit besoin d’ examiner les autres moyens ivoquès par les dèputès auteures de la saisine, l’articte 92 doit, en tout ètat de cause, ètre declarè contraire à la Constitution (87 – 237 DC, 30 dècembre 1987. 16 et 17, Rec. p. 63)

13- إن الدستور قرن العدل بكثير من النصوص التى تضمنها، ليكون قيداً على السلطة التشريعية فى المسائل التى تناولتها هذه النصوص. فالنظام الاقتصادى لجمهورية مصر العربية لا يقوم إلا على الكفاية والعدل. ويتعين أن ينظم هذا الاقتصاد وفقاً لخطة تنمية شاملة تكفل زيادة الدخل القومي، وعدالة التوزيع. ويؤسس النظام الضريبى على العدالة الاجتماعية ( مادة 38 ) متطلباً – حال وقوع اعتداء على الحرية الشخصية أو على حرمة الحياة الخاصة – أن تقدم الدولة تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه العدوان (مادة 57). كذلك فإن التعويض عن نزع الملكية – سواء من خلال التأميم أو غيره – ينبغى أن يكون قائماً على العدل. ومن خلال مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، وبوجه خاص فى مجال أعبائهم وتكاليفهم العامة، تظهر فكر العدالة فى واحدة من أهم تطبيقاتها.
إن الدستور، وإن قد خلا من تحديد لمعنى العدالة فى النصوص السابقة، إلا أن المقصود بها ينبغى أن يتمثل فيما يكون حقاً وواجباً سواء فى علائق الأفراد فيما بينهم، أو فى نطاق صلاتهم بمجتمعهم، وإن تعين دوماً تحديدها من منظور اجتماعي، ذلك أن العدالة تتوخى – بمضمونها – التعبير عن القيم الاجتماعية السائدة فى مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة. ومن الناحية الفلسفية، فإن مفهومها قد يكون مطلقاً، ولكنها عملاً – ومن زاوية نتائجها الواقعية – لا تعنى شيئاً ثابتاً باطراد، بل تتباين معانيها، وتتموج توجهاتها، تبعاً لمعايير الضمير الاجتماعى ومستوياتها Levels of social consciousness ولئن جاز القول بأن النصوص القانونية تعمل لضمانها، إلا أنها تناقض أحياناً – بأحكامها، ومن خلال تطبيقاتها – حقيقة محتواها، وقد تنال من أغراضها النهائية التى تحيل بوجه عام إلى رضاء الجماعة وهناء معيشتها وسعادة أفرادها. وقد يثور التعارض كذلك بين حقائق العدالة الاجتماعية social justice وبين مفهوم الدولة أو الفرد لقيمها، ليكون لكل منهما تصور ذاتى فى شأن متطلباتها.
ويتعين بالتالى أن توازن علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، بأوضاع مجتمعهم والمصالح التى يتوخاها من أجل التوصل إلى وسائل علمية تكفل إسهام أكبر عدد من بينهم لضمان أكثر المصالح والقيم الاجتماعية تعبيراً عن النبض الجماعى لإرادتهم، ليكون القانون طريقاً لتوجههم الجمعي. ذلك أن النصوص القانونية لا تتقرر لذاتها، بل بوصفها تعبيراً عن تلك الخبرة الاجتماعية social experience التى قام الدليل على تراكمها، وإن كان ممكناً أن يكون لبعض الأشخاص أو لوقائع بذواتها أثر فى تشكيل مضامينها.
14- إذا كان القانون – من زاوية مثالية – أداة التوازن داخل الجماعة الواحدة بين خبراتها السابقة past experience وبين تطلعاتها وتوقعاتها مستقبلاً future expectations ليكون كافلاً توافق أفرادها على القبول بالنصوص التى يتضمنها؛ وكان القانون بذلك ليس إلا تطوراً منطقياً مقبولاً بوجه عام، لضمان أن يكون النزول عليه إدارياً قائماً على التعاون فى مجال تنفيذه، إلا أن من المتعذر القول بأن القانون يعد دوماً نتاجاً للحقيقة فى صورها المطلقة، أو تعبيراً عن تصوراتها المجردة، وإنما يبلور القانون تلك القيم التى أنتجتها الخبرة الاجتماعية. وكلما كان القانون أكثر اقتراباً منها، كلما كان أفضل ضمان لإرساء المفهوم التطبيقى للعدالة، سواء فيما بين الأفراد بعضهم البعض، أو على صعيد مجتمعاتهم.
وبقدر اتساع الفجوة بين هذا المفهوم، وعليه صناعة القانون، بقدر ما يكون القانون قاصراً عن إنفاذ حقائق العدل الاجتماعي، فلا يقدم حلاً ملائماً لتصادم المصالح فيما بين الأفراد ومجتمعهم، مبتعداً بذلك عما يكون لازماً إنصافاً.
15- إن من المقرر كذلك، أن العدالة إما أن تكون توزيعية Distributive justice من خلال العملية التشريعية ذاتها، وإما أن تكون تقويمية Corrective إلى الحلول القضائية التى لا شأن لها بتخصيص المشرع لتلك المزايا الاجتماعية التى يقوم بتوزيعها فما بين الأفراد بعضهم البعض، بل قوامها تلك الترضية التى تقدمها السلطة القضائية إلى المضرورين، لترد عنهم عدواناً قائماً أو محتملاً، ولضمان مساواة المواطنين سواء فى مباشرة حرياتهم، أو على صعيد الحقوق التى يتمتعون بها.
16- إن ما تقدم مؤداه، أن العدالة – فى غاياتها – لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها Justice as an end and law as means are inextricably bound together فلا يكون القانون منصفاً إلا إذا كان كافلاً لأهدافها. فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصلية التى تحتضنها، كان منهياً للتوافق فى مجال تنفيذه، ومسقطاً كل قيمة لوجوده، ومستوجباً تغييره أو إلغاءه.
17- إن فكرة الجزاء – جنائياً كان أم تأديبياً أم مدنياً – تعنى أن خطأ معيناً لا يحوز تجاوزه. ويتحدد ذلك فى المجال الجنائى من خلال النصوص العقابية التى يكون تحديدها للأفعال التى أدخلها المشرع فى مجال التجريم، جلياً قاطعاً، بما مؤداه أن تعريفاً قانونياً بالجريمة محدداً لعناصرها، يكون لازماً Nullum Crimen Sine lege، لا يجوز القياس عليها لإلحاق غيرها لها، باعتبار أن الشرعية الجنائية مناطها تلك الأفعال التى أثمها المشرع – من منظور اجتماعى – فلا تمتد نواهيه لغيرها، ولو كان إتيانها يثير اضطراباً عاماً، أو كان مضمونها فجاً عابثاً.
