الخط الساخن : 01118881009

جلسة 7 سبتمبر 1996

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر -رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (4)
القضية رقم 9 لسنة 17 قضائية “دستورية”

1- دعوى دستورية “نطاقها”
نطاق الدعوى الدستورية ينحصر في النصوص القانونية التي دفع خصم أمام محكمة الموضوع بعدم دستوريتها، وفي حدود تقديرها لجدية الدفع.
2- دعوى دستورية “قاعدة قانونية ملغاة”
إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليهم خلال فترة نفاذها.
3- ضريبة “الملتزم – المسئول عن التوريد”
عدم جواز الخلط بين الملتزم أصلاً بالضريبة وبين من اعتبره المشرع مسئولاً عن توريدها.
4- ضريبة “الملتزم بها”
لا يكون الشخص ملتزماً أصلاً بالضريبة إلا إذا توافرت بالنسبة إليه الواقعة التي أنشأتها.
5- ضريبة “المسئول عنها”
لا يكون الشخص مسئولاً عن الضريبة إلا إذا كان وفاؤه بها تابعاً للالتزام الأصلي بأدائها.
6- حرية شخصية: “مصادرة”
مصادرة حرية الفرد في اختيار الطريق الأفضل وفق تقديره لاستثمار أمواله يناقض الحرية الشخصية التي اعتبرها الدستور حقاً طبيعياً لا يقبل تنازلاً.
7- استثمار “ضريبة – عدالة اجتماعية”
إذا كان استثمار الأموال في نشاط معين ممكناً قانوناً، فإن الحمل على عدم ولوجه من خلال الضريبة، يردها إلى دائرة عدم المشروعية ويبلور منافاتها للعدالة الاجتماعية.
8- دستور “ضريبة عامة: ضريبة الدمغة النسبية – رقابة”
قدر الدستور خطورة الضريبة العامة – وتندرج تحتها ضريبة الدمغة النسبية – بالنظر إلى تعلقها بجماهير غفيرة وتأثيرها بوجه عام في الأوضاع الاقتصادية، من اللازم – بالتالي – أن تراقبها المحكمة الدستورية العليا إذا ما طعن عليها التقرير مدى مشروعيتها الدستورية.
9- تشريع “المادتان 83 و86 من قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980: استحقاق الضريبة”
تداول الأوراق المالية التي حددتها المادة 83 المشار إليها ليس شرطاً لاستحقاق هذه الضريبة – تناول الضريبة قيم رؤوس أموال بذاتها ولو لم تصدر صكوكها – لا شأن لضريبة الدمغة النسبية تلك بما يمكن أن يتولد عن رؤوس الأموال هذه من إيراد.
10- زكاة- ضريبة “ازدواجهما”
الضريبة والزكاة مختلفتان – نطاقاً وعلة – وهما بالتالي متغايرتان، وتحملهما معاً لا مخالفة فيه للدستور
11- ضريبة عامة “نطاقها”
اعتبار تحقق الواقعة المنشئة للضريبة العامة على امتداد النطاق الإقليمي للدولة – وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية – مرتباً لدينها في ذمة الممول.
12- دستور “ضريبة عامة – فرائض أخرى”
مايز الدستور بين الضريبة العامة وغيرها من الفرائض الأخرى، فنص على أن أولاهما لا يجوز فرضها أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون وأن ثانيتهما يجوز إنشاؤها في الحدود التي يبينها القانون.
13- ضريبة عامة – سلطة تشريعية
السلطة التشريعية هي التي تقبض بيدها على زمام الضريبة العامة في كل ما يتصل ببنيان هذه الضريبة عدا الإعفاء منها، فيجوز أن يتقرر في الأحوال التي يبينها القانون.
14- ضريبة عامة “أسس موضوعية – جزاء – عدالة اجتماعية”
ينظم القانون الضريبة العامة متوخياً تقديراً موضوعياً ومتوازناً لمتطلبات وأسس فرضها – ضرورة عدم اتسامها بوطأة الجزاء – وجوب عدم مناقضة معدلها وأحوال فرضها الضوابط اللازمة لعدالتها الاجتماعية.
15- دستور “ملكية خاصة: حمايتها – وظيفة اجتماعية”
إعلاء الدستور لقدر الملكية الخاصة – كفالته حمايتها لكل فرد وطنياً كان أم أجنبياً – من السائغ تحميل الملكية الخاصة بالقيود التي تتطلبها وظيفتها الاجتماعية.
16- دستور “ملكية خاصة: نطاق حمايتها”
امتداد الحماية التي أظل بها الدستور الملكية الخاصة إلى الأموال جميعها دون تمييز بينها.
17- ضريبة “رؤوس الأموال: عدوان”
لا يجوز فرض ضريبة على رؤوس أموال المكلفين بها بما يجتثها أو يقلصها إلى حد كبير – الضريبة على هذا النحو عدوان على رؤوس الأموال.
18- ضريبة “مجال طبيعي: الإيراد”
للضريبة مجال طبيعي وذلك من خلال ربطها بصور الإيراد – التي يقدر المشرع ملاءمة إخضاعها للضريبة – الناجمة عن استثمار الأموال في ألوان من التعامل جائزة قانوناً.
19- ضريبة “رؤؤس الأموال”
من غير الجائز أن تكون رؤوس الأموال ذاتها وعاء للضريبة إلا بصورة استثنائية لا تعطل حقاً دستورياً ويقدر الضرورة وبما لا يؤول إلى تآكلها.
20- ضريبة “رؤوس الأموال”
يفترض ألا يكون تطبيق الضريبة التي فرضها المشرع على رؤوس الأموال ممتداً إلى غير حد ولا أن تكون لها وطأة الجزاء.
21- تشريع “قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980: وعاء الضريبة”
وفقاً لهذا القانون فإن واقعة الملكية لرؤوس أموال بذاتها – سنداً أو سهماً أو حصة أو نصيباً – هي المنشئة للضريبة سواء كانت تغل أو لا تنتج دخلاً.
22- تشريع “قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 سنة 1980: قيم الأموال”
استنزال مبلغ هذه الضريبة وفقاً لهذا القانون في قيم الأموال ذاتها بما يؤدي إلى امتصاصها – افتقادها من ثم مقوماتها الدستورية.
23- تشريع “قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980: منافاة العدالة الاجتماعية”
منافاة هذه الضريبة للعدالة الاجتماعية تبدو من خلال ما قضت به الفقرة الثانية من المادة 86 من قانونها من إلزام الهيئة أو الشركة المصدرة للورقة المالية بأداء الضريبة. مع أن الضريبة المذكورة محلها أوراق مالية أو حصص أو أنصبة أخرجتها الهيئة أو الشركة التي أصدرتها عن ملكيتها بنقل الحق فيها إلى آخرين، ولم يعد لها من صلة تربطها بها، مؤدي ذلك: إضرار تلك الضريبة بالمركز المالي للهيئة أو الشركة.
24- دستور – ضريبة “جباية”
جباية الأموال في ذاتها لا تعتبر هدفاً يحميه الدستور بل يتعين أن تتم وقف قواعده وبالتطبيق لأحكامه.
25- تشريع “قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980: جباية”
البادي من هذا القانون أن الجباية في ذاتها هدف منظور ورئيسي لهذه الضريبة.
26- ضريبة “الغرض منها”
الأصل أن يتوخى المشرع بالضريبة التي يفرضها أمرين:
أولهما: الحصول على غلتها.
ثانيهما: التدخل بها لتغيير بعض الأوضاع القائمة.
27- تشريع “قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980: استثمار”
الضريبة المذكورة أضرت، من زاوية أثارها العرضية، بفرص الاستثمار وأعاقت الادخار الذي اعتبره الدستور واجباً قومياً – تحصيلها غدا مجرد جباية لا ضابط لها – عدم استقامة بنيانها – من ثم – وفق الأسس الموضوعية التي لا تقوم الضريبة دستورياً في غيابها.
1- من المقرر – وعلى ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – أن الدعوى الدستورية، ينحصر نطاقها في النصوص القانونية التي دفع خصم أمام محكمة الموضوع بعدم دستوريتها، وفي حدود ترجيحها لمنطقية المطاعن الموجهة إليها، تقديراً بأن المسائل الدستورية التي أثارها هذا الدفع، هي التي قدر الحكم الصادر عنها جديتها، والتي أتصل بها تصريحها برفع الدعوى الدستورية. إذ كان ما تقدم، وكان هذا الدفع قد تعلق بنص المادة 83 من قانون ضريبة الدمغة دون غيرها، فإن الدعوى الدستورية لا تدور إلا حولها، ولا شأن لها بغيرها من النصوص القانونية التي تضمنها هذا القانون.
2- إن المادة 83 المطعون عليها، وإن ألغتها المادة الأولى من القانون رقم 115 لسنة 1995 اعتباراً من تاريخ العمل بها في أول يناير 1996، إلا أن إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها – ومن بينهم المدعية – وترتبت بمقتضاها أثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة، ذلك أن الأصل في القاعدة القانونية، هو سريانها على الوقائع التي تتم في ظلها وحتى إلغائها فإذا ألغيت هذه القاعدة، وحلت محلها قاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من هاتين القاعدين، فما نشأ مكتملاً في ظل القاعدة القانونية القديمة من المراكز القانونية وجرت آثارها خلال فترة نفاذها، يظل خاضعاً لحكمها وحدها.
3، 4، 5- إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أنه لا يجوز الخلط بين الملتزم أصلاً بالضريبة، وبين من اعتبره المشرع مسئولاً عن توريدها، بل يتعين التمييز بينهما، فلا يكون الشخص ملتزماً أصلاً بها، إلا إذا توافرت بالنسبة إليه الواقعة التي أنشأتها، والتي يتمثل عنصراها في المال المحمل بعبئها – والمتخذ وعاءً لها – ثم وجود علاقة بين هذا المال وشخص معين، ليكون اجتماعهما معاً مُظهراً للالتزام بالضريبة من خلال تحديد المشرع لظروفها الموضوعية والشخصية. ولا يكون الشخص مسئولاً عن الضريبة إلا إذا كان وفاؤه بها تابعاً للالتزام الأصلي بأدائها، ليبقى بوجوده ويزول بانقضائه، وشرط ذلك أن تكون علاقة المسئول عن الضريبة في شأن المال المتخذ وعاء لها – وهو العنصر الموضوعي في الضريبة – منتفية.
إذ كان ما تقدم، وكانت الضريبة التي فرضتها المادة 83 المطعون على الأوراق المالية والحصص والأنصبة التي حددتها، لا يتحمل بها أصلاً إلا أصحابها الذين يملكونها – على ما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة 86 من قانون هذه الضريبة – إلا أن الفقرة الثانية من المادة 86 ذاتها، تقيم إلى جانبهم مسئولين عنها يلتزمون – في الموعد المحدد بها – بتوريدها إلى مصلحة الضرائب ضماناً لتحصيلها، وتوقياً للتحايل عليها أو التخلص منها، وتأميناً لانتظام جبايتها وسرعتها، والتقليل من تكلفتها. متى كان ذلك، وكانت الشركات والهيئات التي صدرت عنها الأوراق المالية والحصص والأنصبة محل الضريبة، هي التي اعتبرتها الفقرة الثانية من المادة 86 من قانونها، مسئولة عن توريدها إلى الخزانة العامة؛ وكانت مسئوليتها هذه تدور وجوداً وعدماً مع وجود الضريبة ذاتها أو زوالها، فإن مصلحتها في الطعن عليها بمقولة مجاوزتها الحدود التي رسمها الدستور للضريبة العامة، وأن عبئها يظل واقعاً في ميزانيتها، مقتطعاً جانباً من مواردها، حائلاً دون استثمارها في وقت ملائم، ولو أمكنها بعد دفعها من الرجوع بها واقتضائها من الملتزمين أصلاً بها، تكون قائمة.
6، 7، 8- إن مصادرة حرية الفرد في اختيار الطريق الأفضل وفق تقديره لاستثمار أمواله، يناقض الحرية الشخصية التي اعتبرها الدستور حقاً طبيعياً لا يقبل تنازلاً، غائراً في النفس البشرية، كافلاً إنسانيتها. والأصل في كل عمل أن يكون مشروعاً، ولا تخرج بعض الأعمال من دائرة التعامل إلا إذا حظرها المشرع، فإذا كان التعامل في أموال بذاتها جائزا، وكان استثمارها في نشاط معين ممكناً قانوناً، فإن الحمل على عدم ولوجها – من خلال الضريبة – يردها إلى دائرة عدم المشروعية، ويبلور منافاتها للعدالة الاجتماعية. والقول بأن مناعي المدعية خوض من جانبها في السياسة الضريبية التي يستقل المشرع بتقديرها؛ مردود، بأن الدستور قدر خطورة الضريبة العامة – وتندرج تحتها الضريبة المطعون عليها – بالنظر إلى تعلقها بجماهير غفيرة، ومساسها المباشر بمصالحها وتأثيرها بوجه عام في الأوضاع الاقتصادية، وكان لازماً بالتالي أن تراقبها هذه المحكمة – إذا ما طعن عليها – ضماناً لفرضها لمصلحة لها اعتبارها، وبمراعاة الأسس الموضوعية التي تقيم بنيانها الحق على ضوء معايير تكفل عدالتها اجتماعيا، وتتحدد على ضوئها جميعاً مشروعيتها الدستورية، وعلى الأخص في مجال اتصال أهدافها بمضمون النصوص القانونية التي فرضتها.
9- تداول الأوراق المالية التي حددتها المادة 83 من قانون هذه الضريبة ليس شرطاً لاستحقاقها، بل تتناول الضريبة قيم رؤوس أموال بذاتها – سنداً أو سهماً أو حصة أو نصيباً – ولو لم تصدر صكوكها، بل ولو لم يجر تسليمها لأصحابها. ولا شأن لضريبة الدمغة النسبية بما يمكن أن يتولد عن رؤوس الأموال هذه من إيراد، بل يعتبر هذا الإيراد دخلاً لها، ينضم إلى غيره من الدخول التي يحققها الشخص، ليخضع صافي مجموعها، للضريبة السنوية التي فرضها قانون الضريبة على الدخل الصادر بالقانون رقم 178 لسنة 1993.
10- الزكاة فرضتها النصوص القرآنية، لا النصوص التشريعية الوضعية التي ترتد الضريبة المطعون عليها إليها في مصدرها. والزكاة كذلك – وباعتبارها من الأركان الأساسية للعقيدة الإسلامية – لا يجوز العدول عنها، ولا التعديل في أحكامها المقطوع بثبوتها ودلالتها، خلافاً لكل ضريبة إذ يجوز دوماً النظر فيها، وتغيير بنيانها، بل وإلغاؤها. والضريبة والزكاة مختلفتان – نطاقاً وعلة – وهما بالتالي متغايرتان، وتحملها معاً، لا مخالفة فيه للدستور.
11- الضريبة العامة، لا يقتصر نطاق تطبيقها على رقعة إقليمية معينة تنبسط عليها دون سواها، ويتحدد المخاطبون بها في إطار هذه الدائرة وحدها. بل يعتبر تحقق الواقعة المنشئة لها على امتداد النطاق الإقليمي للدولة – وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية – مرتباً لدينها في ذمة الممول، بما مؤداه تكافؤ الممولين المخاطبين بها في الخضوع لها دون تمييز، وسريانها بالتالي – بالقوة ذاتها – كلما توافر مناطها في أية جهة داخل الحدود الإقليمية للدولة. ولا يعني ذلك أن يتماثل الممولون في مقدار الضريبة التي يؤدونها، بل يقوم التماثل على وحدة تطبيقها من الناحية الجغرافية، فالتكافؤ أو التعادل بينهم ليس فعلياً، بل جغرافياً.
12، 13- إن الدستور أعلى شأن الضريبة العامة، وقدر أهميتها بالنظر إلى خطورة الآثار التي ترتبها، وبوجه خاص من زاوية جذبها لعوامل الإنتاج، أو طردها، أو تقييد تدفقها، وما يتصل بها من مظاهر الانكماش أو الانتعاش، وتأثيرها بالتالي على فرص الاستثمار والادخار والعمل وتكلفة النقل وحجم الإنفاق؛ وكان الدستور – نزولاً على هذه الحقائق واعترافاً بها – قد مايز بين الضريبة العامة وغيرها من الفرائض المالية، فنص على أن أولاهما لا يجوز فرضها أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون، وأن ثانيتهما يجوز إنشاؤها في الحدود التي يبينها القانون؛ وكانت السلطة التشريعية هي التي تتولى بنفسها تنظيم أوضاعها بقانون يصدر عنها، متضمناً تحديد نطاقها، وعلى الأخص من خلال تحديد وعائها وأسس تقديره، وبيان مبلغها، والملتزمين أصلاً بأدائها، والمسئولين عنها، وقواعد ربطها وتحصيلها وتوريدها، وكيفية أدائها، وغير ذلك مما يتصل ببنيان هذه الضريبة، عدا الإغفاء منها، إذ يجوز أن يتقرر في الأحوال التي يبينها القانون، فإن زمام الضريبة العامة يكون بيد السلطة التشريعية، فلا نزول قبضتها عنها.
14- نص القانون يعتبر مصدراً مباشراً للضريبة العامة، إذ ينظم رابطتها محيطاً بها في إطار من قواعد القانون العام، متوخياً تقديراً موضوعياً ومتوازناً لمتطلبات وأسس فرضها، وبمراعاة أن حق الدولة في إنشائها لتنمية مواردها، ينبغي أن يقابل بحق الملتزمين أصلاً بها، والمسئولين عنها، في تحصيلها وفق أسس موضوعية، يكون إنصافها نافياً لتحيفها، فلا يناقض معدلها وأحوال فرضها الضوابط اللازمة لعدالتها الاجتماعية، ولا تتسم بوطأة الجزاء بما يباعد بينها وبين الأغراض المالية التي ينبغي أن تتوخاها أصلاً.
15- إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الدستور – إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة – كفل بالمادتين 32 و34 حمايتها لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً، ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء – وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها – باعتبارها عائدة في الأعم من الأحوال إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها، معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أدواتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام، هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً في كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التي تعينها على أداء دورها في إطار وظيفتها الاجتماعية. ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التي تتطلبها هذه الوظيفة التي تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التي ينبغي رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعي معين، في بيئة بذاتها لها مقوماتها وتوجهاتها، وبمراعاة أن القيود التي يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة.
16، 17، 18، 19، 20- إن الحماية التي أظل بها الدستور الملكية الخاصة لضمان صونها من العدوان، تمتد إلى الأموال جميعها دون تمييز بينها، باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية، سواء أكان هذا الحق شخصياً أم عينياً، أم كان من حقوق الملكية الأدبية والفنية أو الصناعية؛ وكان لا يجوز على ضوء هذه الحماية، فرض ضريبة على رءوس أموال المكلفين بها بما يجتثها أو يقلصها إلى حد كبير، لتخرج بتمامها أو في كثير من أجزائها من يد أصحابها، مما يفقد الضريبة وظيفتها الأساسية بوصفها “إسهاماً منطقياً” من الملتزمين بأدائها في تحمل نصيبهم من الأعباء العامة لتغطية تكلفتها. والأدق أن يقال أن ضريبة على هذا النحو، عدوان على رؤوس هذه الأموال، ينال من قيمتها، ويحول دون تراكمها لبناء قاعدة اقتصادية أعرض. ومن ثم كان للضريبة مجال طبيعي يتصل بتطبيقاتها في الأعم من الأحوال، وذلك من خلال ربطها بصور الإيراد التي يقدر المشرع ملاءمة إخضاعها للضريبة، ليكون الدخل بذلك محوراً لها، ناجماً عن استثمار رؤوس الأموال في ألوان من التعامل جائزة قانوناً، وهو ما يعني أن الدخل – وباعتباره إيراداً متجدداً – يمثل من الضريبة مجالها الأكثر فاعلية، سواء كان هذا الإيراد ناجماً عن قيم منقولة، أم عن المهن غير التجارية، أم عن الثروة العقارية، أم كان مرتباً أم ربحاً صافياً محققاً من غير ذلك من المصادر، ومن ثم كان الدخل وعاء أساسياً للضريبة، متطلباً فيها كشرط مبدئي لموضوعيتها وعدالتها. ولا يجوز بالتالي أن تكون رؤوس الأموال ذاتها وعاءً لها، إلا بصورة استثنائية لا تعطل حقاً دستورياً، وبقدر الضرورة، وبما لا ينتزعها أو يؤول إلى تآكلها، ويفترض ذلك لزوماً ألا يكون تطبيق الضريبة التي فرضها المشرع عليها ممتداً في الزمان إلى غير حد، ولا أن تكون لها وطأة الجزاء، ولا أن “تظلها أغراض الجباية” لتهيمن عليها محددة مسارها.
21، 22- متى كان قانون ضريبة الدمغة المطعون عليها، قد فرضها على رؤوس أموال بذواتها – سنداً أو سهماً أو حصة أو نصيباً – فاعتبرها وعاءً لها محملاً أصحابها بعبئها بوصفهم ملتزمين أصلاً بها، بما مؤداه ربط الضريبة بقيم هذه الأصول واقتضائها منها، فلا تزايلها أو تتحول عنها، ليكون إسناد الضريبة إليها – واطراد زمن تطبيقها – عاصفاً بها أو محدداً مجال حركتها، باعتبارها ضماناً لتحصيل الضريبة التي فرضها المشرع في شأنها. وهي بعد ضريبة يستأديها من أصحابها سنوياً – ومقدماً – بناءً على مجرد تملكهم لها، ومن ثم تكون “واقعة الملكية” – في ذاتها – هي المنشئة للضريبة المطعون عليها. وسواء كانت الأسهم أو السندات أو الحصص أو الأنصبة التي حملها المشرع بعبئها، تغل أو لا تنتج دخلاً، فليس لدخلها – وجوداً أو عدماً – من أثر على نفاذ الضريبة المطعون عليها، بل يظل رأس المال المحمل بها، وعاءً لها، وسعرها منسوباً إلى قيمته الاسمية أو الفعلية، ومبلغها مستنزلاً من قيم هذه الأموال ذاتها انتهاء إلى امتصاصها، بما يعيبها دستورياً ويفقدها مقوماتها، ليحيلها عدماً، ذلك أن الضريبة التي يكون أداؤها واجباً قانوناً – وعلى ما تنص عليه المادتان 61 و119 من الدستور – هي التي تتوافر لها قوالبها الشكلية، وإلى جانبها أسسها الموضوعية محدد مفهومها على ضوء العدالة الاجتماعية، والتي تعتبر محوراً لتنظيم الضريبة في الحدود المنصوص عليها في المادة 38 من الدستور.
23- تبدو منافاة الضريبة المطعون عليها للعدالة الاجتماعية، من زاوية اتصال تطبيقها بالمسئولين عن أدائها، وهي الهيئة أو الشركة المصدرة للورقة المالية (سهماً كانت أم سنداً) أو للحصة أو النصيب، ذلك أن الفقرة الثانية من المادة 86 من قانون هذه الضريبة، تلزمها بأن تؤديها إلى مصلحة الضرائب خلال الخمسة عشر يوماً الأولى من يناير من كل سنة، ليقوم التزامها بتوريد هذه الضريبة إلى جوار المدينين أصلاً بها وفقاً لفقرتها الأولى، وهم أصحاب هذه الأوراق أو الحصص أو الأنصبة التي افترض المشرع قيام صله بينها وبينهم تسوغ حملها على توريد الضريبة إلى جانبهم, وهي صلة واهية انتحلها المشرع تقوية من جهته لضمان إيفاء الضريبة في موعدها وتيسيراً لتحصيلها، ذلك أن الضريبة المطعون عليها – وعلى ما تقدم – محلها أوراق مالية أو حصص أو أنصبة أخرجتها الهيئة أو الشركة المصرية التي أصدرتها من ملكيتها، بنقلها الحق فيها إلى آخرين.
وإصدارها لا يفصلها عنها، وليس لها من شأن بتداولها ولا بما ينجم عن التعامل فيها من إيراد، بل مرد ومردود ذلك إلى أصحابها.
بيد أن قانون هذه الضريبة، حمل الجهة المصدرة لها بعبئها، وجعلها مسئولة عن توريدها من رأسمالها المصدر الذي قد يزيد كثيراً على رأس مالها المدفوع، وألزمها بأدائها مقدماً، سواء أكان العمل بها قد بدأ، أم كان لا زال في مرحلة التحضير، وسواء كان نشاطها قد مضى قدماً محققاً ربحاً، أم كان متعثراً متراجعاً كاشفاً عن خسائر أصابتها مهما بلغ عمقها ومداها، وسواء كان وجودها قانونا محققاً، أم كان كيانها غير مكتمل، بما مؤداه إضرار الضريبة المطعون عليها بمركزها المالي، وتسويتها لفرص توجيهها لجهودها، وحشدها لتحقيق الأغراض التي تقوم أصلاً عليها.
24- دل المشرع على أن سعيه لتحصيل الضريبة، كان توجهاً منهما بما نص عليه في المادة 85 من قانونها من سريانها اعتباراً من تاريخ مزاولة الشركة لعملها، أو من تاريخ صدور القرار المرخص في تأسيسها، أو اعتباراً من نشر المحرر المتعلق بتأسيسها، أيها أسبق زمناً، لتكون الجباية في ذاتها هدفاً منظوراً ورئيسياً لهذه الضريبة، فلا تمتد إليها حماية الدستور، وهو ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة التي تقرر “ليس ثمة مصلحة مشروعة ترتجى من وراء إقرار تنظيم تشريعي يتوخى مجرد تنمية موارد الدولة من خلال فرض ضريبة تفتقر إلى قوالبها الشكلية أو لا تتوافر – في أركانها ودوافعها – الأسس الموضوعية التي ينبغي أن تقوم عليها، ذلك أن جباية الأموال في ذاتها، لا تعتبر هدفاً يحميه الدستور، بل يتعين أن تتم وفق قواعده وبالتطبيق لأحكامه”.
25- إن المشرع عزز اتجاهه إلى تحصيل الضريبة المطعون عليها، بغض النظر عن عواقبها بما نص عليه في البند (ب) من المادة 83 من قانونها من فرضها على القيمة الاسمية للأوراق غير المقيدة في البورصة أو المقيدة بها “التي ترى مصلحة الضرائب أن العمليات التي تمت بشأنها من القلة بحيث لا يمثل متوسط أسعارها القيمة الحقيقية لها” بما مؤداه، أنه حتى ولو أسفرت العمليات التي جرت في شأن الورقة المالية، عن تضاؤل قيمتها، فإن قلة هذه العمليات – وفق تقدير الجهة الدائنة بالضريبة – تخولها محاسبة الملتزمين أصلاً بها، والمسئولين عن أدائها، على ضوء القيمة الاسمية – لا الفعلية – للورقة المالية. وهي عين القاعدة التي التزمها المشرع في شأن ضريبة الدمغة النوعية التي فرضها على حصص التأسيس وفقاً للبند (د) من المادة 83 المشار إليها.
26- الأصل أن يتوخى المشرع بالضريبة التي يفرضها أمرين، يكون أحدهما أصلاً مقصوداً منها ابتداءً primary motive، ويتمثل في الحصول على غلتها لتعود إلى الدولة وحدها، تصبها في خزانتها العامة لتعينها على مواجهة نفقاتها. ويكون ثانيهما مطلوباً منها بصفة عرضية أو جانبية، أو غير مباشرة Incidential Motive كاشفاً عن طبيعتها التنظيمية Regulatary Nature، دالاً على التدخل بها لتغيير بعض الأوضاع القائمة، وبوجه خاص من خلال تقييد مباشرة الأعمال التي تتناولها، أو حمل المكلفين بها – عن طريق عبئها – على التخلي عن نشاطهم، وعلى الأخص إذا كان مؤثماً جنائياً، كالتعامل في المواد المخدرة.
وهذه الآثار العرضية للضريبة كثيراً ما تلازمها، وتظل للضريبة مقوماتها من الناحية الدستورية، ولا تزايلها طبيعتها هذه، لمجرد أنها تولد أثاراً عرضية بمناسبة إنشائها.
27- إن الضريبة المطعون عليها – ومن زاوية آثارها العرضية – تلحق بفرص الاستثمار أفدح الأضرار، وهي كذلك تعوق الادخار الذي اعتبره الدستور واجباً قومياً، وليس أدل على ذلك، من أن وزير المالية حين سئل عن كيفية تعويض حصيلتها بعد إلغائها، كان قاطعاً في أن إلغاءها يوفر ظروفاً أفضل للاستثمار، تزداد بها العمالة، وينكمش معها التضخم، ويدور في نطاقها رأس المال، من خلال قاعدة إنتاجية أعرض، كاشفاً بذلك عن أن فرض هذه الضريبة كان عملاً عشوائياً منافياً لعدالتها الاجتماعية، مجاوزاً الحدود التي يكون فيها أداؤها واجباً قانوناً، معطلاً دورها في مجال تحقيق الكفاية والعدل اللذين جعلهما الدستور أساساً للنظام الاقتصادي، وغدا تحصيلها بالتالي مجرد جباية لا ضابط لها ولا يستقيم بنيانها وفق الأسس الموضوعية التي لا تقوم الضريبة دستورياً في غيابها.


الإجراءات

في الخامس عشر من فبراير سنة 1995 أودعت الشركة المدعية قلم كتاب المحكمة صحيفة هذه الدعوى طالبة الحكم بعدم دستورية نصي المادتين 83، 86 من قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعية – الشركة الأمريكية للبويات والدهانات – كانت قد أقامت ضد المدعى عليه الثالث بصفته الرئيس الأعلى لمصلحة الضرائب، الدعوى رقم 103 لسنة 1992 ضرائب كلي شمال القاهرة، طعناً على قرار لجنة الطعن رقم 99 لسنة 1990 بتحديد ضريبة الدمغة النسبية التي تلتزم بأدائها، وطلبت في دعواها هذه الحكم بأحقيتها في التمتع بإعفاء رأسمالها من الخضوع لهذه الضريبة لمدة عشر سنين من تاريخ تأسيسها، وعدم سريان تلك الضريبة على الزيادة في رأس مالها بالتالي. إلا أن محكمة شمال القاهرة قضت برفض الدعوى، فطعنت الشركة على هذا الحكم بالاستئناف رقم 1482 لسنة 11 قضائية. وأثناء نظره دفعت بعدم دستورية نص المادة 83 من قانون ضريبة الدمغة النسبية الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت برفع الدعوى الدستورية، فقد أقامت المدعية الدعوى الماثلة.
وحيث إن المدعية وإن ضمنت صحيفة دعواها الدستورية، الطعن بعدم دستورية المادتين 83، 86 من قانون ضريبة الدمغة، إلا أن من المقرر – وعلى ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – أن الدعوى الدستورية، ينحصر نطاقها في النصوص القانونية التي دفع خصم أمام محكمة الموضوع بعدم دستوريتها، وفي حدود ترجيحها لمنطقية المطاعن الموجهة إليها، تقديراً بأن المسائل الدستورية التي أثارها هذا الدفع، هي التي قدر الحكم الصادر عنها جديتها، والتي أتصل بها تصريحها برفع الدعوى الدستورية. إذ كان ما تقدم، وكان هذا الدفع قد تعلق بنص المادة 83 من قانون ضريبة الدمغة دون غيرها، فإن الدعوى الدستورية لا تدور إلا حولها، ولا شأن لها بغيرها من النصوص القانونية التي تضمنها هذا القانون.
وحيث إن المادة 83 المطعون عليها، وإن ألغتها المادة الأولى من القانون رقم 115 لسنة 1995 اعتباراً من تاريخ العمل بها في أول يناير 1996، إلا أن إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها – ومن بينهم المدعية – وترتبت بمقتضاها أثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة، ذلك أن الأصل في القاعدة القانونية، هو سريانها على الوقائع التي تتم في ظلها وحتى إلغائها، فإذا ألغيت هذه القاعدة، وحلت محلها قاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من هاتين القاعدتين، فما نشأ مكتملاً في ظل القاعدة القانونية القديمة من المراكز القانونية وجرت آثارها خلال فترة نفاذها، يظل خاضعا لحكمها وحدها.
وحيث إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أنه لا يجوز الخلط بين الملتزم أصلاً بالضريبة، وبين من اعتبره المشرع مسئولاً عن توريدها، بل يتعين التمييز بينهما، فلا يكون الشخص ملتزماً أصلاً بها، إلا إذا توافرت بالنسبة إليه الواقعة التي أنشأتها، والتي يتمثل عنصراها في المال المحمل بعبئها – والمتخذ وعاءً لها – ثم وجود علاقة بين هذا المال وشخص معين، ليكون اجتماعهما معاً مُظهراً للالتزام بالضريبة من خلال تحديد المشرع لظروفها الموضوعية والشخصية. ولا يكون الشخص مسئولاً عن الضريبة إلا إذا كان وفاؤه بها تابعاً للالتزام الأصلي بأدائها، ليبقى بوجوده ويزول بانقضائه، وشرط ذلك أن تكون علاقة المسئول عن الضريبة في شأن المال المتخذ وعاءً لها – وهو العنصر الموضوعي في الضريبة – منتفية.
وحيث إنه إذ كان ما تقدم، وكانت الضريبة التي فرضتها المادة 83 المطعون عليها على الأوراق المالية والحصص والأنصبة التي حددتها، لا يتحمل بها أصلاً إلا أصحابها الذين يملكونها – على ما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة 86 من قانون هذه الضريبة – إلا أن الفقرة الثانية من المادة 86 ذاتها، تقيم إلى جانبهم مسئولين عنها يلتزمون – في الموعد المحدد بها – بتوريدها إلى مصلحة الضرائب ضماناً لتحصيلها، وتوقياً للتحايل عليها أو التخلص منها، وتأميناً لانتظام جبايتها وسرعتها، والتقليل من تكلفتها. متى كان ذلك، وكانت الشركات والهيئات التي صدرت عنها الأوراق المالية والحصص والأنصبة محل الضريبة، هي التي اعتبرتها الفقرة الثانية من المادة 86 من قانونها، مسئولة عن توريدها إلى الخزانة العامة؛ وكانت مسئوليتها هذه تدور وجوداً وعدماً مع وجود الضريبة ذاتها أو زوالها، فإن مصلحتها في الطعن عليها بمقولة مجاوزتها الحدود التي رسمها الدستور للضريبة العامة، وأن عبئها يظل واقعاً في ميزانيتها، مقتطعاً جانباً من مواردها، حائلاً دون استثمارها في وقت ملائم، ولو أمكنها بعد دفعها من الرجوع بها واقتضائها من الملتزمين أصلاً بها، تكون قائمة.
وحيث إن المادة 83 المطعون عليها – بعد تعديلها – تنص على ما يأتي:
“تستحق ضريبة سنوية على السندات أياً كانت جهة إصدارها وجميع الأسهم والحصص والأنصبة الصادرة من الشركات المصرية سواء أكانت مساهمة أو توصية بالأسهم أو ذات مسئولية محدودة، وسواء مثلت تلك الأسهم والحصص والأنصبة والسندات في صكوك أو لم تمثل، وسواء سلمت الصكوك إلى أصحابها أو لم تسلم وذلك على النحو التالي:-
( أ ) نسبية: ثمانية في الألف من متوسط السعر خلال الستة أشهر السابقة على تاريخ استحقاق الضريبة، وذلك بالنسبة للأوراق المالية المقيدة والمتداولة في البورصة.
(ب) نسبية: أثنا عشر في الألف من القيمة الاسمية للأوراق غير المقيدة في البورصة أو المقيدة بها، التي ترى مصلحة الضرائب أن العمليات التي تمت بشأنها في البورصة من القلة بحيث لا يمثل متوسط أسعارها القيمة الحقيقية لها.
(ج) نسبية: أثنا عشر في الألف من قيمة رأس مال الشركات المساهمة وذات المسئولية المحدودة غير الممثل في أسهم أو حصص أو أنصبة.
(د) نوعية: مائة وثمانون قرشاً بالنسبة لحصص التأسيس غير المقيدة في البورصة أو المقيدة بها، التي ترى مصلحة الضرائب أن العمليات التي تمت بشأنها في البورصة من القلة بحيث لا يمثل متوسط أسعارها القيمة الحقيقية لها.
وتخفض الضريبة إلى النصف خلال السنتين الأوليين من تاريخ تأسيس الشركة”.
وحيث إن المادة 85 من قانون ضريبة الدمغة، تنص كذلك على أن تسري الضريبة من تاريخ مزاولة الشركة عملها، أو من تاريخ صدور القرار المرخص في تأسيسها، أو من تاريخ نشر المحرر الذي أسست بمقتضاه، أي هذه التواريخ أسبق.
وحيث إن المذكرة الإيضاحية التي صاغها مشروع هذه الضريبة، تدل على انصرافها إلى الأوراق المالية الصادرة عن شركات المساهمة، ما كان منها تابعاً للقطاع العام أو الخاص، وكذلك إلى ما يصدر عنها من أسهم خلال السنة لمقابلة الزيادة في رأسمالها، ولو لم تمثل أسهمها في صكوك تدل عليها، وتعتبر سنداً مثبتاً لملكيتها، بل ولو لم يجر تسليمها لأصحابها، فضلاً عن أن ما نص عليه المشروع من استحقاق الضريبة من تاريخ مزاولة الشركة نشاطها، أو اعتباراً من تاريخ تأسيسها أيهما أسبق، مؤداه أنها تستحق “قبل أن تولد الشركة “قانوناً” فلا يكون القول بضرورة تمثيل الأسهم في صكوك تم تسليمها لأصحابها، إلا لغواً.
وحيث إن البين من مضبطة الجلسة الثامنة والخمسين المعقودة في 13/ 3/ 1995 والتي ناقش مجلس الشعب فيها، مشروع إلغاء نص المادة 83 التي كان قد فرض بها ضريبة الدمغة النسبية على الأوراق المالية، أن الضرائب بوجه عام ينبغي ألا تكون مجرد الجباية هدفها، بل يتعين ألا تعوق الاستثمار، وأن تكون حافزاً للادخار، كافلة للعدالة الاجتماعية، فلا تكون عبئاً غير مقبول، ولا تخالطها عشوائية تفقدها مبرراتها، وأن إلغاءها – وعلى رأسها ضريبة الدمغة النسبية على رأس المال، وكان مطلباً ثابتاً للجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، لا سيما وقد اعتبر المشرع الشركة أو الهيئة التي صدرت عنها الأوراق المالية، مسئولة عن توريد هذه الضريبة، رغم التزام أصحابها أصلاً بها، ودون ما اعتداد بما إذا كان نشاطها قد حقق ربحاً أم آل إلى خسارتها. وقد أقر رئيس الجمهورية وجهة النظر التي تدعو لإلغائها، وقرر وزير المالية في بيانه أمام المجلس، أنها تفرض على رأس المال المصدر – لا المدفوع – وأنها تحصل في بداية كل سنة من المسئولين عن توريدها، سواء بداً العمل في شركاتهم أو لم يبدأ، وأياً كان ناتج نشاطها. وحين سئل عن كيفية تعويض حصيلتها إذا ما تقرر إلغاؤها، أفاد بأن فرص الاستثمار التي تتهيأ بإلغائها، هي التي تكفل التعويض المرجو، بالنظر إلى العمالة الأكبر التي تتيحها، والقاعدة الإنتاجية الأغراض التي تقيمها، والتي ينمو الدخل في ظلها، وينكمش معها التضخم ويزداد معها الممولون وعياً وعدداً.
وحيث إن المدعية وآخرين ممن أدوا الضريبة محل النزاع الماثل، أقاموا مناعيهم في شأنها على سند من أن الأصل في الضريبة، أن يكون محلها إيراداً دورياً منتظماً، وهو ما يعني أن يكون وعاؤها دخلاً متجدداً، وأن يظل وعاؤها قائماً، فإذا زال بعد وجوده، أو كان غير محقق الوجود، أو كان استمرار تطبيقها مفضياً إلى تآكله، كان فرضها منافياً للدستور، وإذا جاز أن يكون رأس المال محلاً للضريبة ليقع عليه عبؤها، فذلك في الظروف الاستثنائية، ولمرة واحدة. والضريبة المطعون عليها وإن كان ظاهرها ليناً، إلا أن حقيقتها استنفاد لوعائها إذا استطال زمنها، فقد فرضها المشرع أصلاً وابتداءً على من يملكون أوراقاً مالية أو حصصاً أو أنصبة، ليؤديها هؤلاء من وعائها ممثلاً في قيمتها، وهو ما يعني حَمْلهم على اقتطاعها منه بغير حكم قضائي؛ وانصرافاً عن مفهوم الادخار الذي اعتبر الدستور حمايته، والحض عليه، واجباً وطنياً؛ وتخلياً عن اتسامها بالعدالة الاجتماعية التي أقامها بنياناً لكل ضريبة؛ وإهداراً لصون الملكية الخاصة التي تقوم في جوهرها على رأس المال غير المستغل، والتي لا يجوز المساس بها إلا استثناء، وفي الحدود التي نص الدستور عليها، ليكون فرض الضريبة المطعون عليها منافياً لمواده 34 و38 و39.
وحيث إن ما ذهبت إليه هيئة قضايا الدولة، من أن الملتزمين أصلاً بالضريبة، كان بوسعهم تجنبها لو أنهم وجهوا أموالهم لاستثمارها عن غير طريق الأوراق المالية التي حددتها المادة 83 من قانون الضريبة؛ مردود، بأن مصادرة حرية الفرد في اختيار الطريق الأفضل وفق تقديره لاستثمار أمواله، يناقض الحرية الشخصية التي اعتبرها الدستور حقاً طبيعياً لا يقبل تنازلاً، غائراً في النفس البشرية، كافلاً إنسانيتها. والأصل في كل عمل أن يكون مشروعاً، ولا تخرج بعض الأعمال من دائرة التعامل إلا إذا حظرها المشرع، فإذا كان التعامل في أموال بذاتها جائزاً، وكان استثمارها في نشاط معين ممكناً قانوناً، فإن الحمل على عدم ولوجها – من خلال الضريبة – يردها إلى دائرة عدم المشروعية، ويبلور منافاتها للعدالة الاجتماعية. والقول بأن مناعي المدعية خوض من جانبها في السياسة الضريبية التي يستقل المشرع بتقديرها؛ مردود، بأن الدستور قدر خطورة الضريبة العامة – وتندرج تحتها الضريبة المطعون عليها – بالنظر إلى تعلقها بجماهير غفيرة، ومساسها المباشر بمصالحها وتأثيرها بوجه عام في الأوضاع الاقتصادية، وكان لازماً بالتالي أن تراقبها هذه المحكمة – إذا ما طعن عليها – ضماناً لفرضها لمصلحة لها اعتبارها، وبمراعاة الأسس الموضوعية التي تقيم بنيانها الحق، على ضوء معايير تكفل عدالتها اجتماعيا، وتتحدد على ضوئها جميعاً مشروعيتها الدستورية، وعلى الأخص في مجال اتصال أهدافها بمضمون النصوص القانونية التي فرضتها.
وغير صحيح كذلك في القانون، ما تدعيه هذه الهيئة، من أن الضريبة المطعون عليها يبررها أنها تتناول مستثمرين يتداولون رؤوس أموال بذواتها ويضاربون عليها من خلال بورصة الأوراق المالية التي تكفل لهذا النوع من الاستثمار استمراره وتطويره، ومن ثم كان إسهامهم في أعباء إنشائها لازماً. غير صحيح ما تقدم، ذلك أن تداول الأوراق المالية التي حددتها المادة 83 من قانون هذه الضريبة، ليس شرطاً لاستحقاقها، بل تتناول الضريبة قيم رؤوس أموال بذواتها – سنداً أو سهماً أو حصة أو نصيباً – ولو لم تصدر صكوكها، بل ولو لم يجر تسليمها لأصحابها. ولا شأن لضريبة الدمغة النسبية بما يمكن أن يتولد عن رؤوس الأموال هذه من إيراد، بل يعتبر هذا الإيراد دخلاً لها، ينضم إلى غيره من الدخول التي يحققها الشخص، ليخضع صافي مجموعها، للضريبة السنوية التي فرضها قانون الضريبة على الدخل الصادر بالقانون رقم 178 لسنة 1993.
وحيث إن ما ذهبت إليه هيئة قضايا الدولة، من أن الضريبة المطعون عليها نوع من الزكاة مردود، بأن الزكاة فرضتها النصوص القرآنية، لا النصوص التشريعية الوضعية التي ترتد الضريبة المطعون عليها إليها في مصدرها. والزكاة كذلك – وباعتبارها من الأركان الأساسية للعقيدة الإسلامية – لا يجوز العدول عنها، ولا التعديل في أحكامها المقطوع بثبوتها ودلالتها، خلافاً لكل ضريبة إذ يجوز دوماً النظر فيها، وتغيير بنيانها، بل وإلغاؤها. والضريبة والزكاة مختلفتان – نطاقاً وعلة – وهما بالتالي متغايرتان، وتحملهما معاً، لا مخالفة فيه للدستور.
وحيث إن الضريبة المطعون عليها ضريبة عامة، لا يقتصر نطاق تطبيقها على رقعة إقليمية معينة تنبسط عليها دون سواها، ويتحدد المخاطبون بها في إطار هذه الدائرة وحدها، بل يعتبر تحقق الواقعة المنشئة لها على امتداد النطاق الإقليمي للدولة – وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية – مرتباً لدينها في ذمة الممول، بما مؤداه تكافؤ الممولين المخاطبين بها في الخضوع لها دون تمييز، وسريانها بالتالي – بالقوة ذاتها – كلما توافر مناطها في أية جهة داخل الحدود الإقليمية للدولة. ولا يعني ذلك أن يتماثل الممولون في مقدار الضريبة التي يؤدونها، بل يقوم التماثل على وحدة تطبيقها من الناحية الجغرافية، فالتكافؤ أو التعادل بينهم ليس فعلياً، بل جغرافياً.
وحيث إن الدستور أعلى شأن الضريبة العامة، وقدر أهميتها بالنظر إلى خطورة الآثار التي ترتبها، وبوجه خاص من زاوية جذبها لعوامل الإنتاج، أو طردها أو تقييد تدفقها، وما يتصل بها من مظاهر الانكماش أو الانتعاش، وتأثيرها بالتالي على فرص الاستثمار والادخار والعمل وتكلفة النقل وحجم الإنفاق؛ وكان الدستور – نزولاً على هذه الحقائق واعترافاً بها – قد مايز بين الضريبة العامة وغيرها من الفرائض المالية، فنص على أن أولاهما لا يجوز فرضها أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون، وأن ثانيتهما يجوز إنشاؤها في الحدود التي يبينها القانون. ولازم ذلك أن السلطة التشريعية هي التي تقبض بيدها على زمام الضريبة العامة، إذ تتولى بنفسها تنظيم أوضاعها بقانون يصدر عنها، متضمناً تحديد نطاقها، وعلى الأخص من خلال تحديد وعائها وأسس تقديره، وبيان مبلغها، والملتزمين أصلاً بأدائها، والمسئولين عنها، وقواعد ربطها وتحصيلها وتوريدها، وكيفية أدائها، وغير ذلك مما يتصل ببنيان هذه الضريبة، عدا الإغفاء منها، إذ يجوز أن يتقرر في الأحوال التي يبينها القانون.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، فإن نص القانون يعتبر مصدراً مباشراً للضريبة العامة، إذ ينظم رابطتها محيطاً بها في إطار من قواعد القانون العام، متوخياً تقديراً موضوعياً ومتوازناً لمتطلبات وأسس فرضها، وبمراعاة أن حق الدولة في إنشائها لتنمية مواردها، ينبغي أن يقابل بحق الملتزمين أصلاً بها، والمسئولين عنها، في تحصيلها وفق أسس موضوعية، يكون إنصافها نافياً لتحيفها، فلا تتسم بوطأة الجزاء بما يباعد بينها وبين الأغراض المالية التي ينبغي أن تتوخاها أصلاً، ولا يناقض معدلها وأحوال فرضها الضوابط اللازمة لعدالتها الاجتماعية.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الدستور – إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة – كفل بالمادتين 32 و34 حمايتها لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً، ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء – وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها – باعتبارها عائدة في الأعم من الأحوال إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها، معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أدواتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام، هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً في كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التي تعينها على أداء دورها في إطار وظيفتها الاجتماعية. ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التي تتطلبها هذه الوظيفة التي تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التي ينبغي رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعي معين، في بيئة بذاتها لها مقوماتها وتوجهاتها، وبمراعاة أن القيود التي يفرضها الدستور على حق الملكية للحد إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة.
وحيث إن الحماية التي أظل بها الدستور الملكية الخاصة لضمان صونها من العدوان، تمتد إلى الأموال جميعها دون تمييز بينها، باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية، سواء أكان هذا الحق شخصياً أم عينياً، أم كان من حقوق الملكية الأدبية والفنية أو الصناعية؛ وكان لا يجوز على ضوء هذه الحماية، فرض ضريبة على رؤوس أموال المكلفين بها بما يجتثها أو يقلصها إلى حد كبير، لتخرج بتمامها أو في كثير من أجزائها من يد أصحابها، مما يفقد الضريبة وظيفتها الأساسية بوصفها “إسهاماً منطقياً” من الملتزمين بأدائها في تحمل نصيبهم من الأعباء العام لتغطية تكلفتها. والأدق أن يقال أن ضريبة على هذا النحو، عدوان على رؤوس هذه الأموال، ينال من قيمتها، ويحول دون تراكمها لبناء قاعدة اقتصادية أعرض. ومن ثم كان للضريبة مجال طبيعي يتصل بتطبيقاتها في الأعم من الأحوال، وذلك من خلال ربطها بصور الإيراد التي يقدر المشرع ملاءمة إخضاعها للضريبة، ليكون الدخل بذلك محوراً لها، ناجماً عن استثمار رؤوس الأموال في ألوان من التعامل جائزة قانوناً، وهو ما يعني أن الدخل – وباعتباره إيراداً متجدداً – يمثل من الضريبة مجالها الأكثر فاعلية، سواء كان هذا الإيراد ناجماً عن قيم منقولة، أم عن المهن غير التجارية، أم عن الثروة العقارية، أم كان مرتباً أم ربحاً صافياً محققاً من غير ذلك من المصادر، ومن ثم كان الدخل وعاءً أساسياً للضريبة، متطلباً فيها كشرط مبدئي لموضوعيتها وعدالتها. ولا يجوز بالتالي أن تكون رؤوس الأموال ذاتها وعاءً لها، إلا بصورة استثنائية لا تعطل حقاً دستورياً، وبقدر الضرورة، وبما لا ينتزعها أو يؤول إلى تآكلها، ويفترض ذلك لزوماً ألا يكون تطبيق الضريبة التي فرضها المشرع عليها ممتداً في الزمان إلى غير حد، ولا أن تكون لها وطأة الجزاء، ولا أن “تظلها أغراض الجباية” لتهيمن عليها محددة مسارها.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان قانون ضريبة الدمغة المطعون عليها، قد فرضها على رؤوس أموال بذواتها – سنداً أو سهماً أو حصة أو نصيباً – فاعتبرها وعاءً لها محملاً أصحابها بعبئها بوصفهم ملتزمين أصلاً بها، بما مؤداه ربط الضريبة بقيم هذه الأصول واقتضائها منها، فلا تزايلها أو تتحول عنها، ليكون إسناد الضريبة إليها – واطراد زمن تطبيقها – عاصفاً بها أو محدداً مجال حركتها، باعتبارها ضماناً لتحصيل الضريبة التي فرضها المشرع في شأنها. وهي بعد ضريبة يستأديها من أصحابها سنوياً – ومقدماً – بناءً على مجرد تملكهم لها، ومن ثم تكون “واقعة الملكية” – في ذاتها – هي المنشئة للضريبة المطعون عليها. سواء كانت الأسهم أو السندات أو الحصص أو الأنصبة التي حملها المشرع بعبئها، تغل أو لا تنتج دخلاً. فليس لدخلها – وجوداً أو عدماً – من أثر على نفاذ الضريبة المطعون عليها، بل يظل رأس المال المحمل بها، وعاءً لها، وسعرها منسوباً إلى قيمته الاسمية أو الفعلية، ومبلغها مستنزلاً من قيم هذه الأموال ذاتها انتهاء إلى امتصاصها، بما يعيبها دستورياً ويفقدها مقوماتها، ليحيلها عدماً، ذلك أن الضريبة التي يكون أداؤها واجباً قانوناً – وعلى ما تنص عليه المادتان 61 و119 من الدستور – هي التي تتوافر لها قوالبها الشكلية، وإلى جانبها أسسها الموضوعية محدد مفهومها على ضوء العدالة الاجتماعية، والتي تعتبر محوراً لتنظيم الضريبة في الحدود المنصوص عليها في المادة 38 من الدستور.
وحيث إن منافاة الضريبة المطعون عليها للعدالة الاجتماعية، تبدو كذلك من زاوية اتصال تطبيقها بالمسئولين عن أدائها، وهي الهيئة أو الشركة المصدرة للورقة المالية (سهماً كانت أم سنداً) أو للحصة أو النصيب, ذلك أن الفقرة الثانية من المادة 86 من قانون هذه الضريبة، تلزمها بأن تؤديها إلى مصلحة الضرائب خلال الخمسة عشر يوماً الأولى من يناير من كل سنة، ليقوم التزامها بتوريد هذه الضريبة إلى جوار المدينين أصلاً بها وفقاً لفقرتها الأولى، وهم أصحاب هذه الأوراق أو الحصص أو الأنصبة التي افترض المشرع قيام صله بينها وبينهم تسوغ حملها على توريد الضريبة إلى جانبهم, وهي صلة واهية انتحلها المشرع تقوية من جهته لضمان إيفاء الضريبة في موعدها وتيسيراً لتحصيلها، ذلك أن الضريبة المطعون عليها – وعلى ما تقدم – محلها أوراق مالية أو حصص أو أنصبة أخرجتها الهيئة أو الشركة المصرية التي أصدرتها من ملكيتها، بنقلها الحق فيها إلى آخرين.
وإصدارها لها يفصلها عنها، وليس لها من شأن بتداولها ولا بما ينجم عن التعامل فيها من إيراد، بل مرد ومردود ذلك إلى أصحابها.
بيد أن قانون هذه الضريبة، حمل الجهة المصدرة لها بعبئها، وجعلها مسئولة عن توريدها من رأسمالها المصدر الذي قد يزيد كثيراً على رأس مالها المدفوع، وألزمها بأدائها مقدماً، سواء أكان العمل بها قد بدأ، أم كان لا زال في مرحلة التحضير، وسواء كان نشاطها قد مضى قدماً محققاً ربحاً، أم كان متعثراً متراجعاً كاشفاً عن خسائر أصابتها مهما بلغ عمقها ومداها، وسواء كان وجودها قانوناً محققاً، أم كان كيانها غير مكتمل، بما مؤداه إضرار الضريبة المطعون عليها بمركزها المالي، وتسويتها لفرص توجيهها لجهودها، وحشدها لتحقيق الأغراض التي تقوم أصلاً عليها.
وقد دل المشرع على أن سعيه لتحصيل الضريبة، كان توجهاً منهما بما نص عليه في المادة 85 من قانونها من سريانها اعتباراً من تاريخ مزاولة الشركة لعملها، أو من تاريخ صدور القرار المرخص في تأسيسها، أو اعتباراً من نشر المحرر المتعلق بتأسيسها، أيها أسبق زمناً، لتكون الجباية في ذاتها هدفاً منظوراً ورئيسياً لهذه الضريبة، فلا تمتد إليها حماية الدستور، وهو ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة التي تقرر “ليس ثمة مصلحة مشروعة ترتجى من وراء إقرار تنظيم تشريعي يتوخى مجرد تنمية موارد الدولة من خلال فرض ضريبة تفتقر إلى قوالبها الشكلية أو لا تتوافر – في أركانها ودوافعها – الأسس الموضوعية التي ينبغي أن تقوم عليها، ذلك أن جباية الأموال في ذاتها، لا تعتبر هدفاً يحميه الدستور، بل يتعين أن تتم وفق قواعده وبالتطبيق لأحكامه”.
وحيث إن المشرع عزز اتجاهه إلى تحصيل الضريبة المطعون عليها، بغض النظر عن عواقبها بما نص عليه في البند (ب) من المادة 83 من قانونها من فرضها على القيمة الاسمية للأوراق غير المقيدة في البورصة أو المقيدة بها “التي ترى مصلحة الضرائب أن العمليات التي تمت بشأنها من القلة بحيث لا يمثل متوسط أسعارها القيمة الحقيقية لها” بما مؤداه، أنه حتى ولو أسفرت العمليات التي جرت في شأن الورقة المالية، عن تضاؤل قيمتها، فإن قلة هذه العمليات – وفق تقدير الجهة الدائنة بالضريبة – تخولها محاسبة الملتزمين أصلاً بها، والمسئولين عن أدائها، على ضوء القيمة الاسمية – لا الفعلية – للورقة المالية. وهي عين القاعدة التي التزمها المشرع في شأن ضريبة الدمغة النوعية التي فرضها على حصص التأسيس وفقاً للبند (د) من المادة 83 المشار إليها.
وحيث إن الأصل أن يتوخى المشرع بالضريبة التي يفرضها أمرين، يكون أحدهما أصلاً مقصوداً منها ابتداء primary motive، ويتمثل في الحصول على غلتها لتعود إلى الدولة وحدها، تصبها في خزانتها العامة لتعينها على مواجهة نفقاتها؛ ويكون ثانيهما مطلوباً منها بصفة عرضية أو جانبية، أو غير مباشرة Incidential Motive كاشفاً عن طبيعتها التنظيمية Regulatary Nature، دالاً على التدخل بها لتغيير بعض الأوضاع القائمة، وبوجه خاص من خلال تقييد مباشرة الأعمال التي تتناولها، أو حمل المكلفين بها – عن طريق عبئها – على التخلي عن نشاطهم، وعلى الأخص إذا كان مؤثماً جنائياً، كالتعامل في المواد المخدرة.
وهذه الآثار العرضية للضريبة كثيراً ما تلازمها، وتظل للضريبة مقوماتها من الناحية الدستورية، ولا تزايلها طبيعتها هذه، لمجرد أنها تولد أثاراً عرضية بمناسبة إنشائها.
وحيث إن الضريبة المطعون عليها – ومن زاوية آثارها العرضية – تلحق بفرص الاستثمار أفدح الأضرار، وهي كذلك تعوق الادخار الذي اعتبره الدستور واجباً قومياً، وليس أدل على ذلك، من أن وزير المالية حين سئل عن كيفية تعويض حصيلتها بعد إلغائها، كان قاطعاً في أن إلغاءها يوفر ظروفاً أفضل للاستثمار، تزداد بها العمالة، وينكمش معها التضخم، ويدور في نطاقها رأس المال، من خلال قاعدة إنتاجية أعرض، كاشفاً بذلك عن أن فرض هذه الضريبة كان عملاً عشوائياً منافياً لعدالتها الاجتماعية، مجاوزاً الحدود التي يكون فيها أداؤها واجباً قانوناً، معطلاً دورها في مجال تحقيق الكفاية والعدل اللذين جعلهما الدستور أساساً للنظام الاقتصادي، وغدا تحصيلها بالتالي مجرد جباية لا ضابط لها ولا يستقيم بنيانها وفق الأسس الموضوعية التي لا تقوم الضريبة دستورياً في غيابها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفاً أحكام المواد 4 و23 و32 و34 و38 و119 و120 من الدستور.
وحيث إن المواد 84 و85 و86 و87 من قانون هذه الضريبة – قبل إلغائها – ترتبط بنص المادة 83 المطعون عليها ارتباطاً لا يقبل التجزئة، بحيث لا يمكن فصلها عنها أو تطبيقها استقلالاً، فإنها تسقط جميعاً تبعاً لإبطال النص المطعون فيه، ولا تقوم لها من بعد من قائمة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة 83 من قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980 وبسقوط مواده 84 و85 و86 و87 المرتبطة بها، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.


– استناداً إلى الحجية المطلقة لهذا الحكم قضت المحكمة – خلال الفترة التي صدر عنها هذا الجزء من أحكامها – باعتبار الخصومة منتهية في الدعاوى المماثلة الآتية:-
1- الدعوى رقم 10 لسنة 17 ق دستورية جلسة 5/ 10/ 1996.
2- الدعوى رقم 33 لسنة 17 ق دستورية جلسة 5/ 10/ 1996.
3- الدعوى رقم 89 لسنة 17 ق دستورية جلسة 5/ 10/ 1996.
4- الدعوى رقم 13 لسنة 18 ق دستورية جلسة 16/ 11/ 1996.