الخط الساخن : 01118881009

جلسة 15 يونيه سنة 1996

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ محمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (48)
القضية رقم 49 لسنة 17 قضائية “دستورية”

1- دستور – جريمة “ركن مادى”
ما نص عليه الدستور من أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الافعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها، دل على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره.
2- قانون جنائى “مناط التأثيم”.
العلائق التى ينظمها هذا القانون فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه محورها الأفعال ذاتها. هى مناط التأثيم وعلته.
3- جريمة “القصد الجنائى”.
فى مجال تقدير توافر القصد الجنائى تنقب محكمة الموضوع من خلال عناصر الواقعة محل الاتهام عما قصد إليه الجانى حقيقة من وراء ارتكابها.
4- جريمة “ركناها”.
القصد الجنائى ركن معنوى فى الجريمة مكمل لركنها المادى – الإرادة الواعية هى التى تتطلبها الأمم المتحضرة فى مناهجها فى مجال التجريم بوصفها ركناً فى الجريمة. غدا أمراً ثابتاً ألا يجرم الفعل ما لم يكن إرادياً ومن ثم مقصوداً.
5- حرية شخصية – قانون جنائى “قيود على الحرية الشخصية”.
إعلاء الدستور قدر الحرية الشخصية فاعتبرها من الحقوق الطبيعية – إنفاذ القيود التى تفرضها القوانين الجنائية على الحرية الشخصية رهن بمشروعيتها الدستورية.
6- نصوص عقابية “صياغتها”.
وجوب صياغة النصوص العقابية بما يحول دون إنسيابها أو تباين الآراء حول مقاصدها أو تقرير المسئولية الجنائية فى غير مجالاتها.
7- عدالة جنائية “مقوماتها”.
عدم جواز انفصال العدالة الجنائية عن مقوماتها التى تكفل لكل منهم حداً أدنى من الحقوق – ولا أن تخل بضرورة التجريم بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
8- نصوص عقابية “صياغتها”.
الأصل فى النصوص العقابية أن تصاغ فى حدود ضيقة تعريفاً بالأفعال التى جرمها المشرع – من المتعين ألا تكون النصوص العقابية شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو لا يبصرون مواقعها.
9- عقوبة “شخصيتها وتناسبها”.
لا ينال عقاب الجريمة إلا من قارفها باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها – شخصية العقوبة وتناسبها مع الجريمة محلها مرتبطتان بمن يعد قانوناً مسئولاً عن ارتكابها.
10- دستور – عقوبة – مسئولية جنائية.
افتراض شخصية العقوبة – التى كفلها الدستور بنص المادة 66 – شخصية المسئولية الجنائية بما يؤكد تلازمهما.
11- حقوق الإنسان.
عدم جواز التضحية بحقوق الإنسان وحرياته فى غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها.
12- عقوبة “إساءة استخدامها”.
إساءة استخدام العقوبة تشويها لأهدافها يناقض القيم التى تؤمن بها الجماعة فى اتصالها بالأمم المتحضرة وتفاعلها معها.
13- حق الدفاع “ضمانة”.
ضمان حقوق المتهم قبل سلطة الاتهام ينبغى أن يكون مكفولاً من خلال وسائل إجرائية إلزامية فى مقدمتها حق الدفاع.
14- حق الدفاع – الحق فى الحصول على مشورة محام.
ضمان حق الدفاع للمتهم بما يشتمل عليه من الحق فى الحصول على مشورة محام، والحق فى دحض أدلة اثبات الجريمة ضده.
15- جزاء جنائى “مخالفة للدستور”.
الجزاء الجنائى لا يكون مبرراً إلا إذا كان مفيداً من وجهة اجتماعية – مخالفته للدستور إذا جاوز الحدود التى لا يكون معها ضروريا.
16- محاكمة منصفة – دستور.
القواعد المبدئية التى تقوم عليها المحاكمة المنصفة التى تطلبها الدستور، وإن كانت إجرائية، إلا أن تطبيقها فى نطاق الدعوى الجنائية وعلى امتداد حلقاتها يؤثر بالضرورة فى محصلتها النهائية.
17- أصل البراءة “مقوماته”.
أصل البراءة توجبه الفطرة التى جبل الإنسان عليها – يتطلبه الدستور لصون الحرية الشخصية فى مجالاتها الحيوية. عدم انفصاله عن الإنسان باتهام جنائى أياً كان وزن الأدلة التى يؤسس عليها. اعتباره أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها. وهو أصل كامن فى كل فرد سواء أكان مشتبهاً فيه أم متهماً باعتباره قاعدة جوهرية أقرته الشرائع جميعها.
18- تشريع “المادة 48 مكرراً من القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها” “تدابير تخل بالحرية الشخصية”.
التدابير التى حددها النص المشار إليه تتسم بخصائص العقوبة وانطوائها على عبئها – ومن ثم نيلها من الحرية الشخصية – ارتباطها بخطورة إجرامية افترضها المشرع ووصم شخصاً معيناً بها وليس بناء على أفعال يتوافر لها خاصية اليقين – هذه الأفعال هى وحدها التى يعتد بها الدستور باعتبارها مناط التأثيم والتى يتصور أن تكون محل تقدير محكمة الموضوع – الخطورة الإجرامية ليست كذلك، فهى لا تمثل سلوكا محددا أتاه الشخص ولا يخالطها قصد بلوغ نتيجة إجرامية بذاتها.
19- مبدأ خضوع الدولة للقانون “مؤداه”.
مؤدى هذا المبدأ ألا تخل تشريعات الدولة بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديموقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان ومنها الحقوق المتصلة بالحرية الشخصية.
20- عقوبة “سماتها”.
العقوبة ينبغى ألا تكون مهينة فى ذاتها أو كاشفة عن قسوتها أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة. أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد.
21- اتهام جنائى.
لا يجوز تعريض شخص لخطر ملاحقته باتهام جنائى أكثر من مرة عن الجريمة عينها – أو تعيد الدولة إدانته من خلال خطورة إجرامية تعتبرها جريمة فى ذاتها.
22- تشريع: المادة 48 مكرراً من القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها: “مناقضة افتراض البراءة”
ما قررته هذه المادة من تدابير فى شأن الأشخاص المحكوم عليهم أكثر من مرة فى جناية مما نص عليه القانون المشار إليه، مؤداه أن المشرع قدر بهذا النص أن ثمة خطورة تنجم عن سوابق المتهم التى أدين عنها – اعتباراً ذلك إحداثاً من المشرع لجريمة افترضها بما يناقض افتراض البراءة. إدانة شخص بناء على محض افتراض بالإيغال فى الإجرام لا يجوز.
23- تجريم.
لا يجوز وفقاً للدستور أن يتعلق التجريم بخطورة أحدثها المشرع تقوم فى بنيانها على الجرائم التى ارتكبها الشخص من قبل.
24- عقوبة “النص المشار إليه”.
لا ينبغى أن يقرر المشرع بهذا النص عقاباً أكثر من مرة على فعل واحد، ودوماً جريمة جديدة يدعى وقوعها.
25- تشريع “النص المشار إليه: مخالفته للدستور”.
تقييد النص المذكور للحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية المكفولة فى الدستور – عدم التزامه ضوابط المحاكمة المنصفة ومن بينها افتراض البراءة – إيقاع هذه التدابير المقررة بموجبه والتى تتوافر لها خصائص الجزاء يمتد زمناً يؤكد قسوتها. المشمولين بتلك التدابير لا يملكون دفعها، قيام الدليل على سبق الحكم عليهم واتهامهم جدياً أكثر من مرة – تجريدهم من ثم من وسائل الدفاع التى كفلها الدستور. مخالفة النص المشار إليه للدستور.
1، 2، 3- إن الدستور بما نص عليه فى المادة 66 من أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور الحكم بنص عليها، قد دل على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره، يتمثل أساساً فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى، مفصحاً بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائى ابتداء فى زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً، ذلك أن العلائق التى ينظمها هذا القانون فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، فى علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هى مناط التأثيم وعلته، وهى التى يتصور إثباتها ونفيها، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهى التى تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها. بل إنه فى مجال تقدير توافر القصد الجنائى، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها، منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجانى حقيقة من وراء ارتكابها. ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً ومادياً عن إرادة واعية. ولا يتصور بالتالى وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التى أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مؤداه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية – وليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعماق ذاته – تعتبر واقعة فى منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً فى صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
4- إن من المقرر أن الأصل فى الجرائم، أنها تعكس تكويناً مركباً باعتبار أن قوامها تزامناً بين يد اتصل الإثم بعملها[An evil-doing hand]، وعقل واع خالطها [An evil meaning mind] ليهيمن عليها محدداً خطاها، متوجهاً إلى النتيجة المترتبة على نشاطها، ليكون القصد الجنائى ركناً معنوياً فى الجريمة [Mens Real] مكملاً لركنها المادى [Actus Reus]، ومتلائماً مع الشخصية الفردية فى ملامحها وتوجهاتها. وهذه الإرادة الواعية هى التى تتطلبها الأمم المتحضرة فى مناهجها فى مجال التجريم بوصفها ركناً فى الجريمة، وأصلاً ثابتاً كامناً فى طبيعتها، وليس أمرا فجاً دخيلاً مقحماً عليها أو غريباً عن خصائصها. ذلك أن حرية الإرادة تعنى حرية الاختيار بين الخير والشر. ولكل وجهة هو موليها، لتنحل الجريمة – فى معناها الحق – إلى علاقة ما بين العقوبة التى تفرضها الدولة بتشريعاتها، والإرادة التى تعتمل فيها تلك النزعة الإجرامية التى يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها، بديلاً عن الانتقام والثأر المحض من صاحبها. وغداً أمراً ثابتاً – وكأصل عام – ألا يجرم الفعل ما لم يكن إرادياً قائماً على الاختيار الحر، ومن ثم مقصوداً. ولئن جاز القول بأن تحديد مضمون تلك الإرادة وقوفاً على ماهيتها، لا زال أمراً عسراً، إلا أن معناها – وبوصفها ركناً معنوياً فى الجريمة – يدور بوجه عام حول النوايا الإجرامية أو الجانحة felonious intent أو النوازع الشريرة المدبرة malice aforethought أو تلك التى يكون الخداع قوامها fraudulent intent أو التى تتمحض عن علم بالتأثيم، مقترناً بقصد اقتحام حدوده guilty knowledge، لتدل جميعها على إرادة إتيان فعل بغياً.
5، 6- إن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة فى النفس البشرية، الغائرة فى أعماقها، والتى لا يمكن فصلها عنها، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها، وبما لا إخلال فيه بالحق فى تنظيمها، وبمراعاة أن القوانين الجنائية قد تفرض على هذه الحرية – بطريق مباشر أو غير مباشر – أخطر القيود وأبلغها أثراً. ويتعين بالتالى أن يكون إنفاذ القيود التى تفرضها القوانين الجنائية على الحرية الشخصية، رهناً بمشروعيتها الدستورية. ويندرج تحت ذلك، أن تكون محددة بصورة يقينية لا التباس فيها. ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها كى يدفعوا عن حقهم فى الحياة، وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التى تعكسها العقوبة. ومن ثم كان أمراً مقضياً، أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها أو تباين الأراء حول مقاصدها، أو تقرير المسئولية الجنائية فى غير مجالاتها عدواناً على الحرية الشخصية التى كفلها الدستور.
7- إن العدالة الجنائية فى جوهر ملامحها، هى التى يتعين ضمانها من خلال قواعد محددة تحديداً دقيقاً، ومنصفاً، يتقرر على ضوئها ما إذا كان المتهم مداناً أو بريئاً، ويفترض ذلك توازناً بين مصلحة الجماعة فى استقرار أمنها، ومصلحة المتهم فى ألا تفرض عليه عقوبة ليس لها من صلة بفعل أتاه، أو تفتقر هذه الصلة إلى الدليل عليها. ولا يجوز بالتالى أن تنفصل العدالة الجنائية عن مقوماتها التى تكفل لكل متهم حداً أدنى من الحقوق التى لا يجوز النزول عنها أو التفريط فيها، ولا أن تخل بضرورة أن يظل التجريم مرتبطاً بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
8، 9، 10- الأصل فى النصوص العقابية، أن تصاغ فى حدود ضيقة narrowly tailored تعريفاً بالأفعال التى جرمها المشرع، وتحديداً لماهيتها، لضمان ألا يكون التجهيل بها موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين، كتلك التى تتعلق بحرية عرض الآراء وضمان تدفقها من مصادرها المختلفة، وكذلك بالحق فى تكامل الشخصية، وأن يؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع. ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة، وتقرير أحوال فرضها، مما يدخل فى إطار تنظيم الحقوق، ويندرج تحت السلطة التقديرية للمشرع، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور. ولازمها ألا تكون النصوص العقابية شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها، أو بخفائها، من يقعون تحتها، أو لا يبصرون مواقعها. كذلك فإن الأصل فى الجريمة، أو عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها. وهى بعد عقوبة يجب أن تتوازن “وطأتها” مع طبيعة الجريمة موضوعها. بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله؛ وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها؛ ولا ينال عقابها إلا من قارفها؛ وأن شخصية العقوبة”، “وتناسبها مع الجريمة محلها “مرتبطتان بمن يعد قانوناً” مسئولاً عن ارتكابها”. ومن ثم يفترض شخصية العقوبة – التى كفلها الدستور بنص المادة 66 – شخصية المسئولية الجنائية، وبما يؤكد تلازمهما. ذلك أن الشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة، ولا تفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها.
11، 12، 13، 14- إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها فى غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها، وأن الحرية فى أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة، وأن إساءة استخدام العقوبة تشويها لأهدافها، يناقض القيم التى تؤمن بها الجماعة فى اتصالها بالأمم المتحضرة وتفاعلها معها. ولا يكفى بالتالى أن يقرر المشرع لكل منهم حقوقاً قبل سلطة الاتهام توازنها وتردها إلى حدود منطقية، بل يتعين أن يكون ضمان هذه الحقوق مكفولا من خلال وسائل إجرائية إلزامية يملكها ويوجهها، من بينها – بل وفى مقدمتها – حق الدفاع بما يشتمل عليه من الحق فى الحصول على مشورة محام، والحق فى دحض الأدلة التى تقدمها النيابة العامة إثباتاً للجريمة التى نسبتها إليه، بما فى ذلك مواجهته لشهودها، واستدعاء لشهوده، وألا يحمل على الإدلاء بأقوال تشهد عليه – La protéction contre L’auto incrimination.
15- إن القانون الجنائى وإن اتفق مع غيره من القوانين فى تنظيمها لعلائق الأفراد سواء فيما بينهم أو من خلال روابطهم مع مجتمعهم، إلا أن القانون الجنائى يفارقها فى اتخاذه العقوبة أداة لتقويم ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً، فلا يكون الجزاء على أفعالهم مبرراً إلا إذا كان مفيداً من وجهة اجتماعية، فإن جاوز تلك الحدود التى لا يكون معها ضرورياً، غدا مخالفاً للدستور.
16، 17، 18 – الأصل فى كل اتهام أن يكون جاداً، ولا يتصور أن يكون الاتهام بالتالى عملاً نزقاً تنزلق إليه النيابة العامة بتسرعها أو تفريطها؛ وكان من البدهى أن الاتهام بالجريمة ليس قرين ثبوتها، ولا يعدل التدليل عليها؛ وكان الاتهام ولو قام على أسباب ترجح معها إدانة المتهم عن الجريمة، لا يزيد عن مجرد شبهة لم تفصل فيها محكمة الموضوع بقضاء جازم لا رجعة فيه سواء بإثباتها أو نفيها؛ وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن القواعد المبدئية التى تقوم عليها المحاكمة المنصفة التى تطلبها الدستور بنص المادة 67 – سواء عند الفصل فى كل اتهام جنائى أو فى حقوق الشخص والتزاماته المدنية – وإن كانت إجرائية فى الأصل، إلا أن تطبيقها فى نطاق الدعوى الجنائية – وعلى امتداد حلقاتها – يؤثر بالضرورة على محصلتها النهائية؛ وكان من المقرر أن أصل البراءة يندرج تحت هذه القواعد باعتباره قاعدة أولية توجبها الفطرة التى جبل الإنسان عليها، وتقتضيها الشرعية الإجرائية، ويتطلبها الدستور لصون الحرية الشخصية فى مجالاتها الحيوية، وبوصفها مفترضاً أولياً لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة، ليوفر بها لكل فرد الأمن فى مواجهة التحكم والتسلط والتحامل؛ وكان افتراض البراءة لا يقتصر على الحالة التى يوجد الشخص فيها عند ميلاده، بل يمتد إلى مراحل حياته حتى نهايتها، ليقارن الأفعال التى يأتيها، فلا ينفصل عنها باتهام جنائى أياً كان وزن الأدلة التى يؤسس عليها؛ وكان افتراض البراءة يمثل أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، وليس بنوع العقوبة المقررة لها؛ وكان هذا الأصل كامناً فى كل فرد سواء أكان مشتبهاً فيه أم متهماً باعتباره قاعدة جوهرية أقرتها الشرائع جميعها – لا لتكفل بموجبها الحماية للمذنبين – ولكن لتحقق بها أصلاً شرعياً مؤداه أن الخطأ فى العفو خير من الخطأ فى العقوبة التى يتعين درؤها عن كل فرد تكون التهمة الموجهة إليه مشكوكاً فيها “Dans le doute، on acquitte” أو مبناها أدلة لا يجوز قبولها قانوناً؛ وكان الاتهام الجنائى – وعلى ضوء ما تقدم – لا يزحزح أصل البراءة ولا ينقض محتواه، بل يظل هذا الأصل مهيمناً على الدعوى الجنائية، بل قائماً قبل تحريكها، ومنبسطاً على امتداد مراحلها وأياً كان زمن الفصل فيها؛ وكانت التدابير التى حددها النص المطعون فيه، تنال جميعها من الحرية الشخصية لاتسامها بخصائص العقوبة وانطوائها على عبئها، وانصرافها إيلاماً مقصوداً، دون أن تقابلها أفعال أثمها المشرع وحددها تحديداً دقيقاً؛ وكان اتخاذ أحد هذه التدابير بناء على اتهام متلاحق فى شأن شخص معين – ولو كان اتهاماً جدياً – مؤداه أنه صار مشتبهاً فيه – لا بناء على أفعال يتوافر لها خاصية اليقين التى تميز القوانين الجزائية – بل ارتباطاً بخطورة إجرامية افترضها المشرع ووصمه بها؛ وكانت خطورته هذه – التى استنبطها المشرع من اتهامه جدياً أكثر من مرة فى جناية مما نص عليها القانون المطعون فيه، وإن لم تفض بعد إلى جريمة بالفعل، إلا أن المشرع أقام بها صلة مبتسرة بين ماضيه وحاضره، دامجاً بينهما، مستوجباً محاسبته عن تلك الحالة التى أنشأها، وقرنها بتتابع الاتهام، لتنحل إرهاصاً بعودة الأشخاص الذين تعلق بهم مجال تطبيق النص المطعون فيه إلى الإجرام، بافتراض أنهم لا يعرفون لأقدامهم موقعها، ولا يقدرون للأمور عواقبها، وأن نزوعهم إلى الإجرام راجحاً، حال أن مصائر الناس لا يجوز أن تعلق على غير أفعالهم التى يسألون عن حسنها أو قبحها؛ وكان اتهامهم ولو كان جدياً ومتتابعاً، لا يعدو أن يكون شبهة قد لا يكون لها من ساق، ولا يجوز بالتالى أن يردهم النص المطعون فيه جميعاً إلى دائرة الخطورة الإجرامية، ويلصقها دوماً بهم، أياً كان مصير الاتهام الموجه إليهم، بل ولو قضى ببراءتهم، ليكون لغواً وافتئاتاً على الحرية الشخصية فى جوهر خصائصها، وهى بعد حرية لا يجوز تقييدها على خلاف أحكام الدستور التى لا تعتد إلا بالأفعال وحدها باعتبارها مناط التأثيم، ولأنها دون غيرها هى التى يجوز إثباتها ونفيها، وهى التى يتصور أن تكون محل تقدير محكمة الموضوع، وأن تكون عقيدتها بالبناء عليها. ولا كذلك الخطورة الإجرامية التى لا تمثل سلوكاً محدداً أتاه الشخص، ولا تخالطها إرادة واعية يعبر بها عن قصد بلوغ نتيجة إجرامية بذاتها، بل تقوم فى مبناها على افتراض تشريعى منتحل، مؤداه أن المتهمين جدياً أكثر من مرة، قد شقوا على جماعتهم عصا الطاعة، وأنهم بالغون من أمرهم ما يدنيهم من العدوان عليها، وهو افتراض يباعد بينهم وبينها، لتنغلق أمامهم فرص الاندماج فيها.
19، 20- إن من المقرر أن مبدأ خضوع الدولة للقانون – محدد على ضوء مفهوم ديموقراطى – مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديموقراطية، مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة، ويندرج تحتها طائفة الحقوق الوثيقة الصلة بالحرية الشخصية بالنظر إلى مكوناتها وخصائصها، ومن بينها ألا تكون العقوبة مهينة فى ذاتها، أو كاشفة عن قسوتها، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة، أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد Double jeopardy. وهذه القاعدة الأخيرة – التى كفلتها النظم القانونية جميعها، وصاغتها المواثيق الدولية باعتبارها مبدأ مستقراً بين الدولA universal maxim – مردها أن الجريمة الواحدة لا تزر وزرين، وأنه وإن كان الأصل أن يفرد المشرع لكل جريمة العقوبة التى تناسبها، إلا أن توقيعها فى شأن مرتكبها واستيفائها، يعنى أن القصاص قد اكتمل باقتضائها. وليس لأحد بعدئذ على فاعلها من سبيل.
21- ولا يجوز من ثم، أن يتعرض الشخص لخطر ملاحقته باتهام جنائى أكثر من مرة عن الجريمة عينها، ولا أن تعيد الدولة بكل سلطاتها ومواردها محاولتها إدانته عن جريمة تدعى ارتكابه لها – ولو من خلال خطورة إجرامية تعتبرها جريمة فى ذاتها، وتلحقها بها – لأنها إذ تفعل، فإنما تبقيه قلقاً مضطرباً، مهدداً بنزواتها، تمد إليه بأسها حين تريد، ليغدو محاطاً بألوان من المعاناة لا قبل له بها، مبدداً لموارده فى غير مقتض، متعثر الخطى، بل إن إدانته – ولو كان بريئا – تظل أكثر احتمالاً، كلما كان الاتهام الجنائى متتابعاً عن الجريمة ذاتها.
22، 23، 24- إن ما قرره النص المطعون فيه من اتخاذ أحد التدابير التى حددها فى شأن الأشخاص الذين حكم عليهم أكثر من مرة فى جناية مما نص عليه القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها – ولو لم تتعلق هذه الجناية بالمواد المخدرة، بل كانت تعدياً على رجال السلطة العامة القائمين على تنفيذ أحكام هذا القانون – مؤداه أن المشرع قدر بالنص المطعون فيه، أن ثمة خطورة تنجم عن سوابق المتهم التى تمثلها جرائم ارتكبها من قبل، وأدين عنها، واكتمل القصاص فى شأنها، وأن هذه الخطورة – التى لا تزيد عن أن تكون احتمالاً لأن ينزلق مستقبلاً فى جريمة غير معينة – ينبغى التحوط لها صوناً لمصالح الجماعة باتخاذ تدابير بعينها تنال من حريته الشخصية؛ وكانت الجريمة المحتملة التى لم يرتكبها المتهم بعد، هى التى أراد المشرع توقيها من خلال التدابير التى نص عليها؛ وكان ذلك من المشرع إحداثاً لحالة إجرامية افترضها؛ وكان لا دليل على قيام علاقة حتمية بين انغماس الشخص فى جرائم سابقة، وبين ترديه فى حمأتها والعودة إليها من جديد؛ وكان ما يناقض افتراض البراءة أن يدان الشخص – لا عن جريمة أتاها وتحدد عقوبتها بالنظر إلى جسامتها – بل بناء على محض افتراض بالإيغال فى الإجرام لا يرتد المذنبون عنه أبداً، بل هم إليه منصرفون يبغونها عوجا؛ وكان لا يجوز وفقاً للدستور، أن يتعلق التجريم بخطورة أحدثها المشرع ولو فى نفس قابلة لها، ولا يتسم باليقين تعلقها بشخص معين؛ بل تقوم فى بنيانها على أن الجرائم التى ارتكبها من قبل، هى التى تشهد بحاضره، وينبغى أن تكون محددة مستقبلاً لخطاه؛ وكان القول بأن مواجهة النزعة الإجرامية الكامنة فيمن حكم عليه أكثر من مرة، لازمها اتخاذ تدابير تتوقاها وترد سوأتها الإجرامية – مردود بأن محكمة الموضوع يكفيها أن تقدر بمناسبة الجريمة الأخيرة التى ارتكبها، جزاءها الملائم آخذة فى اعتبارها سجله الإجرامى؛ وكان لا ينبغى أن يقرر المشرع – بالنص المطعون فيه – عقاباً أكثر من مرة عن فعل واحد، بعد أن اكتمل القصاص فى شأن الجرائم السابقة جميعها، ودونما جريمة جديدة يدعى وقوعها.
25- إن النص المطعون فيه – وعلى ضوء ما تقدم – يقيد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية التى كفلها الدستور، ولا يلتزم الضوابط التى رسمها فى شأن المحاكمة المنصفة، ومن بينها افتراض البراءة كحقيقة مستعصية عن الجدل، وليس مبناه فعل أو امتناع يمثل سلوكاً مؤاخذاً عليه قانوناً؛ وكان إيقاع أحد هذه التدابير التى تتوافر لها خصائص الجزاء – وحتى بافتراض جواز تقريرها اتصالاً بالخطورة الإجرامية التى افترضها المشرع – يمتد زمناً قد يصل إلى عشر سنين بما يؤكد قسوتها، لتعطل حق المشمولين بها فى النفاذ إلى ألوان الحياة وأشكالها فى مجتمعهم مع تضييقها لفرصهم فى العمل، بما يعوق اندماجهم فى القيم التى يؤمن بها؛ وكان لا يجوز بعد اتخاذ هذه التدابير – وبفرض جوازها – الرجوع عنها أو تعديلها بما يكفل تناسبها أو استمرار ملاءمتها للأوضاع المتطورة للحالة الإجرامية التى وسمهم المشرع بها؛ وكان المشمولون بتلك التدابير، مواجهين بها لا يملكون دفعها، كلما قام الدليل على سبق الحكم عليهم أو اتهامهم جدياً أكثر من مرة، مما يجردهم من وسائل الدفاع التى كفلها الدستور فى شأن كل جزاء جنائياً كان أم تأديبياً؛ وكان من المقرر فى شأن التدابير الدفاع الاجتماعى أن غايتها بلوغ أغراض بعينها تقتضى جهداً وصبراً ممتداً، فإن العدول عنها قبل أن تكتمل أهدافها، لا يكون جائزاً ولو لم يعد المشمولون بها من الخطرين la mesure de surété poursuit un but qui demande toujours de longs et patients efforts: la disparition de l’état dangereux du délinquent ne prend fin de cette mesure que lorsque ce but est attaint.


الإجراءات

فى الثانى من أغسطس سنة 1995 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبا الحكم بعدم دستورية نص المادة 48 مكرراً من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المعدل بالقانونين رقمى 40 لسنة 1966، و122 لسنة 1989.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوى الجنائية فى القضية رقم 5154 لسنة 1993 جنح الجمرك ضد المدعى عملاً بالمادة 48 مكرراً من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989، وذلك لما ثبت بمحضر الشرطة من أنه مسجل شقى خطر سبق ضبطه فى إحدى عشرة قضية مخدرات آخرها القضية رقم 129 لسنة 1992 جنايات مخدرات الجمرك، وأن نشاطه قد اتسع فى تهريبها وتجارتها.
وبجلسة 9/ 2/ 1994 قضت محكمة جنح الجمرك غيابياً بإيداعه إحدى المؤسسات الاجتماعية لمدة سنة، فعارض فى هذا الحكم وقضى بجلسة 16/10/ 1994 باعتبار المعارضة كأن لم تكن. ثم استأنف هذا الحكم، وحكمت محكمة الإسكندرية الابتدائية بجلسة 4/ 12/ 1994 غيابياً بسقوط حق المتهم فى الاستئناف، وإذ عارض فى هذا الحكم، ودفع بجلسة 26/ 3/ 1995 بعدم دستورية المادة 48 مكرراً من القانون رقم 182 لسنة 1960، فقد صرحت له المحكمة بجلسة 25/ 6/ 1995 – بعد تقديرها لجدية دفعه – برفع الدعوى الدستورية، فأقامها وبجلسة 27/ 8/ 1995 قررت المحكمة وقف الدعوى لحين الفصل فى الطعن بعدم الدستورية.
من حيث إن المادة 48 من القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها، تنص بعد تعديلها بالقانون رقم 40 لسنة 1966، على أن:
“تحكم المحكمة الجزئية المختصة باتخاذ أحد التدابير الآتية على كل من سبق الحكم عليه أكثر من مرة، أو اتهم لأسباب جدية أكثر من مرة فى إحدى الجنايات المنصوص عليها فى هذا القانون: (1) الإيداع فى إحدى مؤسسات العمل التى تحدد بقرار من وزير الداخليه (2) تحديد الاقامة فى جهة معينة (3) منع الإقامة فى جهة معينة (4) الإعادة إلى الموطن الأصلى (5) حظر التردد على أماكن أو محال معينة (6) الحرمان ممن ممارسة مهنة أو حرفة معينة.
ولا يجوز أن تقل مدة التدبير المحكوم به عن سنة، ولا تزيد على عشر سنوات:
وفى حالة مخالفة المحكوم عليه التدبير المحكوم به، يحكم على المخالف بالحبس”.
وحيث إن المدعى ينعى على النص السابق، مخالفته أحكام المواد 41، 66، 67 من الدستور، التى تنص أولاهما على أن الحرية الشخصية حق طبيعى، وهى مصونة فلا يجوز الإخلال بها، وتقضى ثانيتهما بأن العقوبة شخصية، وثالثتهما بأن كل متهم يعد بريئاً إلى أن تثبت إدانته فى محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه.
وقال شرحاً لذلك، إن التطورات الحديثة فى مكافحة الجريمة تؤكد حقيقة أولية هى أن العقوبة لا تغنى فى مكافحتها، وأن لشخصية الإنسان قيمة عليا، فلا يجب أن يتعرض أحد لعقوبة لا يستحقها، أو تفقد تناسبها مع الجريمة التى ارتكبها. ومجرد الردع ليس كافياً لإيقاع الجزاء، والتزمت فى العقوبة أو وحشيتها لا يكفلان مكافحة ظاهرة الإجرام، بما مؤداه أن النص المطعون فيه، يقيد حقوق الإنسان وحرياته التى لا يجوز التضحية بها فى غير ضرورة، ويفرض كذلك عقوبة بلا جريمة حدد المشرع أركانها، ولا يرتبط توقعيها بالتالى بفعل أو امتناع صدر عن شخص يعد جانياً، ذلك أن تعدد الأحكام القضائية الصادرة ضد شخص معين فى جرائم المخدرات أو سبق اتهامه فيها، يعنى أننا بصدر جريمة بلا سلوك أتاه، وهو ما يناقض قضاء المحكمة الدستورية العليا، ويصم النص المطعون عليه بعدم الدستورية.
وحيث إن التدابير المنصوص عليها فى البنود من (1) إلى (6) من الفقرة الأولى من النص المطعون فيه، تعتبر جميعها من قبيل تدابير الدفاع الاجتماعى التى تنال من الحرية الشخصية، ويرتبط توقيعها بتقدير المشرع لقيام حالة خطرة بشخص معين، فلا يكون التدبير منفصلاً عنها، بل لازماً لمجابهتها.
وحيث إن البين من النص المطعون فيه، أن التدابير التى حددها لا يجوز توقيعها ضد شخص معين إلا فى إحدى حالتين هما، سبق الحكم عليه أو اتهامه اتهاماً جدياً أكثر من مرة فى جناية نص عليها القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها.
وحيث إن الدستور بما نص عليه فى المادة 66 من أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور الحكم ينص عليها، قد دل على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره، يتمثل أساساً فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى، مفصحاً بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائى ابتداء فى زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً، ذلك أن العلائق التى ينظمها هذا القانون فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، فى علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هى مناط التأثيم وعلته، وهى التى يتصور إثباتها ونفيها، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهى التى تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها. بل إنه فى مجال تقدير توافر القصد الجنائى، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التى يقام الدليل عليها قاطعا واضحا، ولكنها تجيل بصرها فيها، منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجانى حقيقة من وراء ارتكابها. ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً ومادياً عن إرادة واعية. ولا يتصور بالتالى وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى؛ ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التى أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه؛ بما مؤداه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية – وليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعماق ذاته – تعتبر واقعة فى منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً فى صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
وحيث إن من المقرر أن الأصل فى الجرائم، أنها تعكس تكويناً مركباً باعتبار أن قوامها تزامناً بين يد اتصل الإثم بعملها[An evil-doing hand]، وعقل واع خالطها [An evil meaning mind] ليهيمن عليها محدداً خطاها، متوجهاً إلى النتيجة المترتبة على نشاطها، ليكون القصد الجنائى ركناً معنوياً فى الجريمة [Mens Real] مكملاً لركنها المادى [Actus Reus]، ومتلائماً مع الشخصية الفردية فى ملامحها وتوجهاتها. وهذه الإرادة الواعية هى التى تتطلبها الأمم المتحضرة فى مناهجها فى مجال التجريم بوصفها ركناً فى الجريمة، وأصلاً ثابتاً كامناً فى طبيعتها، وليس أمراً فجاً دخيلاً مقحماً عليها أو غريباً عن خصائصها. ذلك أن حرية الإرادة تعنى حرية الاختيار بين الخير والشر. ولكل وجهة هو موليها، لتنحل الجريمة – فى معناها الحق – إلى علاقة ما بين العقوبة التى تفرضها الدولة بتشريعاتها، والإرادة التى تعتمل فيها تلك النزعة الإجرامية التى يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها، بديلاً عن الانتقام والثأر المحض من صاحبها. وغداً أمراً ثابتاً – وكأصل عام – ألا يجرم الفعل ما لم يكن إرادياً قائماً على الاختيار الحر، ومن ثم مقصوداً. ولئن جاز القول بأن تحديد مضمون تلك الإرادة وقوفاً على ماهيتها، لا زال أمراً عسراً، إلا أن معناها – وبوصفها ركناً معنوياً فى الجريمة – يدور بوجه عام حول النوايا الإجرامية أو الجانحة felonious intent أو النوازع الشريرة المدبرة malice aforethought أو تلك التى يكون الخداع قوامها fraudulent intent أو التى تتمحض عن علم بالتأثيم، مقترناً بقصد اقتحام حدوده guilty knowledge، لتدل جميعها على إرادة إتيان فعل بغياً.
وحيث إن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة فى النفس البشرية، الغائرة فى أعماقها، والتى لا يمكن فصلها عنها، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها، وبما لا إخلال فيه بالحق فى تنظيمها، وبمراعاة أن القوانين الجنائية قد تفرض على هذه الحرية – بطريق مباشر أو غير مباشر – أخطر القيود وأبلغها أثراً. ويتعين بالتالى أن يكون إنفاذ القيود التى تفرضها القوانين الجنائية على الحرية الشخصية، رهناً بمشروعيتها الدستورية. ويندرج تحت ذلك، أن تكون محددة بصورة يقينية لا التباس فيها. ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها كى يدفعوا عن حقهم فى الحياة، وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التى تعكسها العقوبة. ومن ثم كان أمراً مقضياً، أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها أو تباين الأراء حول مقاصدها، أو تقرير المسئولية الجنائية فى غير مجالاتها عدواناً على الحرية الشخصية التى كفلها الدستور.
وحيث إن العدالة الجنائية فى جوهر ملامحها، هى التى يتعين ضمانها من خلال قواعد محددة تحديداً دقيقاً، ومنصفاً، يتقرر على ضوئها ما إذا كان المتهم مداناً أو بريئاً، ويفترض ذلك توازناً بين مصلحة الجماعة فى استقرار أمنها، ومصلحة المتهم فى ألا تفرض عليه عقوبة ليس لها من صلة بفعل أتاه، أو تفتقر هذه الصلة إلى الدليل عليها. ولا يجوز بالتالى أن تنفصل العدالة الجنائية عن مقوماتها التى تكفل لكل متهم حداً أدنى من الحقوق التى لا يجوز النزول عنها أو التفريط فيها، ولا أن تخل بضرورة أن يظل التجريم مرتبطاً بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
وحيث الأصل فى النصوص العقابية، أن تصاغ فى حدود ضيقةnarrowly tailored تعريفا بالافعال التى جرمها المشرع، وتحديداً لماهيتها، لضمان ألا يكون التجهيل بها موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين، كذلك التى تتعلق بحرية عرض الآراء وضمان تدفقها من مصادرها المختلفة، وكذلك بالحق فى تكامل الشخصية، وأن يؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع. ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة، وتقرير أحوال فرضها، مما يدخل فى إطار تنظيم الحقوق، ويندرج تحت السلطة التقديرية للمشرع، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور. ولازمها ألا تكون النصوص العقابية شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها، أو بخفائها، من يقعون تحتها، أو لا يبصرون مواقعها. كذلك فإن الأصل فى الجريمة، أو عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها. وهى بعد عقوبة يجب أن تتوازن “وطأتها” مع طبيعة الجريمة موضوعها. بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله؛ وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها؛ ولا ينال عقابها إلا من قارفها؛ وأن شخصية العقوبة”، “وتناسبها مع الجريمة محلها “مرتبطتان بمن يعد قانوناً” مسئولاً عن ارتكابها”. ومن ثم تفترض شخصية العقوبة – التى كفلها الدستور بنص المادة 66 – شخصية المسئولية الجنائية، وبما يؤكد تلازمهما. ذلك أن الشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة، ولا تفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها.
وحيث إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها فى غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها؛ وأن الحرية فى أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة؛ وأن إساءة استخدام العقوبة تشويهاً لأهدافها، يناقض القيم التى تؤمن بها الجماعة فى اتصالها بالأمم المتحضرة وتفاعلها معها. ولا يكفى بالتالى أن يقرر المشرع لكل متهم حقوقاً قبل سلطة الاتهام توازنها وتردها إلى حدود منطقية، بل يتعين أن يكون ضمان هذه الحقوق مكفولا من خلال وسائل إجرائية إلزامية يملكها ويوجهها، من بينها – بل وفى مقدمتها – حق الدفاع بما يشتمل عليه من الحق فى الحصول على مشورة محام، والحق فى دحض الأدلة التى تقدمها النيابة العامة إثباتاً للجريمة التى نسبتها إليه، بما فى ذلك مواجهته لشهودها، واستدعاء لشهوده، وألا يحمل على الإدلاء بأقوال تشهد عليه – La protection contre L’auto incrimination.
وحيث إن القانون الجنائى وإن اتفق مع غيره من القوانين فى تنظيمها لعلائق الأفراد سواء فيما بينهم أو من خلال روابطهم مع مجتمعهم، إلا أن القانون الجنائى يفارقها فى اتخاذه العقوبة أداة لتقويم ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً، فلا يكون الجزاء على أفعالهم مبرراً إلا إذا كان مفيداً من وجهة اجتماعية، فإن جاوز تلك الحدود التى لا يكون معها ضرورياً، غدا مخالفاً للدستور.
وحيث الأصل فى كل اتهام أن يكون جاداً، ولا يتصور أن يكون الاتهام بالتالى عملاً نزقاً تنزلق إليه النيابة العامة بتسرعها أو تفريطها؛ وكان من البدهى أن الاتهام بالجريمة ليس قرين ثبوتها، ولا يعدل التدليل عليها؛ وكان الاتهام ولو قام على أسباب ترجح معها إدانة المتهم عن الجريمة، لا يزيد عن مجرد شبهة لم تفصل فيها محكمة الموضوع بقضاء جازم لا رجعة فيه سواء بإثباتها أو نفيها؛ وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن القواعد المبدئية التى تقوم عليها المحاكمة المنصفة التى تطلبها الدستور بنص المادة 67 – سواء عند الفصل فى كل اتهام جنائى أو فى حقوق الشخص والتزاماته المدنية – وإن كانت إجرائية فى الأصل، إلا أن تطبيقها فى نطاق الدعوى الجنائية – وعلى امتداد حلقاتها – يؤثر بالضرورة على محصلتها النهائية؛ وكان من المقرر أن أصل البراءة يندرج تحت هذه القواعد باعتباره قاعدة أولية توجبها الفطرة التى جبل الإنسان عليها، وتقتضيها الشرعية الإجرائية، ويتطلبها الدستور لصون الحرية الشخصية فى مجالاتها الحيوية، وبوصفها مفترضاً أولياً لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة، ليوفر بها لكل فرد الأمن فى مواجهة التحكم والتسلط والتحامل؛ وكان افتراض البراءة لا يقتصر على الحالة التى يوجد الشخص فيها عند ميلاده، بل يمتد إلى مراحل حياته حتى نهايتها، ليقارن الأفعال التى يأتيها، فلا ينفصل عنها باتهام جنائى أياً كان وزن الأدلة التى يؤسس عليها؛ وكان افتراض البراءة يمثل أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، وليس بنوع العقوبة المقررة لها، وكان هذا الأصل كامناً فى كل فرد سواء أكان مشتبهاً فيه أم متهماً باعتباره قاعدة جوهرية أقرتها الشرائع جميعها – لا لتكفل بموجبها الحماية للمدنيين – ولكن لتحقق بها أصلاً شرعياً مؤداه أن الخطأ فى العفو خير من الخطأ فى العقوبة التى يتعين درؤها عن كل فرد تكون التهمة الموجهة إليه مشكوكاً فيها “Dans le doute، on acquitte” أو مبناها أدلة لا يجوز قبولها قانوناً؛ وكان الاتهام الجنائى – وعلى ضوء ما تقدم – لا يزحزح أصل البراءة ولا ينقض محتواه، بل يظل هذا الأصل مهيمناً على الدعوى الجنائية، بل قائماً قبل تحريكها، ومنبسطاً على امتداد مراحلها وأياً كان زمن الفصل فيها؛ وكانت التدابير التى حددها النص المطعون فيه، تنال مراحلها وأياً كان زمن الفصل فيها؛ وكانت التدابير التى حددها النص المطعون فيه، تنال جميعها من الحرية الشخصية لاتسامها بخصائص العقوبة وانطوائها على عبئها، وانصرافها إيلاماً مقصوداً، دون أن تقابلها أفعال أثمها المشرع وحددها تحديداً دقيقاً؛ وكان اتخاذ أحد هذه التدابير بناء على اتهام متلاحق فى شأن شخص معين – ولو كان اتهاماً جدياً – مؤداه أنه صار مشتبهاً فيه – لا بناء على أفعال يتوافر لها خاصية اليقين التى تميز القوانين الجزائية – بل ارتباطاً بخطورة إجرامية افترضها المشرع ووصمه بها؛ وكانت خطورته هذه – التى استنبطها المشرع من اتهامه جدياً أكثر من مرة فى جناية مما نص عليها القانون المطعون فيه، وإن لم تفض بع إلى جريمة أكثر من مرة فى جناية مما نص عليها القانون المطعون فيه، وأن لم تفض بعد إلى جريمة بالفعل، إلا أن المشرع أقام بها صلة مبتسرة بين ماضيه وحاضره، دامجاً بينهما، مستوجباً محاسبته عن تلك الحالة التى أنشأها، وقرنها بتتابع الاتهام، لتنحل إرهاصاً بعودة الأشخاص الذين تعلق بهم مجال تطبيق النص المطعون فيه إلى الإجرام، بافتراض أنهم لا يعرفون لأقدامهم موقعها، ولا يقدرون للأمور عواقبها، وأن نزوعهم إلى الإجرام راجحاً، حال أن مصائر الناس لا يجوز أن تعلق على غير أفعالهم التى يسألون عن حسنها أو قبحها؛ وكان اتهامهم ولو كان جدياً ومتتابعاً، لا يعدو أن يكون شبهة قد لا يكون لها من ساق، ولا يجوز بالتالى أن يردهم النص المطعون فيه جميعاً إلى دائرة الخطورة الإجرامية، ويلصقها دوماً بهم، أياً كان مصير الاتهام الموجه إليهم، بل ولو قضى ببراءتهم، ليكون لغواً وافتئاتاً على الحرية الشخصية فى جوهر خصائصها، وهى بعد حرية لا يجوز تقييدها على خلاف أحكام الدستور التى لا تعتد إلا بالأفعال وحدها باعتبارها مناط التأثيم، ولأنها دون غيرها هى التى يجوز إثباتها ونفيها، وهى التى يتصور أن تكون محل تقدير محكمة الموضوع، وأن تكون عقيدتها بالبناء عليها. ولا كذلك الخطورة الإجرامية التى لا تمثل سلوكاً محدداً أتاه الشخص، ولا تخالطها إرادة واعية يعبر بها عن قصد بلوغ نتيجة إجرامية بذاتها، بل تقوم فى مبناها على افتراض تشريعى منتحل، مؤداه أن المتهمين جدياً أكثر من مرة، قد شقوا على جماعتهم عصا الطاعة، وأنهم بالغون من أمرهم ما يدنيهم من العدوان عليها، وهو افتراض يباعد بينهم وبينها، لتغلق أمامهم فرص الاندماج فيها.