ومن ثم تكون هذه الشرعية – وبالنظر إلى القيود الخطيرة التى تفرضها النصوص العقابية على الحرية الشخصية – مقيدة لتفسير هذه النصوص، ومحددة كذلك مجال إعمالها بما لا يلبسها بغيرها، وعلى تقدير أن النصوص العقابية لا يجوز أن تكون شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها، ولأن العقوبة التى تقارن هذه النصوص، لا تعتبر نتيجة لازمة للجريمة التى تتصل بها، بل جزءاً منها يتكامل معها ويتممها.
18- إن شرعية الجزاء – جنائياً كان أم تأديبياً أم مدنياً – لا يمكن ضمانها إلا إذا كان متناسباً مع الافعال التى أثمها المشرع أو منعها.
19- ففى المجال الجنائي، الأصل فى الجريمة أن عقوبتها لا يتحمل بها، إلا من أدين بارتكابها باعتباره مسئولاً عنها. وهى بعد عقوبة يجب أن تتوازن “وطأتها” مع طبيعة الجريمة موضوعها، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله، وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها، ولا ينال عقابها إلا من قارفها، وأن “شخصية العقوبة” وتناسبها مع الجريمة محلها، مرتبطتان بالشروط التى يعد بها الشخص قانوناً “مسئولاً عن ارتكابها”. وهو ما يعنى أن الأصل فى العقوبة هو معقوليتها، فلا يكون التدخل فيها إلا بقدر، نأياً بها عن أن تكون إيلاماً غير مبرر، يؤكد قسوتها فى غير ضرورة Unnecessary Cruelty and pain ذلك أن القانون الجنائي، وإن اتفق مع غيره من القوانين فى تنظيم بعض العلائق التى يرتبط بها الأفراد فيما بين بعضهم البعض، أو من خلال مجتمعهم بقصد ضبطها، إلا أن القانون الجنائى يفارقها فى اتخاذه العقوبة لتقويم ما يصدر عنهم من أفعال نهاهم عن ارتكابها. وهو بذلك يتغيا أن يحدد – ومن منظور اجتماعى – ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مبرراً إلا إذا كان مفيداً من وجهة اجتماعية، فإن كان مجاوزاً تلك الحدود التى لا يكون معها ضرورياً، غدا مخالفاً للدستور، ولا يتصور بالتالى أن يكون الجزاء الجنائى منصرفاً إلى تقرير عقوبة تدل – بمضمونها أو مداها أو طرائق تنفيذها – على منافاتها للقيم التى ارتضتها الأمم المتحضرة، والتى تؤكد بمضمونها رقى حسها، وتكون علامة على نضجها على طريق تطورها.
وفى هذا الإطار لا يجوز أن يكون الجزاء الجنائى بغيضاً Obnoxious أو عاتياً. وهو يكون كذلك إذا كان بربرياً Barbarous أو تعذيبياً Torturous، أو قمعياً، أو متصلاً بأفعال لا يجوز تجريمها، وكذلك إذا كان مجافياً – بصورة ظاهرة – للحدود التى يكون معها متناسباً مع الأفعال التى أثمها المشرع، بما يصادم الوعى أو التقدير الخلقى لأوساط الناس فى شأن ما ينبغى أن يكون حقاً وعدلاً على ضوء مختلف الظروف ذات الصلة، ليتمحض الجزاء عندئذ عن إهدار للمعايير التى التزمتها الأمم المتحضرة فى معاملتها للإنسان. ولقد كان هذا الاعتبار ملحوظاً حتى فى الوثائق القديمة لإعلان الحقوق، فالقاعدة التى تضمنتها “الماجنا كارتا” Magna Carta (1215) فى هذا الشأن حاصلها أن الرجل الحر لا تفرض عليه من أجل الجرائم التافهة. إلا غرامة تناسبها. فإذا كان ما أتاه يعد من الجرائم الخطيرة تعين أن تناسبها عقوبتها، ولكن لا يجوز أن تصل قسوتها إلى حد الحرمان من سبل الحياة.
20- ويقوم القانون المدنى على اجتماع المديونية والمسئولية فى كل التزام يكون مدنياً – لا طبيعياً – ليحمل المدين على الوفاء به جبراً، إذا قصر فى ذلك اختياراً. والأصل أن ينفذ الالتزام عيناً، فإذا صار ذلك مستحيلاً بخطأ المدين، آل الأمر إلى التنفيذ بطريق التعويض، جزاء على عدم تنفيذ الالتزام – أياً كان مصدره – أو التأخر فيه، وسواء أكان هذا التعويض مقدراً تقديراً قضائياً أم اتفاقياً أم قانونياً.
ويكون تقدير التعويض عملاً قضائياً، إذا لم يكن محدداً فى العقد أو بنص القانون. وهو لا يكون إلا عن ضرر مباشر نشأ عن خطأ المدين، وبقدر هذا الضرر.
وقد يعمد المتعاقدان إلى أن يحددا مقدماً قيمة التعويض سواء بالنص عليها فى العقد أو فى اتفاق لاحق، ليكون التعويض عندئذ مقدراً اتفاقاً. بيد أن نفاذ هذا الاتفاق مقيد بأمرين، أولهما أن ما اشتمل عليه من تعويض لا يكون مستحقاً إذا أقام المدين الدليل على أن ضرراً لم يلحق الدائن. ثانيهما أن وقوع الضرر لا يحول بين القاضى وخفض مقدار التعويض المتفق عليه، إذا كان مبالغاً فيه بدرجة كبيرة، أو كان الالتزام الأصلى قد نفذ فى جزء منه.
فإذا لم يكن التعويض قضائياً أو اتفاقياً، وكان المشرع قد تكفل – من خلال النصوص التشريعية – بتحديد مقداره تحديداً جامداً لا يتغير – ولو كان الضرر متفاوتاً – مثل ما فعل فى الفوائد القانونية التى حدد مقدارها وشروط استحقاقها، كان التعويض قانونياً، بما مؤداه أنه فيما خلا الأحوال التى يكون التعويض فيها مقرراً بناء على تدخل من المشرع، فإن الأصل فى التعويض أن يكون مقداره متكافئاً مع الضرر، جابراً لمداه دون زيادة أو نقصان، وهو ما يعنى تناسباً بينهما لا يجوز أن يختل.
21- ولا تفارق الجريمة التأديبية – فى جزائها – ما ينبغى أن يكون تقديراً موضوعياً للجزاء فى صورتيه الجنائية والمدنية. فالقوانين الجنائية وإن كان قوامها حصر الجرائم من خلال تحديد أركانها ونوع العقوبة المقررة لكل منها ومقدارها، إلا أن الجرائم التأديبية لا يتصور ربطها بأفعال محددة بذواتها، ذلك أن مناطها بوجه عام الإخلال بواجبات الوظيفة أو الخروج على مقتضياتها، ليكون هذا الإخلال سلوكاً معيباً، وذنباً إدارياً ينعكس أثره على كرامة الوظيفة أو استقامتها أو يمس اعتبار شاغلها. وإعمال الإدارة لسلطتها التأديبية بتقديرها جزاء معيناً لفعل محدد، يمنعها من إيقاع جزاء ثان على الواقعة ذاتها. ويتعين دوماً أن يكون تقدير الجهة الإدارية لجزاءاتها متوازناً، قائماً على أسبابها بكل أشطارها، مبرراً بما يعد حقاً وعدلاً، فلا يكون شططها حائلاً دون أداء العاملين لواجباتهم، ولا لينها أو هونها مؤدياً إلى استهانتهم بها، بل يكون مجرداً من الميل، دائراً حول الملاءمة الظاهرة بين خطورة الفعل المعتبر ذنباً إدارياً، وبين نوع الجزاء ومقداره، وإلا كان تقديرها انحرافاً بالسلطة التأديبية عن أهدافها. وعلى ضوء هذه المبادئ ذاتها، تتحدد دستورية النصوص القانونية التى يسنها المشرع فى المجال التأديبي.
22- إن المسئولين عن دين ضريبة التنمية التى فرضها المشرع على الحفلات التى تقام فى الفنادق، يلتزمون – وعملاً بالفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 المعدل بالقانون رقم 5 لسنة 1986 المشار إليهما – بأداء مثل مبلغها عند تخلفهم عن توريدها؛ وكان ما توخاه المشرع من تقرير هذا الجزاء – منظوراً فى ذلك إلى مداه – هو الحمل على إيفائها مباشرة إلى الخزانة العامة لضمان تحصيلها، والتقليل من تكلفة جبايتها، فلا يتخلى عن توريدها، المسئولون عن دينها، وإلا كان ردعهم لازماً؛ فإن معنى العقوبة يكون ماثلاً فى ذلك الجزاء – وإن لم يكن عقاباً بحتاً – وهو ما يظهر بوضوح من خلال وحدة مقداره. ذلك أن المتخلفين عن توريد الضريبة، يلتزمون بمثل مبلغها “فى كل الأحوال” سواء أكان الإخلال بتوريدها ناشئاً عن عمد، أو إهمال، أو عن فعل غير مقترن بأيهما، متصلاً بالغش أو التحايل أو مجرداً منهما واقعاً مرة واحدة أو متعدداً، وسواء كان التأخير فى توريد هذه الضريبة ممتداً زمناً، أو مقصوراً على يوم واحد. إذ يتعين دوماً أداء مثل مبلغها بالكامل in full measure، ولو كان النكول عن توريدها ناشئاً عن ظروف مفاجئة، ومجرداً من سوء القصد. وكان ينبغى على المشرع أن يفرق فى هذا الجزاء، بين من يتعمدون اقتناص مبلغ الضريبة لحسابهم، ومن يقصرون فى توريدها، وأن يكون الجزاء على هذا التقصير متناسباً مع المدة التى امتد إليها.
23، 24- إن المشرع – وعملاً بالمادة الثالثة من القانون رقم 5 لسنة 1986 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984 المشار إليه – قد ضم إلى هذا الجزاء، جزاءين آخرين هما الغرامة والتعويض المنصوص عليهما فى المادتين 187 (ثالثاً) و190 من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981، لتتعامد هذه الجزاءات جميعها على سبب واحد، ممثلاً فى مخالفة حكم المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 آنف البيان؛ وكان مبدأ خضوع الدولة للقانون – محدداً على ضوء مفهوم ديمقراطى – يعنى أن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها، وتتقيد هى بها إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدول الديمقراطية باضطراد فى مجتمعاتها، واستقر العمل على انتهاجها فى مظاهر سلوكها على تباينها، لضمان ألا تنزل الدولة القانونية بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديموقراطية، ويندرج تحتها، ألا يكون الجزاء على أفعالهم – جنائياً كان، أم مدنياً، أم تأديبياً، أم مالياً – إفراطاً، بل متناسباً معها the principle of proportionality ومتدرجاً بقدر خطورتها ووطأتها على الصالح العام، فلا يكون هذا الجزاء إعناتاً؛ وكان تعدد صور الجزاء- مثلما هو الحال فى الدعوى الراهنة – وانصبابها جميعها على مال المدين – مع وحدة سببها – يعتبر توقيعاً لأكثر من جزاء على فعل واحد، منافياً لضوابط العدالة الاجتماعية التى يقوم عليها النظام الضريبى فى الدولة، ومنتقصاً بالتالى – ودون مقتض – من العناصر الإيجابية للذمة المالية للمسئولين عن دين الضريبة التى فرضها المشرع لتنمية موارد الدولة؛ فإن النص المطعون فيه يكون مخالفاً أحكام المواد 34، 38، 65 من الدستور.


الإجراءات

بتاريخ 8 أكتوبر سنة 1994، أقامت الشركة المدعية هذه الدعوى بإيداع صحيفتها كتاب المحكمة، طالبة الحكم بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 بفرض رسوم تنمية الموارد المالية للدولة، والمضافة بالقانون رقم 5 لسنة 1986 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984 المشار إليه، وكذلك المادة الثالثة من كل القانونين السالفى الذكر، مع إلزام المدعى عليهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وبعد المداولة.
حيث إن الوقائع – حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن الإدارة العامة لرسم تنمية الموارد المالية للدولة، طالبت الشركة المدعية بأن تؤدى لها مبلغ 33320.130 (ثلاثة وثلاثين ألفاً وثلثمائة وعشرين جنيهاً وثلاثة عشر قرشاً) باعتباره غرامة تأخير عن سداد الرسوم المستحقة عن الحفلات التى أقيمت بفندق فلامنكو التابع لها خلال الفترة من أغسطس سنة 1988 حتى مارس سنة 1991، وذلك استناداً لحكم الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة، والمعدل بالقانون رقم 5 لسنة 1986. وازاء وطأة التهديد بتوقيع الحجز الإدارى على أموالها، وحفاظاً على سمعتها السياحية أمام رواد الفندق والمتعاملين معها، فقد اضطرت إلى سداد المبلغ الذى طلبته منها مصلحة الضرائب على غير سند من القانون، ثم أقامت الدعوى رقم 4615 لسنة 1992 أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية (الدائرة الرابعة المدنية) بطلب الحكم بإلزام المدعى عليهم من الرابع إلى الأخير – متضامنين – برد المبلغ المذكور وفوائده.
وأثناء نظر دعواها الموضوعية، دفعت المدعية بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 المشار إليه، بعد تعديلها . وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، فقد صرحت للمدعية برفع دعواها الدستورية، فأقامتها.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت الدعوى الماثلة بعدم قبولها، تأسيساً على رفعها بعد الميعاد المقرر قانوناً.
وحيث إن قانون المرافعات المدنية والتجارية، قد نص فى المادة 15 على أنه إذا عين القانون للحضور أو لحصول الإجراء ميعاداً مقدراً بالأيام، أو بالشهور، أو بالسنين فلا يحسب منه يوم الإعلان أو حدوث الأمر المعتبر فى نظر القانون مجرياً للميعاد؛ وكان البند (ب) من المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 ينص على أنه إذا رفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة، ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي، أجلت نظر الدعوى، وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى فى الميعاد، اعتبر الدفع كأن لم يكن؛ وكان ميعاد الأشهر الثلاثة المنصوص عليها بالبند السابق محدداً على نحو آمر كحد أقصى، ومقيداً الخصوم ومحكمة الموضوع على سواء، حتى ينتظم التداعى فى المسائل الدستورية وفقاً للأوضاع، وخلال الميعاد المنصوص عليه فى قانون المحكمة الدستورية العليا؛ وكان ثابتاً من الأوراق، أن المدعية بعد التصريح لها برفع دعواها الدستورية فى 7 يوليو سنة 1994، أقامتها بإيداع صحيفتها قلم كتاب هذه المحكمة فى الثامن من أكتوبر سنة 1994، وكان ميعاد الأشهر الثلاثة – المحدد كحد أقصى لرفعها – لا يبدأ إلا من اليوم التالى لحصول الأمر المعتبر قانوناً مجرياً للميعاد – وهو التصريح المتقدم الصادر عن محكمة الموضوع باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية – وكانت نهاية هذه الأشهر عطلة رسمية؛ فإن الميعاد المقرر قانونا لرفع الدعوى الدستورية، يمتد إلى أول يوم عمل بعدها، إنفاذاً لنص المادة 18 من قانون المرافعات المدنية والتجاريه، ويكون الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية لرفعها بعد الميعاد، على غير سند.
وحيث إن البين من أحكام القانون رقم 5 لسنة 1986 الصادر بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984 بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة، أن هذا القانون أضاف إلى المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 خمس بنود جديدة – هى البنود 12 و13 و14 و15 و16 – التى يستحق الرسم عن كل منها، بالقدر وفى الحدود التى بينتها، ثم أورد فى شأن هذه البنود جميعها، حكماً يقضى بأن يصدر وزير المالية قراراً بإجراءات ومواعيد تحصيل وتوريد الرسم المنصوص عليه فى تلك البنود، وفى حالة التخلف عن توريده فى الموعد المحدد لذلك، يتم تحصيله بطريق الحجز الإداري، ويستحق على الجهات المسئولة “مثل المبالغ المقررة”. متى كان ذلك، وكانت المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسائل الدستورية، مؤثراً فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع؛ وكان البند 15 من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 – المضاف إليها بمقتضى القانون رقم 5 لسنة 1986 – متعلقاً برسم التنمية الخاص بالحفلات والخدمات الترفيهية التى تقام فى الفنادق؛ وكانت الإدارة العامة لتحصيل هذا الرسم، قد اقتضت من المدعية مثل الرسم المستحق على الحفلات التى أقيمت فى فندقها، تأسيساً على نكولها عن توريده، فإن مصلحتها الشخصية والمباشرة، إنما تتحدد فى الطعن على عبارة “ويستحق على الجهات المسئولة مثل المبالغ المقررة ” الواردة فى عجز الفقرة الأخير من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984، معدلاً بالقانون رقم 5 لسنة 1985 المشار إليهما.
وحيث إن المدعية تنعى على النص المطعون فيه – محدداً نطاقاً على النحو المتقدم أمرين أولهما: أن ما توخاه من تقرير جزاء على التخلف عن توريد الضريبة، إنما يعد بالامتناع عن توريدها وليس بمجرد التأخر فى أدائها، وأن من المقرر أن القوانين الضريبية وكذلك تلك التى تفرض فى نطاقها جزاءً إدارياً، إنما يتعين تفسيرها تفسيراً ضيقاً، فلا يقاس عليها، ولا يلحق بها حكم غير متعلق بها. وليس متصوراً أن يكون الامتناع عن توريد الضريبة المقررة، مساوياً فى الأثر لمجرد التأخر فى إيفائها، ولا يكون الجزاء على هذا التأخير – ولو كان يوماً واحداً – مستوجباً أداء مثل قيمتها.
ثانيهما: أن الأصل فى النظام الضريبي، أن يكون قائماً على العدالة الاجتماعية، فلا تعتبر جباية الأموال فى ذاتها هدفاً يحميه الدستور. وينبغى دوما أن يكون كل جزاء متناسباً مع الأفعال التى نهى المشرع عنها. كذلك فإن مؤدى مبدأ مساواة المواطنين فى الأعباء والتكاليف العامة، ألا يعامل الممتنعون عن توريد الضريبة وفق الأسس ذاتها التى يعامل بها المتراخون فى توريدها. وقد تحمل بالجزاء المطعون عليه، الملتزمون بتوريد الضريبة المنصوص عليها بالبنود التى أضافها القانون رقم 5 لسنة 1986 إلى القانون رقم 147 لسنة 1984 المشار إليهما، دون البنود السابقة عليها جميعها. وإذ كان هذا التمييز تحكمياً، ومنطوياً على توقيع عقوبة بغير حكم قضائي، ومناقضاً مبدأ خضوع الدولة للقانون، فإن تقرير هذا الجزاء، يكون مخالفاً أحكام المواد 4 و38 و40 و65 و66 من الدستور.
وحيث إن البين من البند 15 من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 معدلاً بالقانون رقم 5 لسنة 1986 المشار إليهما، أنه حدد مقدار الرسم المستحق على الحفلات والخدمات الترفيهية التى تقام فى الفنادق والمحلات العامة السياحية، مراعياً أن يكون هذا الرسم منسوباً إلى المبالغ التى تم دفعها إلى الجهات التى تقدم هذه الخدمة، وبواقع 20% على الـ 15000 جنيه الأولى و30% على الـ 15000 جنيه الثانية، 40% على ما زاد على ذلك، على أن تقوم هذه الجهات بتوريده إلى مصلحة الضرائب، وإلا تم تحصيله منها بطريق الحجز الإدارى مع إلزامها “بمثل المبالغ المقررة”.
حيث إن المشرع مايز بذلك بين الملتزمين أصلاً بأداء هذا الرسم، وبين المسئولين عن توريده، ذلك أن لكل التزام بالضريبة – ويأخذ الرسم حكمها – طرفين أحدهما هو الدائن بمبلغها ممثلاً فى الشخص العام الذى قام بفرضها، وثانيهما هو المدين بها سواء أكان شخصاً طبيعياً أم معنوياً.
وقد يكون هذا المدين ملتزماً أصلياً بمبلغها، أو مسئولاً عنها.
ويعتبر ملتزماً أصلاً بالضريبة من تتوافر بالنسبة إليه الواقعة التى أنشأتها، والتى يتمثل عنصراها فى المال المحمل بعبئها والمتخذ وعاء لها، ثم وجود علاقة بين هذا المال وشخص معين، ليكون اجتماعهما معاً مُظهراً للالتزام بالضريبة من خلال تحديد المشرع لظروفها الموضوعية والشخصية. ولا يكون الشخص مسئولاً عن الضريبة، إلا إذا كان وفاؤه بها تابعاً للالتزام الأصلى بأدائها، ليبقى بوجوده ويزول بانقضائه. وشرط ذلك أن تكون علاقة المسئول عن الضريبة فى شأن المال المتخذ وعاءً لها – وهو العنصر الموضوعى فى الواقعة التى أنشأتها. منتفية.
وحيث إنه إذ كان ما تقدم، وكان الرسم المقرر بمقتضى البند 15 من القانون رقم 147 لسنة 1984 فى شأن الحفلات والخدمات الترفيهية بالفنادق، واقعاً أصلاً على من يقيمونها فيها، ومتعلقاً بالمبالغ التى يدفعونها إلى الفندق مقابلاً لها، ومحدداً فى شكل نسبة مئوية منها، فإن دين الضريبة يكون مترتباً فى ذمتهم ابتداء، بوصفهم ملتزمين أصلاً بدفعها. ولئن كان المشرع قد أقام إلى جانبهم – ومعهم – من يكونون مسئولين عن توريد مبلغها إلى الخزانة العامة، وبأداء مثل مبلغها إذا نكلوا عن واجبهم هذا، فذلك ضماناً لتحصيل الضريبة، وتوقياً للتحايل عليها والتخلص منها، وتأميناً لانتظام جبايتها وسرعتها والتقليل من تكلفتها.
وفى إطار هذه الرابطة وحدها، تتحدد علاقة المدعية بالخدمة الفندقية التى قدمتها، وعلى ضوئها يتم الفصل فى المطاعن الدستورية التى أثارتها.
وحيث إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن الضريبة فريضة مالية تقتضيها الدولة جبراً من المكلفين بأدائها إسهاماً من جهتهم فى أعبائها وتكاليفها العامة. وهم يدفعونها لها بصفة نهائية، ودون أن يعود عليهم نفع خاص من وراء التحمل بها، فلا تقابلها خدمة محددة بذاتها، يكون الشخص العام قد بذلها من أجلهم، وعاد عليهم مردودها. ومن ثم كان فرضها مرتبطاً بمقدرتهم التكليفية، ولا شأن لها بما آل إليهم من فائدة بمناسبتها، وإلا كان ذلك خلطاً بينها وبين الرسم، إذ يستحق مقابلاً لنشاط خاص أتاه الشخص العام – وعوضاً عن تكلفته – وإن الرسم، إذ يستحق مقابلاً لنشاط خاص أتاه الشخص العام – وعوضاً عن تكلفته – وإن لم يكن بمقدارها. متى كان ذلك، وكان الرسم المقرر عن الحفلات والخدمات الترفيهية التى تقدمها الفنادق والمحلات العامة السياحية، منفصلاً عن كل نشاط خاص تكون الدولة قد بذلته لمن يقيمونها أو يعدونها، فإنه ينحل إلى ضريبة من الناحية القانونية، وهى بعد ضريبة لا يقتصر نطاق تطبيقها على رقعة إقليمية معينة تمتد إليها دون سواها، ويتحدد المخاطبون بها فى إطار هذه الدائرة وحدها، بل يعتبر تحقق الواقعة المنشئة لها على امتداد النطاق الإقليمى للدولة – وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية – مرتباً لدينها فى ذمة الممول، مما مؤداه تكافؤ الممولين فى الخضوع لها دون تمييز، وسريانها بالتالى – وبالقوة ذاتها – كلما توافر مناطها فى أية جهة داخل الحدود الإقليمية للدولة، وهو ما يعنى أنها ضريبة عامة يقوم التماثل فيها بين الممولين بصددها، على وحدة تطبيقها من الناحية الجغرافية، وليس بالنظر إلى مقدار الضريبة التى يؤدونها، ذلك أن التعادل بينهم فى نطاقها ليس فعلياً intrinsic جغرافياً.
وحيث إن اختيار المشرع للمال محل الضريبة، وإن كان مما يخضع لسلطته التقديرية؛ وكان من المقرر كذلك أن دستورية الضريبة لا ينال منها أن تكون حصيلتها متناهية فى ضآلتها negligible، أو أن يكون هدفها الحصول أصلاً من المكلفين بها على مبلغها مع تنظيم نشاطهم عرضاً بما يجعل الاستمرار فيه مرهقاً onerons؛ وكانت الضريبة التى فرضها النص المطعون فيه، ونسبها إلى قيمة المبالغ التى تؤدى عن الحفلات التى تقام فى الفنادق، تتغيا أصلاً تمويل الخزانة العامة لمواجهة النقص فى مواردها، مع تنظيم نشاط المكلفين بأدائها عرضاً باعتباره استهلاكاً ترفياً ينبغى الحد منه، فإن الملتزمين أصلاً بأدائها، لا يتحملون بسببها عبئاً مخالفاً للدستور.
وحيث إن السلطة التشريعية هى التى تقبض بيدها على زمام الضريبة العامة، إذ تتولى بنفسها تنظيم أوضاعها بقانون يصدر عنها، متضمناً تحديد وعائها، وأسس تقديره، وبيان مبلغها، والملتزمين أصلاً بأدائها، والمسئولين عنها وقواعد ربطها وتحصيلها، وتوريدها، وكيفية أدائها، وضوابط تقادمها، وما يجوز أن يتناولها من الطعون اعتراضاً عليها، ونظم خصم بعض المبالغ أو إضافتها لحسابها، وغير ذلك مما يتصل ببنيان هذه الضريبة – عدا الإعفاء منها – إذ يجوز أن يتقرر فى الأحوال التى يبينها القانون. وإلى هذه العناصر جميعها يمتد النظام الضريبى فى جمهورية مصر العربية، ليحيط بها فى إطار من قواعد القانون العام، متخذاً من العدالة الاجتماعية – وعلى ما تنص عليه المادة 38 من الدستور – مضموناً وإطاراً وهو ما يعنى بالضرورة، أن حق الدولة فى اقتضاء الضريبة لتنمية مواردها، ولإجراء ما يتصل بها من آثار عرضية، ينبغى أن يقابل بحق الملتزمين أصلاً بها، والمسئولين عنها، فى تحصيلها وفق أسس موضوعية يكون إنصافها نافياً لتحيفها، وحيدتها ضماناً لاعتدالها.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن قانون الضريبة العامة، وإن توخى حماية المصلحة الضريبية للدولة باعتبار أن الحصول على إيرادها هدفاً مقصوداً منه ابتداء، إلا أن مصلحتها هذه ينبغى موازنتها بالعدالة الاجتماعية بوصفها مفهوماً وإطاراً مقيداً لنصوص هذا القانون، فلا يكون دين الضريبة – سواء بالنسبة إلى من يلتزمون أصلاً بها، أو يكونون مسئولين عنها – متمحضاً عقاباً بما يخرجها عن بواعثها الأصلية والعرضية، ويفقدها مقوماتها بالتالى لتنحل عدماً.
ولا يجوز أن تعمد الدولة كذلك – استيفاء لمصلحتها فى اقتضاء دين الضريبة – إلى تقرير جزاء على الإخلال بها، يكون مجاوزاً – بمداه أو تعدده – الحدود المنطقية التى يقتضيها صون مصلحتها الضريبية، وإلا كان هذا الجزاء غلواً وإفراطاً، منافياً بصورة ظاهرة لضوابط الاعتدال، واقعاً عملاً – بالضرورة – وراء نطاق العدالة الاجتماعية، ليختل مضمونها بها ينافى القيود التى فرضها الدستور فى مجال النظام الضريبي. وهو مانحاً إليه المجلس الدستورى الفرنسى بما قرره من أن القانون المالى إذ فرض بنص المادة 92 – على من يذيعون حقائق الدخل الخاص بأحد الأشخاص – من خلال إفشائهم لسريتها بالمخالفة لأحكامها – غرامة مالية يتعين دوماً توقيعها، وتعادل فى مبلغها مقدار هذا الدخل، إنما يفقدها فى عديد من الأحوال – وبصورة صارخة – تناسبها مع الأفعال التى ارتكبوها – ويتعين لهذا الاعتبار وحده – ودون ما ضرورة للخوض فى غيره من مناحى الطعن على تلك المادة – تقرير عدم دستوريتها.

16- Considèrant qu’en prescrivant que L’amende fiscale encourue en cas de divulgation du montant du revenue d’une personne en violation des dispositions de L’article L.lll du Livre de procèdutes sera, en toute hypothese, ègale au mintant des revenues divulgès, l’ article 92 de la loi de finances pour 1988 èdicte une sanction qui pourrait, dans nombre de cas, revtir un caractère manifestement disproportionnè,
17- Considèrant que, sans mème qu’ il soit besoin d’ examiner les autres moyens ivoquès par les dèputès auteures de la saisine, l’articte 92 doit, en tout ètat de cause, ètre declarè contraire à la Constitution (87 – 237 DC, 30 dècembre 1987. 16 et 17, Rec. p. 63)

وحيث إن الدستور قرن العدل بكثير من النصوص التى تضمنها، ليكون قيداً على السلطة التشريعية فى المسائل التى تناولتها هذه النصوص. فالنظام الاقتصادى لجمهورية مصر العربية لا يقوم إلا على الكفاية والعدل. ويتعين أن ينظم هذا الاقتصاد وفقاً لخطة تنمية شاملة تكفل زيادة الدخل القومي، وعدالة التوزيع. ويؤسس النظام الضريبى على العدالة الاجتماعية ( مادة 38 ) متطلباً – حال وقوع اعتداء على الحرية الشخصية أو على حرمة الحياة الخاصة – أن تقدم الدولة تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه العدوان (مادة 57). كذلك فإن التعويض عن نزع الملكية – سواء من خلال التأميم أو غيره – ينبغى أن يكون قائماً على العدل. ومن خلال مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، وبوجه خاص فى مجال أعبائهم وتكاليفهم العامة، تظهر فكر العادلة فى واحدة من أهم تطبيقاتها.
وحيث إن الدستور، وإن قد خلا من تحديد لمعنى العدالة فى النصوص السابقة، إلا أن المقصود بها ينبغى أن يتمثل فيما يكون حقاً وواجباً سواء فى علائق الأفراد فيما بينهم، أو فى نطاق صلاتهم بمجتمعهم، وإن تعين دوماً تحديدها من منظور اجتماعي، ذلك أن العدالة تتوخى – بمضمونها – التعبير عن القيم الاجتماعية السائدة فى مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة. ومن الناحية الفلسفية، فإن مفهومها قد يكون مطلقاً، ولكنها عملاً – ومن زاوية نتائجها الواقعية – لا تعنى شيئاً ثابتاً باطراد، بل تتباين معانيها، وتتموج توجهاتها، تبعاً لمعايير الضمير الاجتماعى ومستوياتها Levels of social consciousness ولئن جاز القول بأن النصوص القانونية تعمل لضمانها، إلا أنها تناقض أحياناً – بأحكامها، ومن خلال تطبيقاتها – حقيقة محتواها، وقد تنال من أغراضها النهائية التى تحيل بوجه عام إلى رضاء الجماعة وهناء معيشتها وسعادة أفرادها. وقد يثور التعارض كذلك بين حقائق العدالة الاجتماعية social justice وبين مفهوم الدولة أو الفرد لقيمها، ليكون لكل منهما تصور ذاتى فى شأن متطلباتها.
ويتعين بالتالى أن توازن علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، بأوضاع مجتمعهم والمصالح التى يتوخاها من أجل التوصل إلى وسائل عملية تكفل إسهام أكبر عدد من بينهم لضمان أكثر المصالح والقيم الاجتماعية تعبيراً عن النبض الجماعى لإرادتهم، ليكون القانون طريقاً لتوجههم الجمعي. ذلك أن النصوص القانونية لا تتقرر لذاتها، بل بوصفها تعبيراً عن تلك الخبرة الاجتماعية social experience التى قام الدليل على تراكمها، وإن كان ممكناً أن يكون لبعض الأشخاص أو لوقائع بذواتها أثر فى تشكيل مضامينها.
وإذا كان القانون – من زاوية مثالية – أداة التوازن داخل الجماعة الواحدة بين خبراتها السابقة past experience وبين تطلعاتها وتوقعاتها مستقبلاً future expectations ليكون كافلاً توافق أفرادها على القبول بالنصوص التى يتضمنها، وكان القانون بذلك ليس إلا تطوراً منطقياً مقبولاً بوجه عام، لضمان أن يكون النزول عليه إدارياً قائماً على التعاون فى مجال تنفيذه، إلا أن من المتعذر القول بأن القانون يعد دوماً نتاجاً للحقيقة فى صورها المطلقة، أو تعبيراً عن تصوراتها المجردة، وإنما يبلور القانون تلك القيم التى أنتجتها الخبرة الاجتماعية، وكلما كان القانون أكثر اقتراباً منها، كلما كان أفضل ضمان لإرساء المفهوم التطبيقى للعدالة، سواء فيما بين الأفراد بعضهم البعض، أو على صعيد مجتمعاتهم.
وبقدر اتساع الفجوة بين هذا المفهوم، وعملية صناعة القانون، بقدر ما يكون القانون قاصراً عن إنفاذ حقائق العدل الاجتماعي، فلا يقدم حلاً ملائماً لتصادم المصالح فيما بين الأفراد ومجتمعهم، مبتعداً بذلك عما يكون لازماً إنصافاً.
وحيث إن من المقرر كذلك، أن العدالة إما أن تكون توزيعية Distributive justice من خلال العملية التشريعيه ذاتها، وإما أن تكون تقويمية Corrective ترتد إلى الحلول القضائية التى لا شأن لها بتخصيص المشرع لتلك المزايا الاجتماعية التى يقوم بتوزيعها فما بين الأفراد بعضهم البعض، بل قوامها تلك الترضية التى تقدمها السلطة القضائية إلى المضرورين، لترد عنهم عدواناً قائماً أو محتملاً، ولضمان مساواة المواطنين سواء فى مباشرة حرياتهم، أو على صعيد الحقوق التى يتمتعون بها.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن العدالة – فى غاياتها – لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها Justice as an end and law as means are inextricably bound together فلا يكون القانون منصفاً إلا إذا كان كافلاً لأهدافها. فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصلية التى تحتضنها، كان منهياً للتوافق فى مجال تنفيذه، ومسقطاً كل قيمة لوجوده، ومستوجباً تغييره أو إلغاءه.
وحيث إن فكرة الجزاء – جنائياً كان أم تأديبياً أم مدنياً – تعنى أن خطأ معيناً لا يجوز تجاوزه.
ويتحدد ذلك فى المجال الجنائى من خلال النصوص العقابية التى يكون تحديدها للأفعال التى أدخلها المشرع فى مجال التجريم، جلياً قاطعاً، بما مؤداه أن تعريفاً قانونياً بالجريمة محدداً لعناصرها، يكون لازماً Nullum Crimen Sine lege، فلا يجوز القياس عليها لإلحاق غيرها لها، باعتبار أن الشرعية الجنائية مناطها تلك الأفعال التى أثمها المشرع – من منظور اجتماعى – فلا تمتد نواهيه لغيرها، ولو كان إتيانها يثير اضطراباً عاماً، أو كان مضمونها فجاً عابثاً.
ومن ثم تكون هذه الشرعية – وبالنظر إلى القيود الخطيرة التى تفرضها النصوص العقابية على الحرية الشخصية – مقيدة لتفسير هذه النصوص، ومحددة كذلك مجال إعمالها بما لا يلبسها بغيرها، وعلى تقدير أن النصوص العقابية لا يجوز أن تكون شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها؛ ولأن العقوبة التى تقارن هذه النصوص، لا تعتبر نتيجة لازمة للجريمة التى تتصل بها، بل جزءاً منها يتكامل معها ويتممها.
كذلك فإن الجزاء – إذا كان تأديبياً – كان واقعاً فى إطار رابطة العمل، ومترتباً عللا الإخلال بواجباتها.
وينظم القانون المدنى علائق الأفراد فيما بينهم، وإن تناولها من زاوية أحوالهم
الشخصية، أو فى نطاق معاملتهم المالية، وما يتصل بها من الحقوق العينية والشخصية التى يكون مصدرها تصرفاً قانونياً، أو واقعة قانونية تنشئها أو تكسبها أو تقضيها.
وكلما كان الجزاء متصلاً بإعطاء شيء أو بأداء عمل أو بالامتناع عن عمل معين، وكان المدين مسؤولا شخصيا عن الوفاء بأيهما – سواء بناء على عقد أو إعمالا لنص فى القانون، نشأ الجزاء مترتباً على خطأ أتاه المدين، ولو كان مبناه مجرد الفعل دون عمد أو إهمال.
وحيث إن شرعية الجزاء – جنائياً كان أم تأديبياً أم مدنياً – لا يمكن ضمانها إلا إذا كان متناسباً مع الأفعال التى أثمها المشرع أو منعها.
(1) ففى المجال الجنائي، الأصل فى الجريمة أن عقوبتها لا يتحمل بها، إلا من أدين بارتكابها باعتباره مسئولاً عنها. وهى بعد عقوبة يجب أن تتوازن “وطأتها” مع طبيعة الجريمة موضوعها، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله، وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها، ولا ينال عقابها إلا من قارفها، وأن “شخصية العقوبة” وتناسبها مع الجريمة محلها، مرتبطتان بالشروط التى يعد بها الشخص قانوناً “مسئولاً عن ارتكابها”. وهو ما يعنى أن الأصل فى العقوبة هو معقوليتها، فلا يكون التدخل فيها إلا بقدر، نأياً بها عن أن تكون إيلاماً غير مبرر، يؤكد قسوتها فى غير ضرورة Unnecessary Cruelty and pain ذلك أن القانون الجنائي، وإن اتفق مع غيره من القوانين فى تنظيم بعض العلائق التى يرتبط بها الأفراد فيما بين بعضهم البعض، أو من خلال مجتمعهم بقصد ضبطها، إلا أن القانون الجنائى يفارقها فى اتخاذه العقوبة لتقويم ما يصدر عنهم من أفعال نهاهم عن ارتكابها. وهو بذلك يتغيا أن يحدد – ومن منظور اجتماعى – ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مبرراً إلا إذا كان مفيداً من وجهة اجتماعية، فإن كان مجاوزاً تلك الحدود التى لا يكون معها ضرورياً، غدا مخالفاً للدستور، ولا يتصور بالتالى أن يكون الجزاء الجنائى منصرفاً إلى تقرير عقوبة تدل – بمضمونها أو مداها أو طرائق تنفيذها – على منافاتها للقيم التى ارتضتها الأمم المتحضرة، والتى تؤكد بمضمونها رقى حسها، وتكون علامة على نضجها على طريق تطورها.
وفى هذا الإطار لا يجوز أن يكون الجزاء الجنائى بغيضاً Obnoxious أو عاتياً. وهو يكون كذلك إذا كان بربرياً Barbarous أو تعذيبياً Torturous، أو قمعياً، أو متصلاً بأفعال لا يجوز تجريمها، وكذلك إذا كان مجافياً – بصورة ظاهرة – للحدود التى يكون معها متناسباً مع الأفعال التى أثمها المشرع، بما يصادم الوعى أو التقدير الخلقى لأوساط الناس فى شأن ما ينبغى أن يكون حقاً وعدلاً على ضوء مختلف الظروف ذات الصلة، ليتمحض الجزاء عندئذ عن إهدار للمعايير التى التزمتها الأمم المتحضرة فى معاملتها للإنسان. ولقد كان هذا الاعتبار ملحوظاً حتى فى الوثائق القديمة لإعلان الحقوق، فالقاعدة التى تضمنتها “الماجنا كارتا” Magna Carta (1215) فى هذا الشأن حاصلها أن الرجل الحر لا تفرض عليه من أجل الجرائم التافهة. إلا غرامة تناسبها. فإذا كان ما أتاه يعد من الجرائم الخطيرة تعين أن تناسبها عقوبتها، ولكن لا يجوز أن تصل قسوتها إلى حد الحرمان من سبل الحياة.
(2) ويقوم القانون المدنى على اجتماع المديونية والمسئولية فى كل التزام يكون مدنياً – لا طبيعياً – ليحمل المدين على الوفاء به جبراً، إذا قصر فى ذلك اختياراً. والأصل أن ينفذ الالتزام عيناً، فإذا صار ذلك مستحيلاً بخطأ المدين، آل الأمر إلى التنفيذ بطريق التعويض، جزاء على عدم تنفيذ الالتزام – أياً كان مصدره – أو التأخر فيه، وسواء أكان هذا التعويض مقدراً تقديراً قضائياً أم اتفاقياً أم قانونياً.
ويكون تقدير التعويض عملاً قضائياً، إذا لم يكن محدداً فى العقد أو بنص القانون. وهو لا يكون إلا عن ضرر مباشر نشأن عن خطأ المدين، وبقدر هذا الضرر.
وقد يعمد المتعاقدان إلى أن يحددا مقدماً قيمة التعويض سواء بالنص عليها فى العقد أو فى اتفاق لاحق، ليكون التعويض عندئذ مقدراً اتفاقاً. بيد أن نفاذ هذا الاتفاق مقيد بأمرين، أولهما أن ما اشتمل عليه من تعويض لا يكون مستحقاً إذا أقام المدين الدليل على أن ضرراً لم يلحق الدائن. ثانيهما أن وقوع الضرر لا يحول بين القاضى وخفض مقدار التعويض المتفق عليه، إذا كان مبالغاً فيه بدرجة كبيرة، أو كان الالتزام الأصلى قد نفذ فى جزء منه.
فإذا لم يكن التعويض قضائياً أو اتفاقياً، وكان المشرع قد تكفل – من خلال النصوص التشريعية – بتحديد مقداره تحديداً جامداً لا يتغير – ولو كان الضرر متفاوتاً – مثل ما فعل فى الفوائد القانونية التى حدد مقدارها وشروط استحقاقها، كان التعويض قانونياً، بما مؤداه أنه فيما خلا الأحوال التى يكون التعويض فيها مقرراً بناء على تدخل من المشرع، فإن الأصل فى التعويض أن يكون مقداره متكافئاً مع الضرر، جابراً لمداه دون زيادة أو نقصان، وهو ما يعنى تناسباً بينهما لا يجوز أن يختل.
(3) ولا تفارق الجريمة التأديبية – فى جزائها – ما ينبغى أن يكون تقديراً موضوعياً للجزاء فى صوريته الجنائية والمدنية. فالقوانين الجنائية وإن كان قوامها حصر الجرائم من خلال تحديد أركانها ونوع العقوبة المقررة لكل منها ومقدارها، إلا أن الجرائم التأديبية لا يتصور ربطها بأفعال محددة بذواتها، ذلك أن مناطها بوجه عام الإخلال بواجبات الوظيفة أو الخروج على مقتضياتها، ليكون هذا الإخلال سلوكاً معيباً، وذنباً إدارياً ينعكس أثره على كرامة الوظيفة أو استقامتها أو يمس اعتبار شاغلها. وإعمال الإدارة لسلطتها التأديبية بتقديرها جزاء معيناً لفعل محدد، يمنعها من إيقاع جزاء ثان على الواقعة ذاتها. ويتعين دوماً أن يكون تقدير الجهة الإدارية لجزاءاتها متوازناً، قائماً على أسبابها بكل أشطارها، مبرراً بما يعد حقاً وعدلاً، فلا يكون شططها حائلاً دون أداء العاملين لواجباتهم، ولا لينها أو هونها مؤدياً إلى استهانتهم بها، بل يكون مجرداً من الميل، دائراً حول الملاءمة الظاهرة بين خطورة الفعل المعتبر ذنباً إدارياً، وبين نوع الجزاء ومقداره، وإلا كان تقديرها انحرافاً بالسلطة التأديبية عن أهدافها. وعلى ضوء هذه المبادئ ذاتها، تتحدد دستورية النصوص القانونية التى يسنها المشرع فى المجال التأديبي.
وحيث إن المسئولين عن دين ضريبة التنمية التى فرضها المشرع على الحفلات التى تقام فى الفنادق، يلتزمون – وعملاً بالفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 المعدل بالقانون رقم 5 لسنة 1986 المشار إليهما – بأداء مثل مبلغها عند تخلفهم عن توريدها؛ وكان ما توخاه المشرع من تقرير هذا الجزاء – منظوراً فى ذلك إلى مداه – هو الحمل على إيفائها مباشرة إلى الخزانة العامة لضمان تحصيلها، والتقليل من تكلفة جبايتها، فلا يتخلى عن توريدها، المسئولون عن دينها، وإلا كان ردعهم لازماً؛ فإن معنى العقوبة يكون ماثلاً فى ذلك الجزاء – وإن لم يكن عقاباً بحتاً – وهو ما يظهر بوضوح من خلال وحدة مقداره. ذلك أن المتخلفين عن توريد الضريبة، يلتزمون بمثل مبلغها “فى كل الأحوال” سواء أكان الإخلال بتوريدها ناشئاً عن عمد، أو اهمال، أو عن فعل غير مقترن بأيهما، متصلاً بالغش أو التحايل أو مجرداً منهما واقعاً مرة واحدة أو متعدداً، وسواء كان التأخير فى توريد هذه الضريبة ممتداً زمناً، أو مقصوراً على يوم واحد. إذ يتعين دوماً أداء مثل مبلغها بالكامل in full measure، ولو كان النكول عن توريدها ناشئاً عن ظروف مفاجئة، ومجرداً من سوء القصد. وكان ينبغى على المشرع أن يفرق فى هذا الجزاء، بين من يتعمدون اقتناص مبلغ الضريبة لحسابهم، ومن يقصرون فى توريدها، وأن يكون الجزاء على هذا التقصير متناسباً مع المدة التى امتد إليها.
وحيث إن المشرع – وعملاً بالمادة الثالثة من القانون رقم 5 لسنة 1986 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984 المشار إليه – قد ضم إلى هذا الجزاء، جزاءين آخرين هما الغرامة والتعويض المنصوص عليهما فى المادتين 187 (ثالثاً) و190 من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981، للتعامد هذه الجزاءات جميعها على سبب واحد، ممثلاً فى مخالفة حكم المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 آنف البيان؛ وكان مبدأ خضوع الدولة للقانون – محدداً على ضوء مفهوم ديمقراطى – يعنى أن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها، وتتقيد هى بها إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدول الديمقراطية باضطراد فى مجتمعاتها، واستقر العمل باضطراد على انتهاجها فى مظاهر سلوكها على تباينها، لضمان ألا تنزل الدولة القانونية بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديموقراطية، ويندرج تحتها، ألا يكون الجزاء على أفعالهم – جنائياً كان، أم مدنياً، أم تأديبياً، أم مالياً – إفراطاً، بل متناسباً معها the principle of proportionality ومتدرجاً بقدر خطورتها ووطأتها على الصالح العام، فلا يكون هذا الجزاء إعناتاً؛ وكان تعدد صور الجزاء- مثلماً هو الحال فى الدعوى الراهنة – وانصبابها جميعها على مال المدين – مع وحدة سببها – يعتبر توقيعاً لأكثر من جزاء على فعل واحد، منافياً لضوابط العدالة الاجتماعية التى يقوم عليها النظام الضريبى فى الدولة، ومنتقصاً بالتالى – ودون مقتض – من العناصر الايجابية للذمة المالية للمسؤولين عن دين الضريبة التى فرضها المشرع لتنمية موارد الدولة، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفاً أحكام المواد 34، 38، 65 من الدستور.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 147 لسنة 1984 بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة المعدل بالقانون رقم 5 لسنة 1986، من أن “يستحق على الجهات المسؤولة مثل المبالغ المقررة فى حالة التخلف عن توريدها فى الموعد المحدد” وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماه.