الخط الساخن : 01118881009

جلسة 1 فبراير سنة 1997

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر -رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (24)
القضية رقم 65 لسنة 17 قضائية “دستورية”

1- دفع بعدم الدستورية “تقدير جديته”.
ليس من المتصور – في مجال تقدير جدية الدفع بعدم الدستورية – أن تتعمق محكمة الموضوع في المسائل الدستورية محله. حسب محكمة الموضوع أن يكون قرارها بتقدير جدية الدفع ضمنياً.
2- دعوى دستورية “نطاقها”.
يتحدد نطاق الدعوى الدستورية على ضوء النصوص القانونية التي اتصل بها الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع.
3- دعوى دستورية “تجهيل بالمسائل الدستورية”.
لا تجهيل إذا كان إعمال النظر في المسائل الدستورية المثارة في الدعوى يفصح عن حقيقتها.
4- اختصاص “المحكمة الدستورية العليا”.
عدم جواز تنصل المحكمة من اختصاص نيط بها وفقاً للدستور أو القانون أو كليهما.
5- دعوى دستورية – دعوى موضوعية “تكييفها”.
لكل من الدعويين الدستورية والموضوعية ذاتيتها ومقوماتها فلا تختلطان – محكمة الموضوع هي وحدها التي تفصل في توافر شروط الخصومة المرددة أمامها وتستقل بتكييفها.
6- دعوى دستورية – قاعدة قانونية “إلغاؤها”.
إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها.
7- دستور “المادة الثانية” – شريعة إسلامية.
اعتباراً من تاريخ العمل بتعديل المادة الثانية من الدستور في 22/ 5/ 1980 غدت السلطة التشريعية مقيدة فيما تقره من النصوص القانونية بألا تناقض أحكامها مبادئ الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة مصدراً وتأويلاً.
8- تشريع “البند جـ من المادة 21 من قانون رسوم التوثيق والشهر قبل تعديلها بالقانون رقم 6 لسنة 1991: مؤداه”.
مؤدى القواعد التي يتضمنها هذا البند أنها تمثل حداً أدنى لقيمة العقار التي يحصل الرسم النسبي على مقتضاها – جواز تكملة هذه القيمة بما قد يظهر من زيادة فيها – نسبة الرسم المستحق إلى تلك القيمة.
9- دستور “ملكية خاصة: حماية”.
امتداد الحماية التي فرضها الدستور للملكية الخاصة أياً كانت أشكالها – عدم جواز إرهاق القيود المفروضة عليها الحقوق المتفرعة عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية.
10- دستور “العدل: مفهومه” – أعباء.
اقتران العدل ببعض نصوص الدستور – خلو الدستور من تحديد لمفهوم العدل – من المتعين أن يكون العدل محدداً من منظور اجتماعي – موازنة الأعباء التي يفرضها المشرع على المواطنين بالعدل فيكون تطبيقها فيما بينهم إنصافاً.
11- دستور “عدالة اجتماعية” – ضريبة “عدالتها”.
تطلب الدستور أن تكون العدالة الاجتماعية مضموناً لمحتوى النظام الضريبي، من الضروري أن يكون العدل من منظور اجتماعي – مهيمناً على الضريبة بكل صورها محدداً الشروط الموضوعية لاقتضائها – نائياً عن التمييز بينها دون مسوغ.
12- تشريع “البند جـ من المادة 21 من قانون رسوم التوثيق والشهر: تباين القيمة: غرض الجباية”.
عدم تحديد هذا البند قيمة العقار بمعايير دقيقة تنضبط بها أسس تقديرها – اتخاذه من الجباية منهاجاً – دل العمل على تباين القيم التي قدرها لأموال عقارية متماثلة مواقعها ومكوناتها – تعزيز المشرع اتجاهه للجباية بنظام التحري عن القيمة الحقيقية للعقار بعد تمام عملية الشهر لإخضاع ما قد يظهر من زيادة لرسوم تكميلية.
13- تشريع “البند جـ من المادة 21 من قانون رسوم التوثيق والشهر” – رسوم تكميلية: “عدل اجتماعي” – عدوان على الملكية.
طلب رسوم تكميلية من ذوي الشأن مصادم لتوقعهم المشروع، فعبؤها لم يكن ماثلاً في أذهانهم عند التعامل – فرضها نوع من المداهمة التي تفتقر لمبرراتها – إخلالها بحقائق العدل الاجتماعي – إهدار المشرع لهذه الحقائق هو عدوان على الملكية الخاصة من خلال اقتطاع بعض عناصرها دون مسوغ.
14- حق التقاضي: “تنظيمه”.
جواز تنظيم المشرع لحق التقاضي بما لا يهدره أو يقيد من نطاقه – يلزم أن يكون هذا التنظيم مرناً، فلا يكون إفراطاً ولا تفريطاً مجافياً لمتطلبات الخصومة القضائية.
15- تشريع “المادة 26 من قانون رسوم التوثيق والشهر: درجة واحدة”.
ميعاد الثمانية أيام المقررة للتظلم من أمر التقدير خلالها مرتبط بتنظيم المشرع للحق في الدعوى، مما يدخل في سلطته التقديرية – قصر التقاضي وفقاً لهذا النص على درجة واحدة مما يجوز دستورياً كلما كان هذا القصر مستنداً إلى أسس موضوعية.
1- الدفع بعدم الدستورية المبدي من المدعية أمام محكمة الموضوع انصب على مخالفة المادتين 21 و26 من القانون رقم 70 لسنة 1964 بشأن رسوم التوثيق والشهر للدستور. وليس متصوراً – في مجال تقدير جديته – أن تتعمق محكمة الموضوع المسائل الدستورية التي طرحتها المدعية عليها، ولا أن تفصل فيها بقضاء قطعي يكون منهياً لولاية المحكمة الدستورية العليا التي يعود إليها وحدها أمر الفصل في بطلان النصوص القانونية أو صحتها، بعد أن تسلط عليها ضوابط الرقابة على الشرعية الدستورية، وتزنها على ضوء مناهجها ومعاييرها. تقدير محكمة الموضوع جدية المطاعن الدستورية المثار أمامها، ليس لازماً أن يكون صريحاً، حسبها أن يكون قرارها في هذا الشأن ضمنياً. ويعتبر كذلك تعليقها الفصل في النزاع الموضوعي على البت في المسائل الدستورية التي اتصل بها.
2- نطاق الدعوى الدستورية يتحدد على ضوء النصوص القانونية التي اتصل بها الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع. وإذ كان الدعوى الموضوعية تفصح عن تجريح المدعية للمادتين 21 و26 من القرار بقانون رقم 70 لسنة 1964 بشأن رسوم التوثيق والشهر – قبل تعديلهما بالقانون رقم 6 لسنة 1991 – فإن نطاق الدعوى الدستورية يتحدد بالفصل في دستوريتهما.
3- التجهيل بالمسائل الدستورية أو ببعض جوانبها، يفترض أن يكون بيانها قد غمض فعلاً بما يحول عقلاً دون تجليتها، فإذا كان إعمال النظر في شأنها – وعلى الأخص من خلال الرباط المنطقي للوقائع المؤدية إليها – يفصح عن حقيقتها، وما قصد إليه الطاعن حقاً من إثارتها، فإن القول بمخالفة نص المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا، يكون لغواً.
4، 5- المحكمة الدستورية العليا لا يجوز أن تتنصل من اختصاص نيط بها وفقاً للدستور أو القانون أو كليهما. وعليها كذلك ألا تخوض في اختصاص ليس لها، ذلك أن مجاوزتها لولايتها أو تنصلها منها ممتنعان دستورياً؛ وكان من المقرر كذلك أن لكل من الدعويين الدستورية والموضوعية ذاتيتها ومقوماتها، فلا تختلطان ببعضهما ولا تتحدان في شرائط قبولهما؛ وكان قضاء هذه المحكمة مطردَّاً كذلك على أن محكمة الموضوع هي التي تفصل دون غيرها في توافر شروط قبول الخصومة المرددة أمامها، وأنها تستقل كذلك بتكييفها، فلا تنازعها المحكمة الدستورية العليا في شيء من ذلك، وإلا كان موقفها منها افتئاتاً على ولايتها أو تجريحاً لقضاء قطعي صادر عنها. متى كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي ينحل في تقدير محكمة الموضوع إلى تظلم المدعية من مقدار الرسوم التي قدرتها عليها مصلحة الشهر العقاري والتوثيق، فإن طعنها في النصوص القانونية التي تتصل بهذا التقدير، مما تقوم به مصلحتها الشخصية المباشرة.
6- إن قضاء هذه المحكمة قد جرى، على أن إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها، لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة، ذلك أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التي تتم من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها. فإذا استعيض عنها بقاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها. وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من هاتين القاعدتين. فما نشأ في ظل القاعدة القانونية القديمة من المراكز القانونية، وجرت آثارها خلال فترة نفاذها، يظل خاضعاً لحكمها وحدها.
7- حكم المادة الثانية من الدستور، بعد تعديلها في 22 مايو سنة 1980- يدل على أن الدستور أوردها ليفرض بمقتضاها – واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل – قيداً على السلطة التشريعية يلزمها فيما تقره من النصوص القانونية، بألا تناقض أحكامها مبادئ الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة – مصدراً وتأويلاً – بعد أن اعتبرها الدستور مرجعاً ترد إليه هذه النصوص فلا تعارضها، ودون ما إخلال بالضوابط الأخرى التي فرضها الدستور على السلطة التشريعية وقيدها بمراعاتها في ممارستها لاختصاصاتها التشريعية. وإذ كان الأصل في كل مصدر ترد إليه النصوص القانونية لضمان اتساقها مع مقتضاه، أن يكون أسبق وجوداً من هذه النصوص ذاتها، فإن مجال إعمال نص المادة الثانية من الدستور، يكون بالضرورة مرتبطاً بالنصوص القانونية التي تصدر بعد نفاذ التعديل الذي أدخله الدستور عليها دون سواها، لينحسر بالتالي عن النصوص المطعون عليها الصادرة قبل العمل بتعديل المادة الثانية من الدستور، والتي لم يلحقها منذ صدورها تغيير ينال من محتواها بما يؤثر في الحقوق التي تطلبها المدعية بمناسبة تطبيقها عليها، ومن ثم يكون النعي عليها بمخالفتها نص المادة الثانية من الدستور، غير سديد.
8- الرسم النسبي – في الأحوال لتي يقدر فيها على أساس قيمة العقار أو المنقول – إنما يقدر مبدئياً وفق القواعد التي فصلها البند (جـ) من المادة 21 من قانون رسوم التوثيق والشهر قبل تعديلها بالقانون رقم 6 لسنة 1991، وأن إتمام التقدير على هذا النحو لا يعني أن يصير نهائياً، بل يجوز إعادة النظر فيه من قبل خبراء يتحرون عن القيمة الحقيقية للعقار أو المنقول. بما مؤداه أن القواعد التي يتضمنها البند (جـ) من المادة 21 المطعون عليها، إنما تمثل حداً أدنى لقيمة العقار التي يحصل الرسم النسبي على مقتضاها، وهي بعد قيمة يجوز تكملتها بما قد يظهر من زيادة فيها، ليوازيها الرسم المستحق، فلا يكون منسوباً إلا إليها.
9- الحماية التي فرضها الدستور للملكية الخاصة، تمتد إلى كل أشكالها وتقيم توازناً دقيقاً بين الحقوق المتفرعة عنها، والقيود التي يجوز فرضها عليها، فلا ترهق هذه القيود ذلك الحقوق بما ينال من محتواها أو يقلص دائرتها، لتغدو الملكية في واقعها شكلاً مجرداً من المضمون، وإطاراً رمزياً لحقوق لا قيمة لها عملاً، فلا تخلص لصاحبها، ولا يعود عليه ما يرجوه منها إنصافاً، بل تثقلها تلك القيود لتنوء بها، مما يخرجها عن دورها كقاعدة للثروة القومية التي لا يجوز استنزافها من خلال فرض قيود لا تقتضيها وظيفتها الاجتماعية.
وهو ما يعني أن الأموال بوجه عام ينبغي أن توفر لها من الحماية ما يعُينها على أداء دورها، ويكفل اجتناء ثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، وبما يقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها. ولم يعد جائزاً بالتالي أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها، أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن بعض أجزائها، أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصباً أدخل إلى مصادرتها.
10- الدستور، وأن قرن العدل بكثير من النصوص التي تضمنها كالمواد 4 و23 و53 و57، وخلا في الوقت ذاته من كل تحديد لمعناه، إلا أن مفهوم العدل – سواء بمبناه أو أبعاده – يتعين أن يكون مُحَدداً من منظور اجتماعي، باعتبار أن العدل يتغيا التعبير عن تلك القيم الاجتماعية التي لا تنفصل الجماعة في حركتها عنها، والتي تبلور مقاييسها في شأن ما يعتبر حقاً لديها، فلا يكون العدل مفهوماً مطلقاً ثابتاً باطراد، بل مرناً ومتغيراً وفقاً لمعايير الضمير الاجتماعي ومستوياتها، وهو بذلك لا يعدو أن يكون نهجاً متواصلاً منبسطاً على أشكال من الحياة تتعدد ألوانها، وازناً بالقسط تلك الأعباء التي يفرضها المشرع على المواطنين، فلا تكون وطأتها على بعضهم عدواناً، بل تطبيقها فيما بينهم إنصافاً، وإلا صار القانون منهياً للتوافق في مجال تنفيذه، وغدا إلغاؤه لازماً.
11- الأعباء التي يجوز فرضها على المواطنين بقانون أو في الحدود التي يبينها – سواء كان بنيانها ضريبة أو رسماً أو تكليفاً آخر – هي التي نظمها الدستور بنص المادة 199؛ وكانت المادة 38 من الدستور، وإن خص بها النظام الضريبي متطلباً أن تكون العدالة الاجتماعية مضموناً لمحتواه، وغاية يتوخاها، فلا تنفصل عنها النصوص القانونية التي يقيم المشرع عليها النظم الضريبية على اختلافها، إلا أن الضريبة بكل صورها، تمثل في جوهرها عبئاً مالياً على المكلفين بها، شأنها في ذلك شأن غيرها من الأعباء التي انتظمتها المادة 119 من الدستور، ويتعين بالتالي – وبالنظر إلى وطأتها وخطورة تكلفتها – أن يكون العدل من منظور اجتماعي، مهيمناً على هذه الأعباء بكل صورها، محدداً الشروط الموضوعية لاقتضائها، نائياً عن التمييز بينها دون مسوغ، فذلك وحده ضمان خضوعها لشرط الحماية القانونية المتكافئة التي كفلها الدستور للمواطنين جميعاً في شأن الحقوق عينها، فلا تحكمها إلا مقاييس موحدة لا تتفرق بها ضوابطها.
12- لم يحدد البند (جـ) من المادة 21 المشار إليها، قيمة العقار – في الأحوال التي ينص فيها على تقدير الرسم النسبي على أساس هذه القيمة – وفق ما هو مدون بشأنها في المحرر محل الشهر، ولا هو استعاض عنها – وعلى ما جاء بالأعمال التحضيرية للقانون رقم 6 لسنة 1991- بمعايير دقيقة تنضبط بها أسس التقدير، فلا يكون تطبيقها محل نزاع، وإنما اتخذ من الجباية منهاجاً، متوخياً أن يوفر عن طريقها – وعلى غير أسس موضوعية – موارد للدولة تعينها على إشباع جانب من احتياجاتها، بل إنها أدرجتها فعلاً بموازنتها على ضوء توقعها الحصول عليها من خلال رسومها عن أعمال التوثيق والشهر.
وهو ما يعني ملاحقتها الممولين من أجل استئدائها تأميناً لمبلغها، ورغم ما دل عليه العمل من تباين القيم التي قدرتها لأموال عقارية تتماثل مواقعها ومكوناتها، وجنوحها بالتالي إلى المغالاة في تقدير رسومها، وعلى الأخص من خلال ما قرره هذا البند من التمييز بين الأموال التي يتناول الشهر محرراتها، تبعاً لموقعها، فلا يقل سعر المتر المربع بشأنها عن مائة وخمسين جنيهاً في الأماكن السياحية، ولا عن خمسين جنيهاً فيما عداها، ورجوعها كذلك في تحديد هذه الأماكن إلى القرارات الصادرة بشأنها، ودون ما اعتداد بتعلقها بغير الأغراض التي صدر قانون رسوم التوثيق والشهر من أجلها، ولا بأن الأصل في تلك الأماكن هو احتواء مكوناتها على قيم تعكس تراثاً تاريخياً أو حضارياً أو جمالياً أو بيئياً أو دينياً، ولا شأن لها بالتالي بأموال يتم التعامل فيها من خلال قيمتها السوقية.
13- عزز المشرع اتجاه الجباية التي استهدفها بالبند المطعون فيه – والتي كان من شأنها وقوع منازعات عديدة بين مصلحة الشهر العقاري والتوثيق والمتعاملين معها – بنظام التحري عن القيمة الحقيقية للعقار بعد تمام عملية الشهر واستكمال إجراءاتها، تمهيداً لإخضاع ما قد يظهر من زيادة في هذه القيمة لرسوم تكميلية يكون طلبها من ذوي الشأن مصادماً لتوقعهم المشروع، فلا يكون مقدارها معروفاً قبل الشهر، ولا عبؤها ماثلاً في أذهانهم عند التعامل، فلا يزنون خطاهم على ضوء تقديرهم سلفاً لها ولا يعرفون بالتالي لأقدامهم مواقعها، بل تباغتهم المصلحة بها، ليكون فرضها نوعاً من المداهمة التي تفتقر لمبرراتها، ومن ثم حرص القانون رقم 6 لسنة 1991 بتعديل قانون رسوم التوثيق والشهر على اقتلاعها بإلغاء رخصتها، ضماناً لاستقرار الملكية العقارية التي لا يجوز زعزعتها بما يلحق الضرر بأوضاع بيئتها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ويرتد بنظم شهرها على أعقابها إذا أحجم المواطنون عن ولوجها، وإخلالاً – فوق هذا – بحقائق العدل الاجتماعي التي احتضن بها الدستور الأعباء المالية على اختلافها، محدداً على ضوئها شروط اقتضائها، فإذا أهدرها المشرع – مثلما هو الحال في النزاع الماثل – كان ذلك عدواناً على الملكية الخاصة من خلال اقتطاع بعض عناصرها دون مسوغ.
14- لكل حق دائرة يعمل فيها، ولا يتنفس إلا من خلالها، ويعتبر صونها لازماً لفعالية ممارسته، فلا يجوز أن يقتحمها المشرع، ولا أن ينظم الحق موضوعها إلا فيما وراء حدودها الخارجية، شأن حق التقاضي في ذلك شأن غيره من الحقوق التي لا يجوز القول بمصادرتها أو انتقاصها من أطرافها، إلا إذا أهدرها المشرع أو قيد من نطاقها، مؤثراً بذلك في مجالها الحيوي.
ولا يتقيد تنظيم المشرع لحق التقاضي بأشكال جامدة لا يجوز أن يتحول المشرع عنها، ولا بأنماط محددة تفرغ قوالبها في صورة صماء لا تبديل فيها، وإنما يقدر المشرع لكل حالة ما يناسبها على ضوء الأوضاع التي يباشر هذا الحق عملاً في إطارها، وبما لا يصل إلى حد إهداره، ليظل هذا التنظيم مرناً، فلا يكون إفراطاً يطلق الخصومة القضائية من عقالها انحرافاً عن أهدافها، ولا تفريطاً مجافياً لمتطلباتها، بل بين هذين الأمرين قواماً، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق في صورتها الأكثر اعتدالاً.
15- ميعاد الثمانية أيام التي أجاز المشرع التظلم خلالها من أمر التقدير، يعتبر متصلاً بالشروط التي تطلبها لجوازه. ومرتبطاً بالتالي بتنظيم المشرع للحق في الدعوى، مما يدخل في نطاق سلطته التقديرية.
ولا ينفتح ميعاد الثمانية أيام إلا من تاريخ إعلان أمر التقدير لكل ذي شأن فيه. ومجرد التظلم من أمر التقدير أمام المحضر عند إعلانه، يعتبر كافياً لاتصال خصومة الطعن بالمحكمة الابتدائية التي ناط بها المشرع الفصل فيه، واختصها بإنزال حكم القانون في هذا النزاع على الوقائع التي تخلص إليها، مقيدة في ذلك بضوابط العمل القضائي وضماناته، وتلك جميعاً أشكال إجرائية حد بها المشرع في الآثار السلبية لقِصَر ميعاد التظلم، ولا ينال من جدواها، أن يكون الطعن في الحكم الصادر في التظلم في أمر التقدير ممتنعاً، ذلك أن قصر التقاضي – في المسائل التي فصل حكم قضائي فيها – على درجة واحدة مما يجوز دستورياً، كلما كان هذا القصر مستنداً إلى أسس موضوعية، كتلك التي تقتضيها سرعة إنهاء صور من المنازعات بالنظر إلى طبيعتها.


الإجراءات

في الثاني والعشرين من أكتوبر سنة 1995، أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبة الحكم بعدم دستورية البند (جـ) من المادة 21، وكذلك المادة 26 من القرار بقانون رقم 70 لسنة 1964 بشأن رسوم التوثيق والشهر.
وقدمت هيئة الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن مصلحة الشهر العقاري والتوثيق كانت تستحق رسوماً قبل المدعية مقدارها 214140.535 جنيهاً عن تسجيل المدعية لعقد شرائها عشرين قيراطاً بحوض الشيخ حسن رقم 8 بناحية أهناسيا.
وإزاء عدم وفائها بالرسوم المطلوبة منها بعد صدور أمر بتقدير مبلغها، فقد بادرت مصلحة الشهر العقاري والتوثيق إلى اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري على قطعة الأرض هذه، ثم تدخلت في الدعوى رقم 323 لسنة 1988 بيوع بوصفها مشترية لها، وقضى بإيقاع البيع عليها بمبلغ عشرين ألفاً من الجنيهات.
وقد قامت المصلحة بتسجيل حكم إيقاع البيع الصادر لصالحها مع إعلان المدعية بذلك مما حملها على أن تقيم ضدها دعويين، أولاهما: هي الدعوى رقم 44 لسنة 1995 مدني جزئي أهناسيا بطلب إعادة تقدير الرسوم التي تستحقها مصلحة الشهر العقاري والتوثيق قبلها على ضوء أحكام القانون رقم 6 لسنة 1961. وقد أحالتها محكمة أهناسيا الجزئية إلى محكمة بني سويف الابتدائية للاختصاص حيث قيدت لديها برقم 493 سنة 1995 مدني كلي بني سويف. وثانيتهما: برقم 65 سنة 1995 مدني أمام محكمة أهناسيا الجزئية بطلب الحكم ببطلان تسجيل حكم إيقاع البيع واعتباره كأن لم يكن، ومحو التأشيرات المترتبة عليه.
وهذه الدعوى هي التي كيفتها محكمة أهناسيا الجزئية بأنها تظلم من تقدير الرسوم التي تطلبها مصلحة الشهر العقاري من المدعية، ثم أحالتها إلى محكمة بني سويف الابتدائية للاختصاص حيث قيدت برقم 950 سنة 1995 مدني كلي. وأمامها دفعت المدعية بعدم دستورية المادتين 21 و26 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 70 لسنة 1964 بشأن رسوم التوثيق والشهر، قبل تعديلها بالقانون رقم 6 لسنة 1991.
وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعية باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية، فقد أقامت دعواها الدستورية الماثلة.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت هذه الدعوى بعدم قبولها، مستندة في ذلك إلى قالة أنها لم تتصل بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها؛ وأن المدعية جهلت – في دفعها – بالنصوص المطعون عليها؛ وأن تأجيل محكمة الموضوع نظر النزاع المعروض عليها إلى أن تقدم المدعية ما يدل على رفعها الدعوى الدستورية، لا يعد تصريحاً منها بإقامتها؛ وأن دفعها بعدم الدستورية أنصب علي المادة 21 من القرار بقانون رقم 70 لسنة 1964 وحدها، فلا يمتد لسواها. هذا فضلاً عن أن صحيفة الدعوى الدستورية تجهل بأوجه مخالفة النصوص المطعون عليها للدستور، وكان ينبغي عليها تعيينها وفقاً لنص المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا.
وحيث إن ما ذهبت إليه هذه الهيئة – في مختلف أوجهه – مردود أولاً: بأن الدفع بعدم الدستورية المبدي من المدعية أمام محكمة الموضوع أنصب على مخالفة المادتين 21 و26 من القانون رقم 70 لسنة 1964 المشار إليه للدستور. وليس متصوراً – في مجال تقدير جديته – أن تتعمق محكمة الموضوع المسائل الدستورية التي طرحتها المدعية عليها، ولا أن تفصل فيها بقضاء قطعي يكون منهياً لولاية المحكمة الدستورية العليا التي يعود إليها وحدها أمر الفصل في بطلان النصوص القانونية أو صحتها، بعد أن تسلط عليها ضوابط الرقابة على الشرعية الدستورية، وتزنها على ضوء مناهجها ومعاييرها.
ومردود ثانياً: بأن تقدير محكمة الموضوع جدية المطاعن الدستورية المثارة أمامها، ليس لازماً أن يكون صريحاً، بل حسبها أن يكون قرارها في هذا الشأن ضمنياً. ويعتبر كذلك تعليقها الفصل في النزاع الموضوعي على البت في المسائل الدستورية التي اتصل بها.
ومردود ثالثاً: بأن نطاق الدعوى الدستورية يتحدد على ضوء النصوص القانونية التي اتصل بها الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع. وإذ كانت الدعوى الموضوعية تفصح تجريح المدعية للمادتين 21 و26 من القرار بقانون رقم 70 لسنة 1964 بشأن رسوم التوثيق والشهر – قبل تعديلهما بالقانون رقم 6 لسنة 1991 – فإن نطاق الدعوى الدستورية يتحدد بالفصل في دستوريتهما.
ومردود رابعاً: بأن التجهيل بالمسائل الدستورية أو ببعض جوانبها، يفترض أن يكون بيانها قد غمض فعلاً بما يحول عقلاً دون تجليتها، فإذا كان إعمال النظر في شأنها – وعلى الأخص من خلال الرباط المنطقي للوقائع المؤدية إليها – يفصح عن حقيقتها، وما قصد إليه الطاعن حقاً من إثارتها، فإن القول بمخالفة نص المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا، يكون لغواً.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة تدعي كذلك انتفاء المصلحة الشخصية والمباشرة للمدعية في الدعوى الماثلة، بمقولة أن دعواها الموضوعية يجب تكييفها قانوناً بأنها منازعة تنفيذ موضوعية في الحكم المسجل الصادر بإيقاع أطيانها لصالح المدعى عليها – مصلحة الشهر والتوثيق – وإذا غدا هذا الحكم نهائياً، فإن الفصل في المسائل الدستورية التي أثارتها المدعية في دعواها الدستورية، أن يكون موطئاً للفصل في الطلبات الموضوعية سواء في أصولها الكلية أو فروعها.
وحيث إن هذا النعي مردود، بأن المحكمة الدستورية العليا لا يجوز أن تتنصل من اختصاص نيط بها وفقاً للدستور أو القانون أو كليهما. وعليها كذلك ألا تخوض في اختصاص ليس لها، ذلك أن مجاوزتها لولايتها أو تنصلها منها ممتنعان دستورياً؛ وكان من المقرر كذلك أن لكل من الدعويين الدستورية والموضوعية ذاتيتها ومقوماتها، فلا تختلطان ببعضهما ولا تتحدان في شرائط قبولهما؛ وكان قضاء هذه المحكمة مطرداً كذلك على أن محكمة الموضوع هي التي تفصل دون غيرها في توافر شروط قبول الخصومة المرددة أمامها، وأنها تستقل كذلك بتكييفها، فلا تنازعها المحكمة الدستورية العليا في شيء من ذلك، وإلا كان موقفها منها افتئاتاً على ولايتها أو تجريحاً لقضاء قطعي صادر عنها. متى كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي ينحل في تقدير محكمة الموضوع إلى تظلم المدعية من مقدار الرسوم التي قدرتها عليها مصلحة الشهر العقاري والتوثيق، فإن طعنها في النصوص القانونية التي تتصل بهذا التقدير، مما تقوم به مصلحتها الشخصية المباشرة.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك، على أن إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها، لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة، ذلك أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التي تتم من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها. فإذا استعيض عنها بقاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها. وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من هاتين القاعدتين. فما نشأ في ظل القاعدة القانونية القديمة من المراكز القانونية، وجرت آثارها خلال فترة نفاذها، يظل خاضعاً لحكمها وحدها.
وحيث إن المدعية قصرت مناعيها على كل من البند (جـ) من المادة 21 من القرار بقانون رقم 70 لسنة 1964 بشأن رسوم التوثيق والشهر، وكذلك ما تنص عليه المادة 26 من هذا القرار بقانون، من أن التظلم من أمر التقدير لا يكون إلا خلال ثمانية أيام، وأن الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية في شأن هذا التظلم لا يجوز الطعن فيه؛ وكان القانون رقم 6 لسنة 1991 وإن أعاد تنظيم الأسس التي تبنتها المادة 21 من هذا القرار بقانون في شأن تقدير قيمة الرسم النسبي المستحق، وحدد – فوق هذا – ميعاد التظلم من أمر التقدير بثلاثين يوماً، مع جواز الطعن في الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية فيه؛ أن النصوص المطعون عليها – وقبل تعديلها على هذا النحو – هي التي جرى تطبيقها في شأن المدعية فلا يكون إبطالها من خلال الدعوى الدستورية، إلا كافلاً لمصلحتها الشخصية المباشرة.
وحيث إن ما تنعاه المدعية من مخالفة النصوص المطعون عليها للمادة الثانية من الدستور مردود: بأن حكم هذه المادة – بعد تعديلها في 22 مايو سنة 1980 – يدل على أن الدستور أوردها ليفرض بمقتضاها – واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل – قيداً على السلطة التشريعية يلزمها فيما تقره من النصوص القانونية، بألا تناقض أحكامها مبادئ الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة – مصدراً وتأويلاً – بعد أن اعتبرها الدستور مرجعاً ترد إليه هذه النصوص فلا تعارضها، ودون ما إخلال بالضوابط الأخرى التي فرضها الدستور على السلطة التشريعية وقيدها بمراعاتها في ممارستها لاختصاصاتها التشريعية. وإذ كان الأصل في كل مصدر ترد إليه النصوص القانونية لضمان اتساقها مع مقتضاه، أن يكون أسبق وجوداً من هذه النصوص ذاتها، فإن مجال إعمال نص المادة الثانية من الدستور، يكون بالضرورة مرتبطاً بالنصوص القانونية التي تصدر بعد نفاذ التعديل الذي أدخله الدستور عليها دون سواها، لينحسر بالتالي عن النصوص المطعون عليها الصادرة قبل العمل بتعديل المادة الثانية من الدستور، والتي لم يلحقها منذ صدورها تغيير ينال من محتواها بما يؤثر في الحقوق التي تطلبها المدعية بمناسبة تطبيقها عليها، ومن ثم يكون النعي عليها بمخالفتها نص المادة الثانية من الدستور، غير سديد.
وحيث إن البند (جـ) من المادة 21 المطعون عليها ينص على أنه بالنسبة للأراضي الفضاء والمعدة للبناء والأراضي الكائنة في ضواحي المدن، ورفعت عنها الضريبة لخروجها من نطاق الأراضي الزراعية، تقدر قيمتها على أساس الثمن أو القيمة الموضحة في المحرر بحيث لا تقل عن 150 جنيه للمتر المربع في المناطق السياحية و50 جنيهاً للمتر المربع في المناطق غير السياحية كحد أدنى.
أما بالنسبة للأراضي الزراعية الكائنة في ضواحي المدن والمربوط عليها ضريبة أطيان فيحصل الرسم مؤقتاً طبقاً للبند (أ). ويستوفي ما قد يكون باقياً من الرسم المستحق بعد تحري مصلحة الشهر العقاري والتوثيق عن قيمة العقار الحقيقية.
وعملاً بالفقرة الأخيرة من المادة 21 المشار إليها، يجوز في كل الأحوال، أن تقوم مصلحة الشهر العقاري والتوثيق – بعد اتخاذ إجراءات الشهر والتوثيق – بالتحري عن القيمة الحقيقية للعقار أو المنقول. ويحصل الرسم التكميلي عن الزيادة التي تظهر في القيمة.
وحيث إن المدعية تنعي على البند (جـ) من المادة 21 بنصها المتقدم، الإخلال بالحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة، تأسيساً على أن المشرع فرض في شأن العقارات موضوع المحررات التي تقدم للشهر حداً أدنى لقيمة المتر المربع مايز فيه بين المناطق السياحية وغيرها، وأن تقديره في هذا الشأن كان تحكمياً، متضمناً افتئاتاً على ملكيتها، لا سيما وأن المشرع أقام نظاماً للتحري عن القيمة الحقيقية للعقار بعد تسجيل المحرر المتعلق به، حال أن هذه القيمة ينبغي تحديدها على ضوء بياناتها الواردة في المحرر المطلوب شهره.
وحيث إن هذا النعي سديد في جوهره، ذلك أن البند جـ المطعون عليه، كان قد عدل بالقانون رقم 94 لسنة 1980. وقد أعدت لجنة الشئون الدستورية والتشريعية تقريراً عن مشروع هذا التعديل تضمن أن القواعد التي أتى بها القانون رقم 70 لسنة 1964 بشأن رسوم التوثيق والشهر لتقدير قيمة الأراضي الزراعية والأراضي الفضاء والمعدة للبناء، لم يعد تطبيقها ملائماً بالنظر إلى ما طرأ على الأوضاع الاقتصادية من تغيير جوهري، وأن التعامل في هذه الأراضي بأقل من قيمتها الحقيقية بكثير، أضاع على الدولة نحو أربعين مليون جنيه كان يمكن أن توجهها إلى استثماراتها وخدماتها، لا سيما وأن بموازنتها عجزاً يقتضي إسهام المواطنين في أعبائها – وفق قدراتهم – وبما يكفل تضامنهم اجتماعياً.
هذا فضلاً عن أن الحق في ندب خبراء لتقدير القيمة الحقيقية للعقار أو المنقول، كان مقصوراً في ظل العمل بنص المادة 21 من قانون رسوم التوثيق والشهر – قبل تعديلها وفقاً لأحكام هذا المشروع – على الأحوال الواردة في البند جـ منها. بيد أن المشروع عمم هذا الحكم، مجيزاً – ولو بعد تمام الإجراءات – ومن خلال التحريات التي يقوم بها خبراء وزارة العدل أو خبراء الجدول ممن يندبون للعمل لهذا الغرض – تقدير هذه القيمة تقديراً حقيقياًً ضماناً لتحصيل رسم تكميلي على الزيادة التي تظهر فيها.
وحيث إن مؤدى ما تقدم، أن الرسم النسبي – في الأحوال التي يقدر فيها على أساس قيمة العقار أو المنقول – إنما يقدر مبدئياً وفق القواعد التي فصلها البند (جـ) من المادة 21 من قانون رسوم التوثيق والشهر قبل تعديلها بالقانون رقم 6 لسنة 1991، وأن إتمام التقدير على هذا النحو، لا يعني أن يصير نهائياً، بل يجوز إعادة النظر فيه من قبل خبراء يتحرون عن القيمة الحقيقية للعقار أو المنقول. بما مؤداه أن القواعد التي يتضمنها البند (جـ) من المادة 21 المطعون عليها، إنما تمثل حداً أدنى لقيمة العقار التي يحصل الرسم النسبي على مقتضاها، وهي بعد قيمة يجوز تكملتها بما قد يظهر من زيادة فيها، ليوازيها الرسم المستحق فلا يكون منسوباًًًً إلا إليها.
وحيث إن الحماية التي فرضها الدستور للملكية الخاصة، تمتد إلى كل أشكالها وتقيم توازناً دقيقاً بين الحقوق المتفرعة عنها، والقيود التي يجوز فرضها عليها، فلا ترهق هذه القيود تلك الحقوق بما ينال من محتواها أو يقلص دائرتها، لتغدو الملكية في واقعها شكلاً مجرداً من المضمون، وإطاراً رمزياً لحقوق لا قيمة لها عملاً، فلا تخلص لصاحبها، ولا يعود عليه ما يرجوه منها إنصافاً، بل تثقلها ذلك القيود لتنوء بها، مما يخرجها عن دورها كقاعدة للثروة القومية التي لا يجوز استنزافها من خلال فرض قيود لا تقتضيها وظيفتها الاجتماعية.
وهو ما يعني أن الأموال بوجه عام ينبغي أن توفر لها من الحماية ما يعُينها على أداء دورها، ويكفل اجتناء ثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، وبما يقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها. ولم يعد جائزاً بالتالي أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها، أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن بعض أجزائها، أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصباً أدخل إلى مصادرتها.
وحيث إن الدستور، وأن قرن العدل بكثير من النصوص التي تضمنها كالمواد 4 و23 و53 و57، وخلا في الوقت ذاته من كل تحديد لمعناه، إلا أن مفهوم العدل – سواء بمبناه أو أبعاده – يتعين أن يكون مُحَدداً من منظور اجتماعي، باعتبار أن العدل يتغيا التعبير عن تلك القيم الاجتماعية التي لا تنفصل الجماعة في حركتها عنها، والتي تبلور مقاييسها في شأن ما يعتبر حقاً لديها، فلا يكون العدل مفهوماً مطلقاً ثابتاً باطراد، بل مرناً ومتغيراً وفقاً لمعايير الضمير الاجتماعي ومستوياتها، وهو بذلك لا يعدو أن يكون نهجاً متواصلاً منبسطاً على أشكال من الحياة تتعدد ألوانها، وازناً بالقسط تلك الأعباء التي يفرضها المشرع على المواطنين، فلا تكون وطأتها على بعضهم عدواناً، بل تطبيقها فيما بينهم إنصافاً، وإلا صار القانون منهياً للتوافق في مجال تنفيذه، وغدا إلغاؤه لازماً.
وحيث إن الأعباء التي يجوز فرضها على المواطنين بقانون أو في الحدود التي يبينها – سواء كان بنيانها ضريبة أو رسماً أو تكليفاً آخر – هي التي نظمها الدستور بنص المادة 119؛ وكانت المادة 38 من الدستور، وإن خص بها النظام الضريبي متطلباً أن تكون العدالة الاجتماعية مضموناً لمحتواه، وغاية يتوخاها، فلا تنفصل عنها النصوص القانونية التي يقيم المشرع عليها النظم الضريبية على اختلافها، إلا أن الضريبة بكل صورها، تمثل في جوهرها عبئاً مالياً على المكلفين بها، شأنها في ذلك شأن غيرها من الأعباء التي انتظمتها المادة 119 من الدستور، ويتعين بالتالي – وبالنظر إلى وطأتها وخطورة تكلفتها – أن يكون العدل من منظور اجتماعي، مهيمناً عليها بمختلف صورها، محدداً الشروط الموضوعية لاقتضائها، نائياً عن التمييز بينها دون مسوغ، فذلك وحده ضمان خضوعها لشرط الحماية القانونية المتكافئة التي كفلها الدستور للمواطنين جميعاً في شأن الحقوق عينها، فلا تحكمها إلا مقاييس موحدة لا تتفرق بها ضوابطها.
وحيث إن البند (جـ) من المادة 21 المشار إليها، لم يحدد قيمة العقار – في الأحوال التي ينص فيها على تقدير الرسم النسبي على أساس هذه القيمة – وفق ما هو مدون بشأنها في المحرر محل الشهر، ولا هو استعاض عنها – وعلى ما جاء بالأعمال التحضيرية للقانون رقم 6 لسنة 1991- بمعايير دقيقة تنضبط بها أسس التقدير، فلا يكون تطبيقها محل نزاع، وإنما اتخذ من الجباية منهاجاً، متوخياً أن يوفر عن طريقها – وعلى غير أسس موضوعية – موارد للدولة تعينها على إشباع جانب من احتياجاتها، بل إنها أدرجتها فعلاً بموازنتها على ضوء توقعها الحصول عليها من خلال رسومها عن أعمال التوثيق والشهر.
وهو ما يعني ملاحقتها الممولين من أجل استئدائها تأميناً لمبلغها، ورغم ما دل عليه العمل من تباين القيم التي قدرتها لأموال عقارية تتماثل مواقعها ومكوناتها، وجنوحها بالتالي إلى المغالاة في تقدير رسومها، وعلى الأخص من خلال ما قرره هذا البند من التمييز بين الأموال التي يتناول الشهر محرراتها، تبعاً لموقعها، فلا يقل سعر المتر المربع بشأنها عن مائة وخمسين جنيهاً في الأماكن السياحية، ولا عن خمسين جنيهاً فيما عداها، ورجوعها كذلك في تحديد هذه الأماكن إلى القرارات الصادرة بشأنها، ودون ما اعتداد بتعلقها بغير الأغراض التي صدر قانون رسوم التوثيق والشهر من أجلها، ولا بأن الأصل في تلك الأماكن هو احتواء مكوناتها على قيم تعكس تراثاً تاريخياً أو حضارياً أو جمالياً أو بيئياً أو دينياً، ولا شأن لها بالتالي بأموال يتم التعامل فيها من خلال قيمتها السوقية.
وحيث إن المشرع عزز اتجاه الجباية التي استهدفها بالبند المطعون فيه – والتي كان من شأنها وقوع منازعات عديدة بين مصلحة الشهر العقاري والتوثيق والمتعاملين معها – بنظام التحري عن القيمة الحقيقية للعقار بعد تمام عملية الشهر واستكمال إجراءاتها، تمهيداً لإخضاع ما قد يظهر من زيادة في هذه القيمة لرسوم تكميلية يكون طلبها من ذوي الشأن مصادماً لتوقعهم المشروع، فلا يكون مقدارها معروفاً قبل الشهر، ولا عبؤها ماثلاً في أذهانهم عند التعامل، فلا يزنون خطاهم على ضوء تقديرهم سلفاً لها، ولا يعرفون بالتالي لأقدامهم مواقعها، بل تباغتهم المصلحة بها، ليكون فرضها نوعاً من المداهمة التي تفتقر لمبرراتها، ومن ثم حرص القانون رقم 6 لسنة 1991 بتعديل قانون رسوم التوثيق والشهر على اقتلاعها بإلغاء رخصتها، ضماناً لاستقرار الملكية العقارية التي لا يجوز زعزعتها بما يلحق الضرر بأوضاع بيئتها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ويرتد بنظم شهرها على أعقابها إذا أحجم المواطنون عن ولوجها، وإخلالاً – فوق هذا – بحقائق العدل الاجتماعي التي احتضن بها الدستور الأعباء المالية على اختلافها، محدداً على ضوئها شروط اقتضائها، فإذا أهدرها المشرع – مثلما هو الحال في النزاع الماثل – كان ذلك عدواناً على الملكية الخاصة من خلال اقتطاع بعض عناصرها دون مسوغ.
وحيث إنه على ضوء ما تقدم يكون البند جـ المطعون عليه، مخالفاً لأحكام المواد 32 و34 و38 و65 و119 و120 من الدستور.
وحيث إن المادة 26 المطعون عليها – قبل تعديلها بالقانون رقم 6 لسنة 1991 – تنص علي أنه “في الأحوال التي تستحق فيها رسوم تكميلية يصدر أمين المكتب المختص أمر تقدير بتلك الرسوم. ويعلن هذا الأمر إلى ذوي الشأن بكتاب موصى عليه مصحوباً بعلم الوصول أو على يد أحد محضري المحكمة.
ويجوز لذوي الشأن – في غير حالة تقدير القيمة بمعرفة أهل الخبرة المنصوص عليها في المادة 21 – التظلم من أمر التقدير خلال ثمانية أيام من تاريخ الإعلان، وإلا أصبح الأمر نهائياً. ويكون تنفيذه بطريق الحجز الإداري، كما يجوز تنفيذه بالطريق القضائي بعد وضع الصيغة التنفيذية على صورة أمر التقدير من المحكمة الواقع في دائرة اختصاصها المكتب الصادر منه ذلك الأمر. ويحصل التظلم أمام المحضر عند إعلان أمر التقدير أو بتقرير في قلم الكتاب، ويرفع التظلم إلى المحكمة الابتدائية الكائن بدائرتها المكتب الذي أصدر الأمر، ويكون حكمها غير قابل للطعن فيه”.
وحيث إن المدعية تنعي على النص المتقدم، الإخلال بحق التقاضي بمقولة أن المدة التي حددها للتظلم من أمر تقدير رسوم الشهر قصيرة للغاية تصل إلى حد مصادرة هذا الحق. فضلاًً عن أن المشرع لم يجز الطعن في الأحكام الصادرة في شأن هذا التظلم، وهو ما يعني أن القرار الصادر عن أمين مكتب الشهر العقاري المختص في شأن تقدير الرسم التكميلي يعتبر قراراً قضائياً، وأن الطعن فيه أمام المحكمة الابتدائية يعتبر طعناً استئنافياً لا يقبل تعقيباً، وفي ذلك نكول عن الترضية القضائية التي يستحقها كل متقاض، فلا يكون الحرمان منها إلا افتئاتاً على الحقوق التي طلبها.
وحيث إن هذا النعي مردود أولاً: بأن كل حق دائرة يعمل فيها، ولا يتنفس إلا من خلالها، ويعتبر صونها لازماً لفعالية ممارسته، فلا يجوز أن يقتحمها المشرع، ولا أن ينظم الحق موضوعها إلا فيما وراء حدودها الخارجية شأن حق التقاضي في ذلك شأن غيره من الحقوق التي لا يجوز القول بمصادرتها أو انتقاصها من أطرافها، إلا إذا أهدرها المشرع أو قيد من نطاقها، مؤثراً بذلك في مجالها الحيوي.
ومردود ثانياً: بأن تنظيم المشرع لحق التقاضي لا يتقيد بأشكال جامدة لا يجوز أن يتحول المشرع عنها، ولا بأنماط محددة تفرغ قوالبها في صورة صماء لا تبديل فيها، وإنما يقدر المشرع لكل حالة ما يناسبها على ضوء الأوضاع التي يباشر هذا الحق عملاً في إطارها، وبما لا يصل إلى حد إهداره، ليظل هذا التنظيم مرناً، فلا يكون إفراطاً يطلق الخصومة القضائية من عقالها انحرافاً بها عن أهدافها، ولا تفريطاً مجافياً لمتطلباتها، بل بين هذين الأمرين قواماً، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق في صورتها الأكثر اعتدالاً.
ومردود ثالثاً: بأن ميعاد الثمانية أيام التي أجاز المشرع التظلم خلالها من أمر التقدير، يعتبر متصلاً بالشروط التي تطلبها لجوازه، ومرتبطاً بالتالي بتنظيم المشرع للحق في الدعوى، مما يدخل في نطاق سلطته التقديرية.
ومردود رابعاً: بأن ميعاد الثمانية أيام لا ينفتح إلا من تاريخ إعلان أمر التقدير لكل ذي شأن فيه. ومجرد التظلم من أمر التقدير أمام المحضر عند إعلانه، يعتبر كافياً لاتصال خصومة الطعن بالمحكمة الابتدائية التي ناط بها المشرع الفصل فيه، واختصها بإنزال حكم القانون في هذا النزاع على الوقائع التي تخلص إليها، مقيدة في ذلك بضوابط العمل القضائي وضماناته، وتلك جميعاً أشكال إجرائية حد بها المشرع في الآثار السلبية لقِصَر ميعاد التظلم، ولا ينال من جدواها، أن يكون الطعن في الحكم الصادر في التظلم في أمر التقدير ممتنعاً، ذلك أن قصر التقاضي – في المسائل التي فصل حكم قضائي فيها – على درجة واحدة مما يجوز دستورياً، كلما كان هذا القصر مستنداً إلى أسس موضوعية، كتلك التي تقتضيها سرعة إنهاء صور من المنازعات بالنظر إلى طبيعتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:
أولاً: ( أ ) بعدم دستورية ما تضمنه البند جـ من المادة 21 من القرار بقانون رقم 70 لسنة 1964 – قبل تعديلها بالقانون رقم 6 لسنة 1991 – في شأن الأراضي الزراعية الكائنة في ضواحي المدن ورفعت عنها الضريبة لخروجها من نطاق الأراضي الزراعية، من تقدير قيمتها بحيث لا تقل عن مائة وخمسين جنيهاً للمتر المربع في المناطق السياحية وخمسين جنيهاً للمتر المربع في غيرها كحد أدنى.
(ب) بعدم دستورية نظام التحري عن القيمة الحقيقية لهذه الأراضي وتحصيل رسم تكميلي – بعد اتخاذ إجراءات الشهر – عن الزيادة التي تظهر في هذه القيمة.
ثانياً: برفض الدعوى الدستورية بالنسبة إلى الطعن على المادة 26 من القرار بقانون رقم 70 لسنة 1964 قبل تعديلها بالقانون رقم 6 لسنة 1991.
ثالثا: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.