وحيث إن من المقرر أن مبدأ خضوع الدولة للقانون – محدد على ضوء مفهوم ديموقراطى – مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديموقراطية، مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة، ويندرج تحتها طائفة الحقوق الوثيقة الصلة بالحرية الشخصية بالنظر إلى مكوناتها وخصائصها، ومن بينها ألا تكون العقوبة مهينة فى ذاتها، أو كاشفة عن قسوتها، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة، أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد Double jeopardy. وهذه القاعدة الأخيرة – التى كفلتها النظم القانونية جميعها، وصاغتها المواثيق الدولية باعتبارها مبدأ مستقراً بين الدول A universal maxim – مردها أن الجريمة الواحدة لا تزر وزرين، وأنه وإن كان الأصل أن يفرد المشرع لكل جريمة العقوبة التى تناسبها، إلا أن توقيعها فى شأن مرتكبها واستيفائها، يعنى أن القصاص قد اكتمل باقتضائها. وليس لأحد بعدئذ على فاعلها من سبيل.
ولا يجوز من ثم ، أن يتعرض الشخص لخطر ملاحقته باتهام جنائى أكثر من مرة عن الجريمة عينها، ولا أن تعيد الدولة بكل سلطاتها ومورادها محاولتها إدانته عن جريمة تدعى ارتكابه لها – ولو من خلال خطورة إجرامية تعتبرها جريمة فى ذاتها، وتلحقها بها – لأنها إذ تفعل، فإنما تبقيه قلقاً مضطرباً، مهدداً بنزواتها، تمد إليه بأسها حين تريد، ليغدو محاطاً بألوان من المعاناة لا قبل له بها، مبدداً لموارده فى غير مقتض، متعثر الخطى، بل إن إدانته – ولو كان بريئا – تظل أكثر احتمالاً، كلما كان الاتهام الجنائى متتابعاً عن الجريمة ذاتها.
وحيث إن ما قرره النص المطعون فيه من اتخاذ أحد التدابير التى حددها فى شأن الأشخاص الذين حكم عليهم أكثر من مرة فى جناية مما نص عليه القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها – ولو لم تتعلق هذه الجناية بالمواد المخدرة، بل كانت تعدياً على رجال السلطة العامة القائمين على تنفيذ أحكام هذا القانون – مؤداه أن المشرع قدر بالنص المطعون فيه، أن ثمة خطورة تنجم عن سوابق المتهم التى تمثلها جرائم ارتكبها من قبل، وأدين عنها، واكتمل القصاص فى شأنها، وأن هذه الخطورة – التى لا تزيد عن أن تكون احتمالاً لأن ينزلق مستقبلاً فى جريمة غير معينة – ينبغى التحوط لها صوناً لمصالح الجماعة باتخاذ تدابير بعينها تنال من حريته الشخصية؛ وكانت الجريمة المحتملة التى لم يرتكبها المتهم بعد، هى التى أراد المشرع توقعيها من خلال التدابير التى نص عليها؛ وكان ذلك من المشرع إحداثاً لحالة إجرامية افترضها؛ وكان لا دليل على قيام علاقة حتمية بين انغماس الشخص فى جرائم سابقة، وبين ترديه فى حمأتها والعودة إليها من جديد؛ وكان ما يناقض افتراض البراءة أن يداه الشخص – لا عن جريمة أتاها وتحدد عقوبتها بالنظر إلى جسامتها – بل بناء على محض افتراض بالإيغال فى الإجرام لا يرتد المذنبون عنه أبداً، بل هم إليه منصرفون يبغونها عوجاً؛ وكان لا يجوز وفقاً للدستور، أن يتعلق التجريم بخطورة أحدثها المشرع ولو فى نفس قابلة لها، ولا يتسم باليقين تعلقها بشخص معين، بل تقوم فى بنيانها على أن الجرائم التى ارتكبها من قبل ، هى التى تشهد بحاضره، وينبغى أن تكون محددة مستقبلاً لخطاه؛ وكان القول بأن مواجهة النزعة الإجرامية الكامنة فيمن حكم عليه أكثر من مرة، لازمها اتخاذ تدابير تتواقها وترد سوأتها الإجرامية – مردود بأن محكمة الموضوع يكفيها أن تقدر بمناسبة الجريمة الأخيرة التى ارتكبها، جزاءها الملائم آخذة فى اعتبارها سجله الإجرامى؛ وكان لا ينبغى أن يقرر المشرع – بالنص المطعون فيه – عقاباً أكثر من مرة عن فعل واحد، بعد أن اكتمل القصاص فى شأن الجرائم السابقة جميعها، ودونما جريمة جديدة يدعى وقوعها.
وحيث إن النص المطعون فيه – وعلى ضوء ما تقدم – يقيد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية التى كفلها الدستور، ولا يلتزم الضوابط التى رسمها فى شأن المحاكمة المنصفة، ومن بينها افتراض البراءة كحقيقة مستعصية عن الجدل، وليس مبناه فعل أو امتناع يمثل سلوكاً مؤخذاً عليه قانوناً؛ وكان إيقاع أحد هذه التدابير التى تتوافر لها خصائص الجزاء – وحتى بافتراض جواز تقريرها اتصالاً بالخطورة الإجرامية التى افترضها المشرع – يمتد زمناً قد يصل إلى عشر سنين بما يؤكد قسوتها، لتعطل حق المشمولين بها فى النفاذ إلى ألوان الحياة وأشكالها فى مجتمعهم مع تضييقها لفرصهم فى العمل، بما يعوق اندماجهم فى القيم التى يؤمن بها؛ وكان لا يجوز بعد اتخاذ هذه التدابير – وبفرض جوازها – الرجوع عنها أو تعديلها بما يكفل تناسبها أو استمرار ملاءمتها للأوضاع المتطورة للحالة الإجرامية التى وسمهم المشرع بها؛ وكان المشمولون بتلك التدابير، مواجهين بها لا يملكون دفعها، كلما قام الدليل على سبق الحكم عليهم أو اتهامهم جدياً أكثر من مرة، مما يجردهم من وسائل الدفاع التى كفلها الدستور فى شأن كل جزاء جنائياً كان أم تأديبياً؛ وكان من المقرر فى شأن التدابير الدفاع الاجتماعى أن غايتها بلوغ أغراض بعينها تقتضى جهداً وصبراً ممتداً، فإن العدول عنها قبل أن تكتمل أهدافها، لا يكون جائزاً ولو لم يعد المشمولون بها من الخطرين la mesure de surété poursuit un but qui demande toujours de longs et patients efforts: la disparition de l’état dangereux du délinquantne prend fin de cette mesure que lorsque ce but est attaint.
وحيث إنه متى كان ذلك، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفاً لأحكام المواد 13 و41 و66 و69 من الدستور.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة 48 مكررا من القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماه.