الخط الساخن : 01118881009

جلسة 22 فبراير 1997

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر -رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف ومحمد علي سيف الدين. وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي -رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (26)
القضية رقم 44 لسنة 17 قضائية “دستورية”

1- دعوى دستورية: “اتصالها”.
ضرورة اتصال الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية العليا اتصالاً مطابقاً للأوضاع المقررة في قانونها – هذه الأوضاع الإجرائية تتعلق بالنظام العام لانتظام التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها المشرع.
2- قانون مدني “إجارة: موت المستأجر”.
موت المستأجر – وفقاً للمادة 602 من القانون المدني – يعتبر عذراً طارئاً يسوغ انتهاء الإيجار – من المتعين على الوارث ولو كانت له حرفة المورث إذا أراد الاستمرار في مزاولتها في مكان المؤجر أن يكون ذلك بعقد إيجار بينهما.
3- تشريع “المادة 29/ 2 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر: قواعد عامة”.
مجاوزة هذا النص نطاق القواعد العامة فيما قرره من اعتبار عقد الإيجار ممتداً بقوة القانون لصالح ورثة المستأجر لغير أغراض السكنى على إطلاقهم.
4- رقابة دستورية “محلها”.
الرقابة على الشرعية الدستورية تتناول – بين ما تشتمل عليه – الحقوق التي كفلها الدستور وأخل بها النص المطعون فيه ابتداء أو عرضاً.
5- حق الملكية “صونها – وظيفة اجتماعية – إسقاطها”
حق الملكية نافذ في مواجهة الكافة – صون حق الملكية مؤداه ألا تزول الملكية عن ذويها بانقطاع عن استعمالها – عدم جواز تجريد المشرع الملكية من لوازمها – عدم جواز تقييده من مباشرة الحقوق المتفرعة عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية – إسقاط الملكية عن أصحابها عدوان عليها مناقض لما هو مقرر من أن الملكية لا تزول عن الأموال محلها إلا إذا كسبها أغيار وفقاً للقانون.
6- تنظيم الحقوق “سلطة تقديرية: حدودها” – ملكية
السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق لازمها مفاضلته بين بدائل متعددة لترجيح أكفلها لتحقيق المصالح المشروعة – من غير الجائز أن تبلغ حدود هذا التنظيم إلى ما يعد أخذاً للملكية من أصحابها.
7- علائق إيجارية: “موازنة”
التوازن الذي ارتآه المشرع كافلاً للتوازن بين أطراف العلائق الإيجارية يلزم أن يكون حقيقياً – إذا كان تنظيم المشرع للحق في استعمال الشيء مدخلاً لافتقار مالكه فإن هذا التنظيم يكون متحيفاً.
8- علائق إيجارية “تضامن اجتماعي”
حصول المستأجر من خلال الإجارة على حقوق لا يسوغها مركزه القانوني في مواجهة المؤجر إخلال بالتضامن الاجتماعي المفروض بينهما.
9- علائق إيجارية “سلطة فعلية” – حق عيني.
من غير الجائز أن يتحول حق المستأجر في استعمال العين وهو حق مصدره العقد حتى مع قيام التنظيم الخاص للعلائق الإيجارية إلى نوع من السلطة الفعلية للمستأجر على الشيء المؤجر مستخلصاً منه فوائده دون تدخل المؤجر – خروج حق المستأجر من ثم من عداد الحقوق الشخصية ليشبه بالحقوق العينية.
10- إجارة “شخص المستأجر”
الحق في الإجارة لصيق أصلاً بشخص المستأجر – كان من المتعين انقضاء هذا الحق بوفاته.
11- تشريع “المادة 29/ 2 من القانون رقم 49 لسنة 1977: مؤداها”.
مؤدى نص هذه الفقرة أن يمتد عقد الإيجار بعد وفاة مستأجر العين الأصلي إذا كان يباشر نشاطاً تجارياً أم حرفياً إلى ورثته جميعهم، على إطلاق – ودون اعتداد بقدر الضرورة التي أملت القيود الاستثنائية على العلاقة الإيجارية.
12- علائق إيجارية “قيود استثنائية – حرية التعاقد”
ارتباط القيود الاستثنائية التي حمل بها المشرع العلاقة الإيجارية بالضرورة التي أملتها وبقدرها – من المتعين إعمال حرية التعاقد عند فوات الضرورة.
13- تشريع “المادة 29/ 2 من القانون رقم 49 لسنة 1977: ضرورة”
من غير الجائز انفصال النص المذكور عن الضرورة سواء في مضمونه أو في الآثار التي يرتبها.
14- تشريع “المادة 29/ 2 من القانون 49 لسنة 1977: انتزاع المنافع”
اتصال أيدي الورثة على العين المؤجرة وفقاً لهذا النص مهماً بعد العهد بالعقد الأول – يعدل ذلك انتزاع منفعة العين من مالكها على وجه التأبيد.
15- تشريع “المادة 29/ 2 من القانون 49 لسنة 1977: إهدار التوازن”
انحدار النص المذكور بحقوق المؤجر إلى مرتبة الحقوق محدودة الأهمية ترجيحاً لمصالح لا تدانيها – إهدار ذلك لتوازن لا يجوز أن يختل بين أطراف العلاقة الإيجارية – إلحاق الضرر بالمؤجر وحده.
16- تشريع “المادة 29/ 2 من القانون 49 لسنة 1977: إخلال بالتضامن الاجتماعي”
كان من المتعين أن يترسم هذا النص الضوابط التي تتوازن من خلالها العلائق الإيجارية ليقيمها على قاعدة التضامن الاجتماعي المقررة في المادة 7 من الدستور.
1- ولاية المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى الدستورية – وعلى ما جرى به قضاؤها – لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالاً مطابقاً للأوضاع المقررة في قانونها، وذلك إما بإحالة الأوراق إليها من إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي للفصل في المسألة الدستورية، وإما برفعها من أحد الخصوم بمناسبة دعوى موضوعية دفع فيها الخصم بعدم دستورية نص تشريعي، وقدرت محكمة الموضوع جدية دفعه. وهذه الأوضاع الإجرائية تتعلق بالنظام العام باعتبارها شكلاً جوهرياً في التقاضي تغيا به المشرع مصلحة عامة، حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها. إذ كان ذلك، وكان الثابت مما تقدم، أن المدعية قصرت دفعها بعدم الدستورية على المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه، فإن دعواها الدستورية لا تكون مقبولة بالنسبة إلى المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 لعدم اتصالها في هذا الشق بالمحكمة اتصالاً مطابقاً للأوضاع المقررة قانوناً.
2، 3- البين من مضابط جلسات مجلس الشعب إبان الفصل التشريعي الثاني – دور الانعقاد الأول – بدءاً بمضبطة الجلسة الرابعة والستين، وانتهاءً بمضبطة الجلسة الخامسة والثمانين – أن نص المادة 29 فقرة ثانية، وما يرتبط به من فقرتها الثالثة، لم يكن وارداً أصلاً لا في المشروع المقدم من الحكومة، ولا في المشروع الذي ارتأته لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير بالمجلس؛ وأن المناقشة الأولى للنص التي تمت بالجلسة المعقودة في 30 من يوليو سنة 1975، قد أسفرت عن إضافة فقرة أخيرة إلى المادة 31 من المشروع – التي أصبحت المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977- تنص على أنه إذا كانت العين مؤجرة لمزاولة حرفة أو مهنة، فإن العقد لا ينتهي بوفاة المستأجر إذا ما بقى يزاول فيها نفس الحرفة أو المهنة زوجته أو أحد أولاده الذين تتوافر فيه شروط المزاولة. بيد أن النص أفرغ – عند المناقشة النهائية – في الصيغة التي صدر بها، دالاً بمنطوقه على عدم انتهاء عقد إيجار العين المؤجرة لمزاولة نشاط تجاري أو صناعي أو مهني أو حرفي بوفاة مستأجرها، ومؤكداً بقاء ذلك العقد مستمراً لصالح ورثنه، مستحدثاً بذلك حكماً لم تسبق إليه التشريعات المنظمة لإيجار الأماكن الصادرة قبل العمل بالقانون رقم 49 لسنة 1977، نابذاً – في الوقت ذاته – ما جرت به المادة 602 من القانون المدني، التي تنص علي أنه إذا مات المستأجر، جاز لورثته أو للمؤجر أن يطلبوا إنهاء عقد الإيجار – قبل انقضاء مدته – إذا كان لم يعقد إلا بسبب حرفة المستأجر أو لاعتبارات أخرى تتعلق بشخصه؛ وهو ما يعني أن موت المستأجر يعتبر وفقاً لنص المادة 602 من القانون المدني، عذراً طارئاً يسوغ إنهاء الإيجار على النحو المتقدم. وليس لوارث أن يعقبه فيها، ولو كانت له حرفة المورث، بل يتعين إذا أراد الاستمرار في مزاولتها في المكان المؤجر، أو يكون ذلك بعقد إيجار بينه وبين المؤجر.
بيد أن النص المطعون فيه جاوز نطاق هذه القواعد؛ إذ اعتبر عقد الإيجار ممتداً بقوة القانون، لصالح ورثة مستأجر العين المؤجرة لغير أغراض السكنى على إطلاقهم، ولو كانوا جميعاً لا يباشرون الحرفة أو المهنة التجارية التي قام عليها المستأجر، أو كان من يزاولها نائباً عنهم في ممارستها.
4- إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الرقابة على الشرعية الدستورية تتناول – بين ما تشتمل عليه – الحقوق التي كفلها الدستور، وأخل بها النص المطعون فيه؛ سواء أكان هذا الإخلال مقصوداً ابتداءً؛ أم كان قد وقع عرضاً.
5- من المقرر قانوناً – وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – أن حق الملكية وباعتباره منصرفاً محلاً إلى الحقوق العينية والشخصية جميعاً، وكذلك إلى حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية – نافذ في مواجهة الكافة ليختص صاحبها دون غيره بالأموال التي يملكها وتهيئة الانتفاع المفيد بها، لتعود إليه ثمارها وملحقاتها ومنتجاتها؛ وكان صون حرمتها مؤداه ألا تزول الملكية عن ذويها بانقطاعهم عن استعمالها. ولا أن يجردها المشرع من لوازمها، أو يفصل عنها الأجزاء التي تكونها، ولا أن ينال من أصلها أو يعدل من طبيعتها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ولا أن يتذرع بتنظيمها إلى حد هدم الشيء محلها. ذلك أن إسقاط الملكية عن أصحابها – سواء بطريق مباشر أو غير مباشر – عدوان عليها يناقض ما هو مقرر قانوناً من أن الملكية لا تزول عن الأموال محلها، إلا إذا كسبها أغيار وفقاً للقانون.
6- إن السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، لازمها أن يفاضل بين بدائل متعددة مرجحاً من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها. إلا أن الحدود التي يبلغها هذا التنظيم لا يجوز بحال أن ينفلت مداها إلى ما يعد أخذاً للملكية من أصحابها A taking of property. سواء من خلال العدوان عليها بما يفقدها قيمتها، أو عن طريق اقتحامها مادياً. بل إن اقتلاع المزايا التي تنتجها، أو تهمشها مؤداه سيطرة آخرين فعلاً عليها، physical appropriation، أو تعطيل بعض جوانبها.
7، 8- إن المشرع، وإن قرر في مجال تنظيم العلائق الإيجارية، من النصوص القانونية ما ارتآه كافلاً للتوازن بين أطرافها، إلا أن هذا التوازن لا يجوز أن يكون صورياً أو منتحلاً. وكلما كان هذا التنظيم متحيفاً، بأن مال بالميزان في اتجاه أحد أطرافها تعظيماً للحقوق التي يدعيها أو يطلبها، كان ذلك انحرافاً عن إطارها الحق، أو نكولاً عن ضوابط ممارستها، فلا يستقيم بنيانها. ويقع ذلك بوجه خاص إذا كان تنظيم المشرع للحق في استعمال الشيء – وهو أحد عناصر حق الملكية – مدخلاً لإفقار مالكه، وإثراءً لغيره على حسابه.
وحيث إنه فضلاً عما تقدم، لا يجوز أن يحصل المستأجر من خلال الإجارة، على حقوق لا يسوغها مركزه القانوني في مواجهة المؤجر، وإلا حض تقريرها على الانتهاز، وكان قرين الاستغلال، إذ ليس من المتصور أن يكون مغبون الأمس – وهو المستأجر – غابناً، ولا أن يكون تدخل المشرع شططاً قلباً لموازين الحق والعدل، فلا تتوافق – في إطار العلائق الإيجارية – مصالح طرفيها اقتصادياً، بل يختل التضامن بينهما اجتماعياً، ليكون صراعهما بديلاً عن التعاون بينهما.
9- لا يجوز أن يتحول حق المستأجر في استعمال العين – وهو حق مصدره العقد دائماً حتى مع قيام التنظيم الخاص للعلائق الإيجارية وتحديد أبعادها بقوانين استثنائية – إلى نوع من السلطة الفعلية يسلطها المستأجر مباشرة على الشيء المؤجر، مستخلصاً منه فوائده دون تدخل من المؤجر. إذ لو جاز ذلك، لخرج هذا الحق من إطار الحقوق الشخصية، وصار مشبهاً بالحقوق العينية، ملتئماً مع ملامحها. وهو ما يناقض خصائص الإجارة باعتبار أن طرفيها – وطوال مدتها – على اتصال دائم مما اقتصي ضبطها تحديداً لحقوقهما وواجباتهما، فلا يتسلط أغيار عليها انتهازاً وإضراراً بحقوق مؤجرها، متدثرين في ذلك بعباءة القانون. ولأنها – فوق هذا – لا تقع على ملكية الشيء المؤجر، بل تنصب علي منفعة يغلها، مقصودة في ذاتها ومعلومة من خلال تعيينها، ولمدة طابعها التأقيت مهما استطال أمدها.
10- إن الحق في الإجارة لصيق أصلاً بشخص المستأجر؛ ومقارن للغرض من الإجارة كلما كانت العين مؤجرة لاعتبار يتعلق بطبيعة الأعمال التي يزاولها المستأجر. ومن ثم كان ينبغي أن يعتبر هذا الحق منقضياً بوفاته، وأن يتوافر بها حق مؤجر العين في تسلمها بعد انقطاع صلة هذا المستأجر بها، إلا أن المشرع آثر – بالنص المطعون فيه – أن ينقل منفعتها إلى ورثته جملة، ودون قيد.
11- مؤدى النص المطعون فيه، أنه إذا كان مستأجر العين الأصلي يباشر فيها نشاطاً تجارياً أم حرفياً، فإن العقد بعد وفاته يمتد امتداداً قانونياً إلى ورثته جميعهم، سواء أكان هؤلاء يباشرون في هذا المكان المهنة أو الحرفة ذاتها التي قام عليها مورثهم، أم كانوا يزاولون غيرها؛ يعتمدون عليها كلية في معاشهم بوصفها مورداً رئيسياً أو وحيداً لرزقهم، أم يفيئون إليها عرضاً باعتبارها تغل دخلاً جانبياً مضافاً إلى عملهم الأصلي؛ يعاونون أسرة مورثهم في أعباء حياتها، أم يناهضونها ويستقلون بنشاطهم في هذا المكان عنها؛ يعملون فيه بأنفسهم استصحاباً لمهنة أو حرفة مورثهم، أم ينيبون عنهم أغياراً في مباشرتها بعد انفصالهم عنها، وما لذلك فرض المشرع القيود الاستثنائية على العلائق الإيجارية التي لا يتصور أن ترتبط بغير الضرورة التي اقتضتها، ولا أن يكون أثرها محوراً من بنيان حق الملكية، فلا تخلص لأصحابها، بل يتسلط آخرون عليها حتى تصير ركاماً، انحرافاً بالإجارة عن مقاصدها.
12، 13- إن القيود الاستثنائية التي حمل بها المشرع العلائق الإيجارية، لا يجوز النظر إليها باعتبارها حلاً نهائياً ودائماً لمشكلاتها، ولا أن يمد المشرع تطبيقها إلى صور لا تسعها، ولا يمكن التسليم بها إلا بافتراض أن الدستور يغلب دوماً مصالح مستأجر العين – وكذلك ورثته – على حقوق مؤجرها – وهو يملكها في الأعم من الأحوال – فلا يتساويان أو يتوازنان؛ حال أن الأصل في عقود القانون الخاص، ابتناؤها على علائق تتكافأ بشأنها مصالح أطرافها، فلا يميل ميزانها في اتجاه مناقض لطبيعتها، إلا بقدر الضرورة التي لا يجوز أن ينفصل عنها مضمون النص المطعون فيه أو الآثار التي ترتبها. ويتعين بالتالي أن تخلي مكانها – عند فواتها – لحرية التعاقد بحسبانها الأصل في العقود جميعها؛ ولأن صون الحرية الشخصية لا يعتبر مجرد ضمان ضد التدابير غير المبررة التي تنال من البدن، كتلك التي تتعلق بالقبض أو الاعتقال غير المشروع، بل صمام أمن كذلك ضد أشكال القهر على اختلافها، فلا يكون جوهر هذه الحرية إلا مجالاً حياً لإرادة الاختيار.
14- إن الورثة – وفي مجال تطبيق النص المطعون فيه – يتخذون من وفاة مورثهم وزوال صلته بالتالي بالعين المؤجرة، موطئاً لاستلابها من خلال مكثهم فيها واستغلالها في عين نشاطها السابق أو في غيره، ثم من بعدهم إلى ورثتهم، فلا ينتزعها منهم أحد، بل تتصل أيديهم بها تعاقباً عليها، فلا ينفكون عنها أو يبرحونها؛ مهما بعد العهد على العقد الأول، ما ظل زمامها بيد من يتداولونها، فلا يتحولون عنها إلا بعد انتهابهم من المؤجر مقابلاً لتركها، فإذا لم يبذل، صار المكان المؤجر إرثاً يختص هؤلاء بثماره دون وساطة من أحد؛ وهو ما يعدل انتزاع منافع الأعيان من ملاكها على وجه التأييد. ومن غير المتصور أن يكون مؤجر العين قد عطل مختاراً ونهائياً حق استعمالها واستغلالها، سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، ولا أن تكون إرادتا طرفي الإجارة قد تلاقيتا – ابتداءً – على أن يقحما عليها أشخاص غرباء عنها، دخلاء عليها.
15- إن النص المطعون فيه، ينحدر كذلك بحقوق المؤجر إلى مرتبة الحقوق محدودة الأهمية، ويحيلها إلى مسوخ مشوهة لا تتعدى تقاضيه عائداً نقدياً دورياً ضئيلاً؛ مرجحاً على ملكيته – بمكناتها التي أقامها الدستور سوية لا عوج فيها – مصالح لا تدانيها، ولا تقوم إلى جانبها، أو تتكافأ معها، ترتيباً على انتقال منفعتها إلى الغير انتقالاً متتابعاً متصلاً ممتداً في أغوار الزمن، وهو بعد انتقال لا يعتد بإرادة مالكها في معدنها الحقيقي، بل يقوم في صوره الأكثر شيوعاً، على ابتزاز أموال المؤجر، والتدليس عليه، وهو ما يعد التواء بالإجارة عن حقيقة مقاصدها؛ وإهداراً لتوازن لا يجوز أن يدل بين أطرافها.
وما تقدم مؤداه، أن النص المطعون فيه، أنشأ حقوقاً مبتدأه – بعيدة في مداها – منحها لفئة بذاتها لمجرد انضوائها في عداد ورثة المستأجر الأصلي، اختصها دون مسوغ، واصطفاها في غير ضرورة، بتلك المعاملة التفضيلية التي تقدم المنفعة المجلوبة على مخاطر المفاسد ودرء عواقبها، وتلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش، حال أن دفع المضرة أولى اتقاء لسواءتها وشرورها، ولأن الأصل حين تتزاحم الأضرار على محل واحد، أن يكون تحمل أخفها لازماً دفعاً لأفدحها.
16- كان ينبغي – من ثم أن يترسم النص المطعون فيه تلك التي تتوازن من خلالها العلائق الإيجارية بما يكون كافلاً لمصالح أطرافها، غير مؤد إلى تنافرها، ليُقيمها على قاعدة التضامن الاجتماعي التي أرستها المادة 7 من الدستور. وهي بعد قاعدة مؤداها وحدة الجماعة في بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يتفرقون بدداً، أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً. وهم بذلك شركاء في مسئوليتهم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلي عنها. وليس لفريق منهم بالتالي أن ينال قدراً من الحقوق يكون بها – عدواناً – أكثر علواً، ولا أن ينتحل منها ما يخل بالأمن الاجتماعي.


الإجراءات

بتاريخ الحادي والعشرين من يونيه 1995، أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبة الحكم بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر؛ وكذلك ما تضمنته المادة 18 من القانون 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل في أن المدعية وأخريات كن قد أقمن الدعوى رقم 1012 لسنة 1981 إيجارات كلي جنوب القاهرة ضد المدعى عليهن الأخيرات، ابتغاء القضاء بإخلاء المحل الكائن أسفل العقار رقم 62 شارع محمد فريد قسم عابدين، قولاً منهن إنه بموجب عقد إيجار مؤرخ 1/ 1/ 1947 استأجر مورث المدعى عليهن المحل المشار إليه من مالكه السابق، وذلك لاستعماله في حرفة النجارة التي يزاولها، وقد أحيل العقد إلي المدعية وشريكاتها بصفتهن المالكات الحاليات للعقار، وإذ توفى المستأجر فقد انتهى عقد إيجار المحل، ومن ثم فقد أقمن دعواهن الموضوعية بطلب إخلائه منهن.
وبجلسة 4/ 5/ 1995 – المحددة لنظر الدعوى الموضوعية – دفعت المدعية بعدم دستورية المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر؛ وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، وصرحت للمدعية باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية، فقد أقامت الدعوى الماثلة.
وحيث إن ولاية المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى الدستورية – وعلى ما جرى به قضاؤها – لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالاً مطابقاً للأوضاع المقررة في قانونها، وذلك إما بإحالة الأوراق إليها من إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي للفصل في المسألة الدستورية، وإما برفعها من أحد الخصوم بمناسبة دعوى موضوعية دفع فيها الخصم بعدم دستورية نص تشريعي، وقدرت محكمة الموضوع جدية دفعه. وهذه الأوضاع الإجرائية تتعلق بالنظام العام باعتبارها شكلاً جوهرياً في التقاضي تغيا به المشرع مصلحة عامة، حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها. إذ كان ذلك، وكان الثابت مما تقدم، أن المدعية قصرت دفعها بعدم الدستورية على المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه، فإن دعواها الدستورية لا تكون مقبولة بالنسبة إلى المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 لعدم اتصالها في هذا الشق بالمحكمة اتصالاً مطابقاً للأوضاع المقررة قانوناً.
وحيث إن المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977؛ وبعد العمل بأحكام المحكمة الدستورية العليا الصادرة في الطعون أرقام 6 لسنة 9 قضائية، 4 لسنة 15 قضائية، 3 لسنة 18 قضائية دستورية؛ أصبحت تقراً كما يأتي: “مع عدم الإخلال بحكم المادة 8 من هذا القانون، لا ينتهي عقد إيجار المسكن بوفاة المستأجر أو تركه العين، إذا بقى فيها زوجته أو أولاده أو أي من والديه الذين كانوا يقيمون معه حتى الوفاة أو الترك؛ وفيما عدا هؤلاء من أقارب المستأجر نسباً حتى الدرجة الثالثة، يشترط لاستمرار عقد الإيجار إقامتهم في المسكن مدة سنة على الأقل سابقة على وفاة المستأجر؛ أو مدة شغله للمسكن أيتهما أقل.
فإذا كانت العين مؤجرة لمزاولة نشاط تجاري أو صناعي أو مهني أو حرفي فلا ينتهي العقد بوفاء المستأجر، ويستمر لصالح ورثته.
وفى جميع الأحوال يلتزم المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق في الاستمرار في شغل العين، ويلتزم هؤلاء الشاغلون بطريق التضامن بكافة أحكام العقد”.
وحيث إن المدعية تنعي على هذا النص مخالفته أحكام المواد 2، 7، 32، 34 من الدستور. قولاً منها بمخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية – وهي المصدر الرئيسي للتشريع – فضلاً عن إهداره لحق الملكية. وإخلاله بمبدأ التضامن الاجتماعي.
وحيث إن البين من مضابط جلسات مجلس الشعب إبان الفصل التشريعي الثاني – دور الانعقاد الأول – بدءاً بمضبطة الجلسة الرابعة والستين، وانتهاءً بمضبطة الجلسة الخامسة والثمانين، أن نص المادة 29 فقرة ثانية، وما يرتبط به من فقرتها الثالثة، لم يكن وارداً أصلاً لا في المشروع المقدم من الحكومة، ولا في المشروع الذي ارتأته لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير بالمجلس؛ وأن المناقشة الأولى للنص التي تمت بالجلسة المعقودة في 30 من يوليو سنة 1975، قد أسفرت عن إضافة فقرة أخيرة إلى المادة 31 من المشروع – التي أصبحت المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977- تنص على أنه إذا كانت العين مؤجرة لمزاولة حرفة أو مهنة، فإن العقد لا ينتهي بوفاة المستأجر إذا ما بقى يزاول فيها نفس الحرفة أو المهنة زوجته أو أحد أولاده الذين تتوافر فيه شروط المزاولة. بيد أن النص أفرغ – عند المناقشة النهائية – في الصيغة التي صدر بها، دالاً بمنطوقه على عدم انتهاء عقد إيجار العين المؤجرة لمزاولة نشاط تجاري أو صناعي أو مهني أو حرفي بوفاة مستأجرها، بل بقاء ذلك العقد مستمراً لصالح ورثته، مستحدثاً بذلك حكماً لم تسبق إليه التشريعات المنظمة لإيجار الأماكن الصادرة قبل العمل بالقانون رقم 49 لسنة 1977، ونابذاً – في الوقت ذاته – ما جرت به المادة 602 من القانون المدني، التي تنص علي أنه إذا مات المستأجر، جاز لورثته أو للمؤجر أن يطلبوا إنهاء عقد الإيجار – قبل انقضاء مدته – إذا كان لم يعقد إلا بسبب حرفة المستأجر أو لاعتبارات أخرى تتعلق بشخصه؛ وهي ما يعني أن موت المستأجر يعتبر وفقاً لنص المادة 602 من القانون المدني عذراً طارئاً يسوغ إنهاء الإيجار على النحو المتقدم. وليس لوارث أن يعقبه فيها، ولو كانت له حرفة المورث، بل يتعين إذا أراد الاستمرار في مزاولتها في المكان المؤجر، أن يكون ذلك بعقد إيجار جديد بينه وبين المؤجر.
وحيث إن النص المطعون فيه، قد جاوز نطاق هذه القواعد؛ إذ اعتبر عقد الإيجار ممتداً بقوة القانون، لصالح ورثة مستأجر العين المؤجرة لغير أغراض السكنى على إطلاقهم، ولو كانوا جميعاً لا يباشرون الحرفة أو المهنة التجارية التي قام عليها المستأجر، أو كان من يزاولها نائباً عنهم في ممارستها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الرقابة على الشرعية الدستورية تتناول – بين ما تشتمل عليه – الحقوق التي كفلها الدستور، وأخل بها النص المطعون فيه؛ سواء أكان هذا الإخلال مقصوداً ابتداءً؛ أم كان قد وقع عرضاً.
وحيث إن من المقرر قانوناً – وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – أن حق الملكية – وباعتباره منصرفاً محلاً إلى الحقوق العينية والشخصية جميعها، وكذلك إلى حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية، نافذ في مواجهة الكافة ليختص صاحبها دون غيره بالأموال التي يملكها وتهيئة الانتفاع المفيد بها، لتعود إليه ثمارها وملحقاتها ومنتجاتها؛ وكان صون حرمتها مؤداه ألا تزول الملكية عن ذويها بانقطاعهم عن استعمالها. ولا أن يجردها المشرع من لوازمها، أو يفصل عنها بعض الأجزاء التي تكونها، ولا أن ينال من أصلها أو يعدل من طبيعتها أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ولا أن يتذرع بتنظيمها إلى حد هدم الشيء محلها. ذلك أن إسقاط الملكية عن أصحابها سواء بطريق مباشر أو غير مباشر – عدوان عليها يناقض ما هو مقرر قانوناً من أن الملكية لا تزول عن الأموال محلها، إلا إذا كسبها أغيار وفقاً للقانون.
وحيث إن السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، لازمها أن يفاضل بين بدائل متعددة مرجحاً من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها. إلا أن الحدود التي يبلغها هذا التنظيم لا يجوز بحال أن ينفلت مداها إلى ما يعد أخذاً للملكية من أصحابها A taking of property. سواء من خلال العدوان عليها بما يفقدها قيمتها، أو عن طريق اقتحامها مادياً، بل إن اقتلاع المزايا التي تنتجها أو تهمشها مؤداه سيطرة آخرين فعلاً عليهاphysical appropriation، أو تعطيل بعض جوانبها.
وحيث إن المشرع، وإن قرر في مجال تنظيم العلائق الإيجارية، من النصوص القانونية ما ارتآه كافلاً للتوازن بين أطرافها، إلا أن هذا التوازن لا يجوز أن يكون صورياً أو منتحلاً. وكلما كان هذا التنظيم متحيفاً، بأن مال بالميزان في اتجاه أحد أطرافها تعظيماً للحقوق التي يدعيها أو يطلبها، كان ذلك انحرافاً عن إطارها الحق، أو نكولاً عن ضوابط ممارستها، فلا يستقيم بنيانها. ويقع ذلك بوجه خاص إذا كان تنظيم المشرع للحق في استعمال الشيء – وهو أحد عناصر حق الملكية – مدخلاً لإفقار مالكه، وإثراء لغيره على حسابه.
وحيث إنه فضلاً عما تقدم، لا يجوز أن يحصل المستأجر من خلال الإجارة، على حقوق لا يسوغها مركزه القانوني في مواجهة المؤجر، وإلا حض تقريرها على الانتهاز، وكان قرين الاستغلال، إذ ليس من المتصور أن يكون مغبون الأمس – وهو المستأجر – غابناً، ولا أن يكون تدخل المشرع شططاً قلباً لموازين الحق والعدل، فلا تتوافق في إطار العلائق الإيجارية – مصالح طرفيها اقتصادياً، بل يختل التضامن بينهما اجتماعياً، ليكون صراعهما بديلاً عن التعاون بينهما.
كذلك لا يجوز أن يتحول حق المستأجر في استعمال العين – وهو حق مصدره العقد دائماً حتى مع قيام التنظيم الخاص للعلائق الإيجارية وتحديد أبعادها بقوانين استثنائية – إلى نوع من السلطة الفعلية يسلطها المستأجر مباشرة على الشيء المؤجر، مستخلصاً منه فوائده دون تدخل من المؤجر. إذ لو جاز لخرج هذا الحق من إطار الحقوق الشخصية، وصار مشبهاً بالحقوق العينية، ملتئماً مع ملامحها، وهو ما يناقض خصائص الإجارة باعتبار أن طرفيها – وطوال مدتها، على اتصال دائم مما اقتصي ضبطها تحديداً لحقوقهما وواجباتهما، فلا يتسلط أغيار عليها انتهازاً وإضرار بحقوق مؤجرها، متدثرين في ذلك بعباءة القانون. ولأنها فوق هذا لا تقع على ملكية الشيء المؤجر، بل تنصب علي منفعة يدرها، مقصودة في ذاتها، ومعلومة من خلال تعيينها، ولمدة طابعها التأقيت مهما استطال أمدها.
وحيث إن الحق في الإجارة لصيق بشخص المستأجر؛ ومقارن للغرض من الإجارة كلما كانت العين مؤجرة لاعتبار يتعلق بطبيعة الأعمال التي يزاولها المستأجر. ومن ثم كان ينبغي أن يعتبر هذا الحق منقضياً بوفاته، وأن يتوافر بها حق مؤجر العين في تسلمها بعد انقطاع صلة هذا المستأجر بها، إلا أن المشرع آثر بالنص المطعون فيه – أن ينقل منفعتها إلى ورثته جملة، ودون قيد.
وحيث إن مؤدى النص المطعون فيه، أنه إذا كان مستأجر العين الأصلي يباشر فيها نشاطاً تجاًريا أم حرفياً، فإن العقد بعد وفاته يمتد امتداداً قانونياً إلى ورثته جميعهم، سواء أكان هؤلاء يباشرون في هذا المكان المهنة أو الحرفة ذاتها التي قام عليها مورثهم، أم كانوا يزاولون غيرها؛ يعتمدون عليها كلية في معاشهم بوصفها مورداً رئيسياً أو وحيداً لرزقهم، أم يفيئون إليها عرضاً باعتبارها تغل دخلاً جانبياً مضافاً إلى عملهم الأصلي؛ يعاونون أسرة مورثهم في أعباء حياتها، أم يناهضونها ويستقلون بنشاطهم في هذا المكان عنها؛ يعملون فيه بأنفسهم استصحاباً لمهنة أو حرفة مورثهم، أم ينيبون عنهم أغياراً في مباشرتها بعد انفصالهم عنها، وما لذلك فرض المشرع القيود الاستثنائية على العلائق الإيجارية التي لا يتصور أن ترتبط بغير الضرورة التي اقتضتها، ولا أن يكون أثرها مُحَوِّرا من بنيان حق الملكية، فلا تخلص لأصحابها، بل يتسلط آخرون عليها حتى تصير ركاماً، انحرافاً بالإجارة عن مقاصدها.
وحيث إن مفاد ما تقدم، أن القيود الاستثنائية التي حَمَّل بها المشرع العلائق الإيجارية، لا يجوز النظر إليها باعتبارها حلاً نهائياً ودائماً لمشكلاتها، ولا أن يمد المشرع تطبيقها إلى صور لا تسعها، ولا يمكن التسليم بها إلا بافتراض أن الدستور يغلب دوماً مصالح مستأجر العين – وكذلك ورثته – على حقوق مؤجرها وهو يملكها في الأعم من الأحوال – فلا يتساويان أو يتوازنان؛ حال أن الأصل في عقود القانون الخاص، ابتناؤها على علائق تتكافأ بشأنها مصالح أطرافها، فلا يميل ميزانها في اتجاه مناقض لطبيعتها، إلا بقدر الضرورة التي لا يجوز أن ينفصل عنها مضمون النص المطعون فيه أو الآثار التي يرتبها. ويتعين بالتالي أن تخلي مكانها – عند فواتها – لحرية التعاقد بحسبانها الأصل في العقود جميعها؛ ولأن صون الحرية الشخصية لا يعتبر مجرد ضمان ضد التدابير غير المبررة التي تنال من البدن، كتلك التي تتعلق بالقبض أو الاعتقال غير المشروع، بل هي صمام أمن كذلك ضد أشكال القهر على اختلافها، فلا يكون جوهر هذه الحرية إلا مجالاً حياً لإرادة الاختيار.
وحيث إن الورثة – وفي مجال تطبيق النص المطعون فيه – يتخذون من وفاة مورثهم وزوال صلته بالتالي بالعين المؤجرة، موطئاً لاستلابها من خلال مكثهم فيها واستغلالها في عين نشاطها السابق أو في غيره، ثم من بعدهم إلى ورثتهم، فلا ينتزعها منهم أحد، بل تتصل أيديهم بها تعاقباً عليها، فلا ينفكون عنها أو يبرحونها؛ مهما بعد العهد على العقد الأول، ما ظل زمامها بيد من يتداولها فلا يتحولون عنها إلا بعد انتهابهم من المؤجر مقابلاً لتركها فإذا لم يبذل، صار المكان المؤجر إرثاً يختص هؤلاء بثماره دون وساطة من أحد؛ وهو ما يعدل انتزاع منافع الأعيان من ملاكها على وجه التأبيد. ومن غير المتصور أن يكون مؤجر العين قد عطل مختاراً ونهائياً حق استعمالها واستغلالها، سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، ولا أن تكون إرادتا طرفي الإجارة قد تلاقيتا – ابتداء – على أن يقحما عليها أشخاص غرباء عنها دخلاء عليها.
وحيث إن النص المطعون فيه، ينحدر كذلك بحقوق المؤجر إلى مرتبة الحقوق محدودة الأهمية، ويحيلها إلى مسوخ مشوهة لا تتعدى تقاضيه عائداً نقدياً دورياً ضئيلاً؛ مرجحاً على ملكيته بمكناتها التي أقامها الدستور سوية لا عوج فيها، مصالح لا تدانيها، ولا تقوم إلى جانبها، أو تتكافأ معها، ترتيباً على انتقال منفعتها إلى الغير انتقالاً متتابعاً متصلاً ممتداً في أغوار الزمن؛ وهو بعد انتقال لا يعتد بإرادة مالكها في معدنها الحقيقي، بل يقوم في صوره الأكثر شيوعاً، على ابتزاز أموال المؤجر، والتدليس عليه، وهو ما يعد التواء بالإجارة عن حقيقة مقاصدها؛ وإهدار لتوازن لا يجوز أن يختل بين أطرافها.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن النص المطعون فيه، أنشأ حقوقاً مبتدأه – بعيدة في مداها – منحها لفئة بذاتها لمجرد انضوائها في عداد ورثة المستأجر الأصلي، اختصها دون مسوغ، واصطفاها في غير ضرورة، بتلك المعاملة التفضيلية التي تقدم المنفعة المجلوبة على مخاطر المفاسد ودرء عواقبها، وتلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش، حال أن دفع المضرة أولى اتقاء لسواءتها وشرورها، ولأن الأصل حين تتزاحم الأضرار على محل واحد، أن يكون تتحمل أخفها لازماً دفعاً لأفدحها.
وكان ينبغي – من ثم – أن يترسم النص المطعون فيه تلك الضوابط التي تتوازن من خلالها العلائق الإيجارية بما يكون كافلاً لمصالح أطرافها، غير مؤد إلى تنافرها، ليُقيمها على قاعدة التضامن الاجتماعي التي أرستها المادة 7 من الدستور وهي بعد قاعدة مؤداها وحدة الجماعة في بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيراً. فلا يتفرقون بدداً، أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً. وهم بذلك شركاء في مسئوليتهم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلي عنها. وليس لفريق منهم بالتالي أن ينال قدراً من الحقوق يكون بها عدواناً أكثر علواً، ولا أن ينتحل منها ما يخل بالأمن الاجتماعي.
وحيث إن النص المطعون فيه قد نقض بما تقدم، الأحكام المنصوص عليها في المواد 7 و32 و40 و41 من الدستور.
وحيث إن الفقرة الثالثة من المادة 29 المشار إليها، تلزم المؤجر – وفي كل الأحوال – بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق في شغل العين، وكان حكمها هذا مرتبطاً بفقرتها الثانية المطعون فيها ارتباطاً لا يقبل التجزئة، فإنها تسقط في هذا النطاق، إذ لا يتصور تطبيقها، وقد غدا النص الذي تستند إليه لإعمالها، منعدماً.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وذلك فيما نصت عليه من استمرار الإجارة التي عقدها المستأجر في شأن العين التي استأجرها لمزاولة نشاط حرفي أو تجاري لصالح ورثته بعد وفاته، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.


استناداً إلى الحجية المطلقة لهذا الحكم، قضت المحكمة – خلال الفقرة التي صدر عنها هذا الجزء من أحكامها – باعتبار الخصومة منتهية في الدعوى رقم 76 لسنة 17 ق. دستورية، جلسة 5/ 4/ 1997.

xosotin chelseathông tin chuyển nhượngcâu lạc bộ bóng đá arsenalbóng đá atalantabundesligacầu thủ haalandUEFAevertonxosokeonhacaiketquabongdalichthidau7m.newskqbdtysokeobongdabongdalufutebol ao vivofutemaxmulticanaisonbethttps://bsport.fithttps://onbet88.ooohttps://i9bet.bizhttps://hi88.ooohttps://okvip.athttps://f8bet.athttps://fb88.cashhttps://vn88.cashhttps://shbet.atbóng đá world cupbóng đá inter milantin juventusbenzemala ligaclb leicester cityMUman citymessi lionelsalahnapolineymarpsgronaldoserie atottenhamvalenciaAS ROMALeverkusenac milanmbappenapolinewcastleaston villaliverpoolfa cupreal madridpremier leagueAjaxbao bong da247EPLbarcelonabournemouthaff cupasean footballbên lề sân cỏbáo bóng đá mớibóng đá cúp thế giớitin bóng đá ViệtUEFAbáo bóng đá việt namHuyền thoại bóng đágiải ngoại hạng anhSeagametap chi bong da the gioitin bong da lutrận đấu hôm nayviệt nam bóng đátin nong bong daBóng đá nữthể thao 7m24h bóng đábóng đá hôm naythe thao ngoai hang anhtin nhanh bóng đáphòng thay đồ bóng đábóng đá phủikèo nhà cái onbetbóng đá lu 2thông tin phòng thay đồthe thao vuaapp đánh lô đềdudoanxosoxổ số giải đặc biệthôm nay xổ sốkèo đẹp hôm nayketquaxosokq xskqxsmnsoi cầu ba miềnsoi cau thong kesxkt hôm naythế giới xổ sốxổ số 24hxo.soxoso3mienxo so ba mienxoso dac bietxosodientoanxổ số dự đoánvé số chiều xổxoso ket quaxosokienthietxoso kq hôm nayxoso ktxổ số megaxổ số mới nhất hôm nayxoso truc tiepxoso ViệtSX3MIENxs dự đoánxs mien bac hom nayxs miên namxsmientrungxsmn thu 7con số may mắn hôm nayKQXS 3 miền Bắc Trung Nam Nhanhdự đoán xổ số 3 miềndò vé sốdu doan xo so hom nayket qua xo xoket qua xo so.vntrúng thưởng xo sokq xoso trực tiếpket qua xskqxs 247số miền nams0x0 mienbacxosobamien hôm naysố đẹp hôm naysố đẹp trực tuyếnnuôi số đẹpxo so hom quaxoso ketquaxstruc tiep hom nayxổ số kiến thiết trực tiếpxổ số kq hôm nayso xo kq trực tuyenkết quả xổ số miền bắc trực tiếpxo so miền namxổ số miền nam trực tiếptrực tiếp xổ số hôm nayket wa xsKQ XOSOxoso onlinexo so truc tiep hom nayxsttso mien bac trong ngàyKQXS3Msố so mien bacdu doan xo so onlinedu doan cau loxổ số kenokqxs vnKQXOSOKQXS hôm naytrực tiếp kết quả xổ số ba miềncap lo dep nhat hom naysoi cầu chuẩn hôm nayso ket qua xo soXem kết quả xổ số nhanh nhấtSX3MIENXSMB chủ nhậtKQXSMNkết quả mở giải trực tuyếnGiờ vàng chốt số OnlineĐánh Đề Con Gìdò số miền namdò vé số hôm nayso mo so debach thủ lô đẹp nhất hôm naycầu đề hôm naykết quả xổ số kiến thiết toàn quốccau dep 88xsmb rong bach kimket qua xs 2023dự đoán xổ số hàng ngàyBạch thủ đề miền BắcSoi Cầu MB thần tàisoi cau vip 247soi cầu tốtsoi cầu miễn phísoi cau mb vipxsmb hom nayxs vietlottxsmn hôm naycầu lô đẹpthống kê lô kép xổ số miền Bắcquay thử xsmnxổ số thần tàiQuay thử XSMTxổ số chiều nayxo so mien nam hom nayweb đánh lô đề trực tuyến uy tínKQXS hôm nayxsmb ngày hôm nayXSMT chủ nhậtxổ số Power 6/55KQXS A trúng roycao thủ chốt sốbảng xổ số đặc biệtsoi cầu 247 vipsoi cầu wap 666Soi cầu miễn phí 888 VIPSoi Cau Chuan MBđộc thủ desố miền bắcthần tài cho sốKết quả xổ số thần tàiXem trực tiếp xổ sốXIN SỐ THẦN TÀI THỔ ĐỊACầu lô số đẹplô đẹp vip 24hsoi cầu miễn phí 888xổ số kiến thiết chiều nayXSMN thứ 7 hàng tuầnKết quả Xổ số Hồ Chí Minhnhà cái xổ số Việt NamXổ Số Đại PhátXổ số mới nhất Hôm Nayso xo mb hom nayxxmb88quay thu mbXo so Minh ChinhXS Minh Ngọc trực tiếp hôm nayXSMN 88XSTDxs than taixổ số UY TIN NHẤTxs vietlott 88SOI CẦU SIÊU CHUẨNSoiCauVietlô đẹp hôm nay vipket qua so xo hom naykqxsmb 30 ngàydự đoán xổ số 3 miềnSoi cầu 3 càng chuẩn xácbạch thủ lônuoi lo chuanbắt lô chuẩn theo ngàykq xo-solô 3 càngnuôi lô đề siêu vipcầu Lô Xiên XSMBđề về bao nhiêuSoi cầu x3xổ số kiến thiết ngày hôm nayquay thử xsmttruc tiep kết quả sxmntrực tiếp miền bắckết quả xổ số chấm vnbảng xs đặc biệt năm 2023soi cau xsmbxổ số hà nội hôm naysxmtxsmt hôm nayxs truc tiep mbketqua xo so onlinekqxs onlinexo số hôm nayXS3MTin xs hôm nayxsmn thu2XSMN hom nayxổ số miền bắc trực tiếp hôm naySO XOxsmbsxmn hôm nay188betlink188 xo sosoi cầu vip 88lô tô việtsoi lô việtXS247xs ba miềnchốt lô đẹp nhất hôm naychốt số xsmbCHƠI LÔ TÔsoi cau mn hom naychốt lô chuẩndu doan sxmtdự đoán xổ số onlinerồng bạch kim chốt 3 càng miễn phí hôm naythống kê lô gan miền bắcdàn đề lôCầu Kèo Đặc Biệtchốt cầu may mắnkết quả xổ số miền bắc hômSoi cầu vàng 777thẻ bài onlinedu doan mn 888soi cầu miền nam vipsoi cầu mt vipdàn de hôm nay7 cao thủ chốt sốsoi cau mien phi 7777 cao thủ chốt số nức tiếng3 càng miền bắcrồng bạch kim 777dàn de bất bạion newsddxsmn188betw88w88789bettf88sin88suvipsunwintf88five8812betsv88vn88Top 10 nhà cái uy tínsky88iwinlucky88nhacaisin88oxbetm88vn88w88789betiwinf8betrio66rio66lucky88oxbetvn88188bet789betMay-88five88one88sin88bk88xbetoxbetMU88188BETSV88RIO66ONBET88188betM88M88SV88Jun-68Jun-88one88iwinv9betw388OXBETw388w388onbetonbetonbetonbet88onbet88onbet88onbet88onbetonbetonbetonbetqh88mu88Nhà cái uy tínpog79vp777vp777vipbetvipbetuk88uk88typhu88typhu88tk88tk88sm66sm66me88me888live8live8livesm66me88win798livesm66me88win79pog79pog79vp777vp777uk88uk88tk88tk88luck8luck8kingbet86kingbet86k188k188hr99hr99123b8xbetvnvipbetsv66zbettaisunwin-vntyphu88vn138vwinvwinvi68ee881xbetrio66zbetvn138i9betvipfi88clubcf68onbet88ee88typhu88onbetonbetkhuyenmai12bet-moblie12betmoblietaimienphi247vi68clupcf68clupvipbeti9betqh88onb123onbefsoi cầunổ hũbắn cáđá gàđá gàgame bàicasinosoi cầuxóc đĩagame bàigiải mã giấc mơbầu cuaslot gamecasinonổ hủdàn đềBắn cácasinodàn đềnổ hũtài xỉuslot gamecasinobắn cáđá gàgame bàithể thaogame bàisoi cầukqsssoi cầucờ tướngbắn cágame bàixóc đĩa开云体育开云体育开云体育乐鱼体育乐鱼体育乐鱼体育亚新体育亚新体育亚新体育爱游戏爱游戏爱游戏华体会华体会华体会IM体育IM体育沙巴体育沙巴体育PM体育PM体育AG尊龙AG尊龙AG尊龙AG百家乐AG百家乐AG百家乐AG真人AG真人<AG真人<皇冠体育皇冠体育PG电子PG电子万博体育万博体育KOK体育KOK体育欧宝体育江南体育江南体育江南体育半岛体育半岛体育半岛体育凯发娱乐凯发娱乐杏彩体育杏彩体育杏彩体育FB体育PM真人PM真人<米乐娱乐米乐娱乐天博体育天博体育开元棋牌开元棋牌j9九游会j9九游会开云体育AG百家乐AG百家乐AG真人AG真人爱游戏华体会华体会im体育kok体育开云体育开云体育开云体育乐鱼体育乐鱼体育欧宝体育ob体育亚博体育亚博体育亚博体育亚博体育亚博体育亚博体育开云体育开云体育棋牌棋牌沙巴体育买球平台新葡京娱乐开云体育mu88qh88