الخط الساخن : 01118881009

جلسة 7 فبراير 1998

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: نهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف وماهر البحيري، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (86)
القضية رقم 40 لسنة 15 قضائية “دستورية”

1 – تشريع “قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 695 لسنة 1983 – قرار وزير المالية رقم 218 لسنة 1983: أثر رجعي”
قرار رئيس مجلس الوزراء المشار إليه فيما تضمنه من نص على سريانه من تاريخ صدوره وقبل نشره في الجريدة الرسمية – يفيد انطواءه على أثر رجعي لأحكامه – سريان قرار وزير المالية اعتباراً من تاريخ العمل بالقرار الأول يجعله رجعي الأثر كذلك.
2 – دستور “ضرائب عامة”
مفاد نص المادة 119 من الدستور أنه مايز بين الضريبة العامة وبين غيرها من الفرائض المالية – عدم جواز فرض أولاهما أو تعديلها أو إلغائها إلا بقانون أما ثانيتهما فيجوز إنشاؤها في الحدود التي يبينها القانون.
3 – ضريبة عامة “مفهومها”
الضريبة العامة هي التي يكون مناط سريانها وترتيبها لدينها في ذمة ممولها مرتبطاً بالواقعة المنشئة لها على مدى النطاق الإقليمي للدولة.
4 – دستور “تفويض – ضرائب”
التفويض المقرر بالفقرة الثانية من المادة 119 من الدستور – في مجال سريانها على غير الضريبة العامة – لا يكون مقيداً بالضوابط التي حددتها المادة 108 من الدستور – عدم تقيد السلطة التشريعية في ممارستها لهذا التفويض بغير الشروط والأوضاع التي اتصل التفويض بها وفقاً للقانون المحدد لها.
5 – سلطة تنفيذية “تفويض: قيوده”
تقيد السلطة التنفيذية دوماً في مجال ممارستها لاختصاص تشريعي فوض إليها بشروط هذا التفويض وحدوده.
6 – أثر رجعي “عدم افتراضه”
تقرير الأثر الرجعي للقواعد القانونية جميعها – سواء في ذلك ما تقره السلطة التشريعية منها أو ما يصدر عن السلطة التنفيذية – لا يجوز أن يفترض.
7 – أثر رجعي “بطلانه”
من اللازم إبطال الأثر الرجعي لنصوص قانونية أصدرتها السلطة التنفيذية بناء على تفويض لا يخولها – بالنصوص التي تضمنها – هذا الاختصاص.
8 – ضرائب “أثر رجعي – عدالة اجتماعية”
انسحاب الضريبة بأثر رجعي إلى صور من التعامل اكتمل تكوينها قبل العمل بها، وكان من المتعذر على المكلفين بأدائها توقعها قبل نفاذ تصرفاتهم هذه، يجعل اقتضاؤها منهم منافياً لعدالتها الاجتماعية.
9 – ضرائب “بنيانها – سريانها”
بنيان كل ضريبة – سواء تلك التي يكون زمامها بيد السلطة التشريعية أو التي تعهد بفرضها إلى السلطة التنفيذية – إنما يتناول عناصرها التي لا تقوم بدونها – من اللازم أن يكون العمل بالضريبة مرتبطاً بذيوع أحكامها من خلال نشرها.
10 – تشريع “قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 695 لسنة 1983 – قرار وزير المالية رقم 218 لسنة 1983: أثر رجعي”
تناقض هذين القرارين – فيما تضمناه من سريان أحكامهما بأثر رجعي – لمبدأ خضوع الدولة للقانون.
11 – ضريبة “تحصيلها” – ملكية خاصة “صونها”
فرض ضريبة لم تكتمل مقوماتها الدستورية – ومنها تطبيق الضريبة قبل اتصالها بالمخاطبين بها – تتحمل بها أموال المكلفين بأدائها بما يرتد سلباً عليها بقدر مبلغها – إنما يخل بالحماية المكفولة دستورياً لصون الأموال جميعها.
1 – قرار وزير المالية قد صدر في 24/ 8/ 1983، ونشر في الوقائع المصرية في 8/ 11/ 1983، منسحباً إلى السلع التي أفرج عنها برسم المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد، والمحددة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 695 لسنة 1983، وسارياً اعتباراً من تاريخ العمل بهذا القرار في 26/ 7/ 1983، فلا يكون قرار وزير المالية إلا رجعي الأثر. كذلك فإن سريان قرار رئيس مجلس الوزراء اعتباراً من تاريخ صدوره، وقبل نشره في الجريدة الرسمية، يفيد انطواءه على أثر رجعي في شأن يتعلق بضريبة كان ينبغي أن تتصل أحكامها بالمخاطبين بها من خلال إعلامهم بحقيقتها، ونوع السلع التي تشملها، توقياً لمداهمتهم بها.
2 – إن المادة 119 من الدستور تقضي في فقرتها الأولى بأن إنشاء الضرائب العامة وتعديلها أو إلغاءها لا يكون إلا بقانون، ولا يعفي أحد من أدائها إلا في الأحوال المبينة في القانون. وتنص فقرتها الثانية على أنه لا يجوز تكليف أحد أداء غير ذلك من الضرائب أو الرسوم إلا في حدود القانون.
إن مفاد نص المادة 119 المشار إليها، أن الدستور – وتقديراً من جهته لخطورة الآثار التي ترتبها الضريبة العامة، وبوجه خاص من زاوية جذبها لعوامل الإنتاج أو طردها أو تقييد تدفقها، وما يتصل بها من مظاهر الانكماش أو الانتعاش – قد مايز بينها وبين غيرها من الفرائض المالية، فنص على أن أولاهما لا يجوز فرضها أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون، وأن ثانيتهما يجوز إنشاؤها في الحدود التي يبينها القانون.
3 – الضريبة العامة هي التي يكون مناط سريانها، وترتيبها لدينها في ذمة مموليها، مرتبطاً بالواقعة المنشئة لها في أية بقعة يسعها النطاق الإقليمي للدولة، وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية أو فواصلها الجغرافية، فلا ينحصر المخاطبون بها في دائرة بذاتها من إقليمها، وإنما يعتبر إقليمها – بكامل الأجزاء التي يشتمل عليها – نطاقاً لها مستلزماً سريانها بالقوة ذاتها في أية جهة منه، كافلاً تكافؤ المخاطبين بها – على امتداده – في مجال الخضوع لها.
4 – الفقرة الثانية من المادة 119 من الدستور في مجال سريانها على غير الضريبة العامة، نص خاص في مجال تطبيقها، يخول السلطة التشريعية أن تفوض رئيس الجمهورية أو أية سلطة إدارية أخرى في فرضها، ودون أن تتقيد في ممارستها لهذا التفويض بغير الشروط والأوضاع التي اتصل التفويض بها وفقاً للقانون المحدد لها، بما مؤداه أن التفويض المقرر بهذه الفقرة، لا يكون مقيداً بالضوابط التي حددتها المادة 108 من الدستور لجواز تفويض رئيس الجمهورية – دون غيره – في مباشرة بعض مظاهر الولاية التشريعية بصفة استثنائية، وعند الضرورة – وإنما شأن التفويض المقرر بالفقرة الثانية من المادة 119 المشار إليها، شأن التفويض المقرر بنص المادة 66 من الدستور التي تخول المشرع أن يعهد إلى السلطة التنفيذية – ممثلة في أحد فروعها – بأن تحدد بنفسها بعض ملامح التجريم وعقوباتها، فكلاهما نص خاص أورده الدستور متضمناً تقييد العام، فلا يكون دائراً في إطاره.
5، 6، 7 – السلطة التنفيذية تتقيد دوماً في مجال ممارستها لاختصاص فوض إليها، بشروط هذا التفويض وحدوده، وكان تقرير أثر رجعي للقواعد القانونية جميعها – سواء في ذلك ما تقره السلطة التشريعية منها أو ما يصدر عن السلطة التنفيذية – لا يجوز أن يفترض بالنظر إلى خطورة الآثار التي تحدثها الرجعية في محيط العلائق القانونية، وما يلابسها – في الأعم من الأحوال – من إخلال بالحقوق وباستقرار التعامل، وكان ذلك مؤداه أن كل تفويض يخول السلطة التنفيذية إصدار القواعد القانونية التي يقتضيها تنظيم موضوع معين، لا يجوز أن يفسر على نحو يمنحها الاختصاص بتقرير رجعيتها دون سند من نصوص التفويض ذاتها، فقد صار لازماً إبطال الأثر الرجعي لنصوص قانونية أصدرتها السلطة التنفيذية بناء على تفويض لا يخولها – بالنصوص التي تضمنها – هذا الاختصاص.
A statutory grant of legislative rulemaking authority will not, as a general matter, be understood to encompass the power to promulgate retroactive rules unless that power is conveyed by the legislator in express terms.
(Bowen, secretary of health and human services v. georgetown university hospital. Decided December 12, 1988).
8 – قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه كلما كان التنظيم القانوني للضريبة منسحباً بأثره الرجعي إلى صور من التعامل اكتمل تكوينها قبل العمل به، وكان المكلفون بأدائها قد تعذر عليهم توقعها قبل نفاذ تصرفاتهم هذه فيما بين أطرافها، وإنما باغتتهم بها السلطة التي فرضتها، فإن اقتضاءها منهم يكون منافياً لعدالتها الاجتماعية، وهي أساس نظامها وفقاً لنص المادة 38 من الدستور.
9 – بنيان كل ضريبة – سواء في ذلك تلك التي يكون زمامها بيد السلطة التشريعية، أو التي تعهد بفرضها إلى السلطة التنفيذية – إنما يتناول عناصرها التي لا تقوم بدونها، ويندرج تحتها على الأخص أسس تقدير وعائها ومبلغها والمكلفون أصلاً بأدائها، والمسئولين عن توريدها، وقواعد ربطها وتحصيلها، وغير ذلك مما يتصل بمقوماتها، وكان إعمال النصوص القانونية التي تنظمها اعتباراً من تاريخ صدورها، مؤداه سريانها في شأن المخاطبين بها قبل اتصالها بعلمهم، ومداهمتهم بها قبل إحاطتهم بأسس فرضها ونطاقها، وذلك بالرغم من خطورة الآثار التي تقارنها، وعلى الأخص في مجال تداول الأموال وتنظيم حركتها، فقد غدا لازماً أن يكون العمل بالضريبة مرتبطاً بذيوع أحكامها من خلال نشرها، فلا يكون أمرها مجهلاً خافياً على أحد، بل متضمناً إخطاراً كافياً بحقيقتها وأبعادها، ليتهم التعامل بكل صوره على مقتضاها.
10 – القرار بقانون رقم 12 لسنة 1972 في شأن نظام المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد، وإن فوض السلطة التنفيذية بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 16 منه، في إخضاع بعض البضائع والمواد الأجنبية – التي حددتها فقرتها الأولى – للضريبة الجمركية المتعلقة بها؛ وكان هذا التفويض لا يتضمن تخويل هذه السلطة إخضاع هذه البضائع أو المواد لأية ضريبة بأثر رجعي، وكان قرار رئيس مجلس الوزراء، وكذلك قرار وزير المالية المحالان إلى هذه المحكمة للفصل في دستوريتهما، قد عمل بأولهما اعتباراً من تاريخ صدوره، وبثانيهما اعتباراً من تاريخ سريان أولهما، فإن هذين القرارين يكونان قد تضمنا أثراً رجعياً في شأن المخاطبين بهما، مصادماً لتوقعهم المشروع في مجال بضائع ومواد تم التعامل فيها قبل علمهم بالضريبة التي تقرر فرضها عليها، استثناء من أصل إعفائها منها المقرر بالفقرة الأولى من المادة 16 من قانون تنظيم هذه المنطقة، فلا يكون هذان القراران – وبقدر ما تضمناه من أثر رجعي لأحكامهما في شأن الضريبة الجمركية التي تتصل بهما – إلا مناقضين لمبدأ خضوع الدولة للقانون المقرر بنص المادة 65 من الدستور.
11 – الضريبة التي يكون أداؤها واجباً قانوناً على ما تقضي به المادة 61 من الدستور، هي التي تتوافر شرائط اقتضائها وفقاً لأحكام الدستور، فإن هي نبذتها سواء من خلال موجباتها أو أسسها، أو عن طريق تطبيقها قبل اتصالها بالمخاطبين بها، كان فرضها تحميلاً لأموالهم بعبئها بما يرتد سلباً عليها بقدر مبلغها، إخلالاً بالحماية التي كفلها الدستور في مجال صون الأموال جميعها من كل عدوان ينال منها.


الإجراءات

بتاريخ 28/ 11/ 1993 ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الاستئناف رقم 353 لسنة 34 قضائية مدني بور سعيد، بعد أن قضت محكمة استئناف الإسماعيلية مأمورية استئناف بور سعيد بجلسة 16/ 11/ 1993، بإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 695 لسنة 1983 وقرار وزير المالية رقم 218 لسنة 1983.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من حكم الإحالة والأوراق – تتحصل في أن المدعي كان قد أقام الدعوى رقم 281 لسنة 1991 مدني كلي بور سعيد ضد وزير المالية بصفته وآخرين طالباً الحكم ببراءة ذمته من مبلغ 11577.500 جنيهاً طلبته الجهة الإدارية منه باعتباره فروق رسوم مشمول الشهادة رقم 379 ج قسيمة رقم 955760، مع تعويضه بمبلغ مماثل لمواجهة الأضرار التي ألحقها به تابعو هذه الجهة ذاتها، وذلك تأسيساً على أنه كان قد استورد بضائع من إيطاليا عبارة عن نجف وأباليك عادية وكلوبات زجاج ومعدن عادي مطلي بلون ذهبي، وقد قام الفنيون بفحصها، وحرروا عنها بياناً بمشمولها ونوعياتها، بما يفيد تطابقها والإقرار الجمركي المدون بشأنها، ثم سدد عن تلك البضائع رسومها.
بيد أنه فوجئ بطلب دفع مبالغ إضافية بزعم أنها فروق رسوم مستحقة عنها، وأقام دعواه تلك بطلب الحكم ببراءة ذمته منها.
وإذ قضت محكمة أول درجة برفض دعوى المدعي، فقد طعن استئنافياً في حكمها برقم 352 لسنة 34 قضائية مدني بور سعيد، وذلك أمام محكمة استئناف الإسماعيلية مأمورية استئناف بور سعيد، طالباً الحكم بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجدداً بالطلبات الموضوعية عينها التي سبق أن أبداها أمام محكمة أول درجة.
وقد خلص قضاء محكمة الاستئناف إلى الحكم بقبول الطعن وقبل الفصل في الموضوع بوقف نظره، وبإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا لتفصل في مدى دستورية قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 965 لسنة 1983، وكذلك قرار وزير المالية رقم 218 لسنة 1983، وأبقت الفصل في المصروفات، وكان سندها في ذلك أن الأصل في القوانين هو خلوها من الأثر الرجعي، وأن قرار رئيس مجلس الوزراء الذي عمل به اعتباراً من تاريخ صدوره في 29/ 7/ 1983، قد أخضع للضريبة الجمركية سلعاً أعفاها القانون المنظم لمنطقة بور سعيد الحرة من أدائها، متضمناً بذلك تعديلاً لقانون قائم، وتقريراً لأثر رجعي غير مقترن بالعرض على السلطة التشريعية كي تقره بأغلبية أعضائها، ومن ثم تكون شبهة مخالفته للدستور قائمة، وهو ما يسري كذلك على قرار وزير المالية الصادر تنفيذاً لقرار رئيس مجلس الوزراء.
وحيث إن القانون رقم 24 لسنة 1976 في شأن تحويل مدينة بور سعيد إلى منطقة حرة، قد نص في مادته الأولى على أن تتخذ الإجراءات اللازمة لهذا التحويل اعتباراً من أول يناير 1976، وعلى أن يفوض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون لتنظيم جميع المسائل المتعلقة بنظام منطقة بورسعيد الحرة، وقواعد الإقامة بها وتنظيم التعامل بداخلها، وغير ذلك من القواعد والنظم الجمركية والنقدية وغيرها.
ثم صدر بنظام هذه المنطقة، قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 12 لسنة 1977 الذي نص في الفقرة الأولى من مادته السادسة عشر، على ألا تخضع البضائع والمواد الأجنبية التي تخصص لاستهلاكها داخل المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد، وكذلك تلك التي تخصص لاستخدام المقيمين بها، للضرائب الجمركية والضرائب والرسوم المتعلقة بها، وفي فقرتها الثانية على أنه يجوز بقرار من رئيس مجلس الوزراء – بناء على اقتراح وزير المالية – إخضاع بعض البضائع والمواد سالفة الذكر للضرائب الجمركية والضرائب والرسوم المتعلقة بها.
وحيث إنه إعمالاً للتفويض المقرر بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 16 من القرار بقانون رقم 12 لسنة 1977، أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار 695 لسنة 1983 الذي قضى في مادته الأولى بأن تخضع للضرائب الجمركية وغيرها من الضرائب والرسوم الملحقة بها، السلع التي حددها، والتي ترد برسم المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد طبقاً للمادة 16 من القانون رقم 12 لسنة 1977 المشار إليه، ومن بينها منتجات الكريستال والمورانو والنجف والكريستال والكوبال المذهب. ونصت مادته الثانية على أن ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية، وأن يعمل به من تاريخ صدوره، على أن يصدر وزير المالية القرارات اللازمة لتنفيذه.
وإنفاذاً لنص المادة الثانية من قرار رئيس مجلس الوزراء المشار إليه – وقد نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 4/ 8/ 1983، وعمل به اعتباراً من تاريخ صدوره في 26/ 7/ 1983 – أصدر وزير المالية القرار رقم 218 لسنة 1983 بشأن القواعد التنفيذية لقرار رئيس مجلس الوزراء. وقد نصت المادتان الأولى والسادسة من قرار وزير المالية على أن تخضع للضرائب الجمركية وغيرها من الضرائب والرسوم “ما أفرج عنه برسم المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد من السلع المحددة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 695 لسنة 1983 المشار إليه اعتباراً من تاريخ العمل بهذا القرار في 26/ 7/ 1983” وعلى أن ينشر هذا القرار في الوقائع المصرية، وعلى الجهات المختصة تنفيذه.
وحيث إن قرار وزير المالية المتقدم البيان، قد صدر في 24/ 8/ 1983، ونشر في الوقائع المصرية في 8/ 11/ 1983، منسحباً إلى السلع التي أفرج عنها برسم المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد، والمحددة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 695 لسنة 1983 المشار إليه، وسارياً اعتباراً من تاريخ العمل بهذا القرار في 26/ 7/ 1983، فلا يكون قرار وزير المالية إلا رجعي الأثر. كذلك فإن سريان قرار رئيس مجلس الوزراء اعتباراً من تاريخ صدوره، وقبل نشره في الجريدة الرسمية، يفيد انطواءه على أثر رجعي في شأن يتعلق بضريبة كان ينبغي أن تتصل أحكامها بالمخاطبين بها من خلال إعلامهم بحقيقتها، ونوع السلع التي تشملها، توقياً لمداهمتهم بها.
وحيث إن المادة 119 من الدستور تقضي في فقرتها الأولى بأن إنشاء الضرائب العامة وتعديلها أو إلغاءها لا يكون إلا بقانون، ولا يعفي أحد من أدائها إلا في الأحوال المبينة في القانون. وتنص فقرتها الثانية على أنه لا يجوز تكليف أحد أداء غير ذلك من الضرائب أو الرسوم إلا في حدود القانون.
وحيث إن مفاد نص المادة 119 المشار إليها، أن الدستور – وتقديراً من جهته لخطورة الآثار التي ترتبها الضريبة العامة، وبوجه خاص من زاوية جذبها لعوامل الإنتاج أو طردها أو تقييد تدفقها، وما يتصل بها من مظاهر الانكماش أو الانتعاش – قد مايز بينها وبين غيرها من الفرائض المالية، فنص على أن أولاهما لا يجوز فرضها أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون، وأن ثانيتهما يجوز إنشاؤها في الحدود التي يبينها القانون.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك، على أن الضريبة العامة هي التي يكون مناط سريانها، وترتيبها لدينها في ذمة مموليها، مرتبطاً بالواقعة المنشئة لها في أية بقعة يسعها النطاق الإقليمي للدولة، وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية أو فواصلها الجغرافية، فلا ينحصر المخاطبون بها في دائرة بذاتها من إقليمها، وإنما يعتبر إقليمها – بكامل الأجزاء التي يشتمل عليها – نطاقاً لها مستلزماً سريانها بالقوة ذاتها في أية جهة منه، كافلاً تكافؤ المخاطبين بها – على امتداده – في مجال الخضوع لها.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 16 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 12 لسنة 1977، تتضمن أصلاً عاماً في شأن البضائع والمواد الأجنبية التي تخصص لاستهلاكها داخل المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد، وكذلك تلك التي تخصص لاستخدام المقيمين بها، مؤداه إعفاؤها من الخضوع للضرائب الجمركية المتعلقة بها، وكانت الفقرة الثانية من المادة 16 المشار إليها، تفوض رئيس مجلس الوزراء – واستثناء من هذا الأصل – في إخضاع بعض هذه البضائع والمواد للضرائب الجمركية التي ترتبط بها، فإن فقرتي هذه المادة، تكونان متحدتين محلاً، لتعلقهما بالسلع عينها التي يقتصر تداولها على استهلاكها داخل المنطقة الحرة ببور سعيد، أو استخدامها من قبل المقيمين بها.
وإعفاؤها بقانون من الضريبة الجمركية المتعلقة بها، وكذلك إخضاع بعض فئاتها لهذه الضريبة عملاً بالتفويض المخول لرئيس مجلس الوزراء، مؤداه أن إسقاط الأعباء المالية التي تقارنها عنها أو تحميلها بها، مرتبط بالحدود الجغرافية للمنطقة الحرة لمدينة بور سعيد، وأن المخاطبين بها منحصرون في هذه الدائرة وحدها، فلا تكون المكوس التي أعفاها القانون منها أو فرضتها السلطة التنفيذية عليها، إلا صورة من الأعباء المحلية التي عنتها الفقرة الثانية من المادة 119 من الدستور، والتي يكفي لفرضها أن يكون في حدود القانون.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكانت الفقرة الثانية من المادة 119 من الدستور في مجال سريانها على غير الضريبة العامة، نص خاص في مجال تطبيقها، يخول السلطة التشريعية أن تفوض رئيس الجمهورية أو أية سلطة إدارية أخرى في فرضها، ودون أن تتقيد في ممارستها لهذا التفويض بغير الشروط والأوضاع التي اتصل التفويض بها وفقاً للقانون المحدد لها، فإن التفويض المقرر بهذه الفقرة، لا يكون مقيداً بالضوابط التي حددتها المادة 108 من الدستور لجواز تفويض رئيس الجمهورية – دون غيره – في مباشرة بعض مظاهر الولاية التشريعية بصفة استثنائية، وعند الضرورة – وإنما شأن التفويض المقرر بالفقرة الثانية من المادة 119 المشار إليها، شأن التفويض المقرر بنص المادة 66 من الدستور التي تخول المشرع أن يعهد إلى السلطة التنفيذية – ممثلة في أحد فروعها – بأن تحدد بنفسها بعض ملامح التجريم وعقوباتها، فكلاهما نص خاص أورده الدستور متضمناً تقييد العام، فلا يكون دائراً في إطاره.
وحيث إن السلطة التنفيذية تتقيد دوماً في مجال ممارستها لاختصاص فوض إليها، بشروط هذا التفويض وحدوده، وكان تقرير أثر رجعي للقواعد القانونية جميعها – سواء في ذلك ما تقره السلطة التشريعية منها أو ما يصدر عن السلطة التنفيذية – لا يجوز أن يفترض بالنظر إلى خطورة الآثار التي تحدثها الرجعية في محيط العلائق القانونية، وما يلابسها – في الأعم من الأحوال – من إخلال بالحقوق وباستقرار التعامل، وكان ذلك مؤداه أن كل تفويض يخول السلطة التنفيذية إصدار القواعد القانونية التي يقتضيها تنظيم موضوع معين، لا يجوز أن يفسر على نحو يمنحها الاختصاص بتقرير رجعيتها دون سند من نصوص التفويض ذاتها، فقد صار لازماً إبطال الأثر الرجعي لنصوص قانونية أصدرتها السلطة التنفيذية بناء على تفويض لا يخولها – بالنصوص التي تضمنها – هذا الاختصاص.
A statutory grant of legislative rulemaking authority will not, as a general matter, be understood to encompass the power to promulgate retroactive rules unless that power is conveyed by the legislator in express terms.
(Bowen, secretary of health and human services v. georgetown university hospital. Decided December 12, 1988).
وحيث إن الضرائب التي طلب المدعي إبراءه منها، تتعلق جميعها ببضائع أفرج عنها بعد ورودها إلى المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد برسمها، وكانت هذه البضائع معفاة أصلاً من الخضوع للضرائب وغيرها من المكوس المتعلقة بها، فلا يتم التعامل فيها بنقل ملكيتها إلى آخرين إلا من منظور سريان أصل إعفائها في هذه الأعباء عليها، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه كلما كان التنظيم القانوني للضريبة منسحباً بأثره الرجعي إلى صور من التعامل اكتمل تكوينها قبل العمل به، وكان المكلفون بأدائها قد تعذر عليهم توقعها قبل نفاذ تصرفاتهم هذه فيما بين أطرافها، وإنما باغتتهم بها السلطة التي فرضتها، فإن اقتضاءها منهم يكون منافياً لعدالتها الاجتماعية، وهي أساس نظامها وفقاً لنص المادة 38 من الدستور.
وحيث إن بنيان كل ضريبة – سواء في ذلك تلك التي يكون زمامها بيد السلطة التشريعية، أو التي تعهد بفرضها إلى السلطة التنفيذية – إنما يتناول عناصرها التي لا تقوم بدونها، ويندرج تحتها على الأخص أسس تقدير وعائها ومبلغها والمكلفون أصلاً بأدائها، والمسئولين عن توريدها، وقواعد ربطها وتحصيلها، وغير ذلك مما يتصل بمقوماتها، وكان إعمال النصوص القانونية التي تنظمها اعتباراً من تاريخ صدورها، مؤداه سريانها في شأن المخاطبين بها قبل اتصالها بعلمهم، ومداهمتهم بها قبل إحاطتهم بأسس فرضها ونطاقها، وذلك بالرغم من خطورة الآثار التي تقارنها، وعلى الأخص في مجال تداول الأموال وتنظيم حركتها، فقد غدا لازماً أن يكون العمل بالضريبة مرتبطاً بذيوع أحكامها من خلال نشرها، فلا يكون أمرها مجهلاً خافياً على أحد، بل متضمناً إخطاراً كافياً بحقيقتها وأبعادها، ليتم التعامل بكل صوره على مقتضاها.
وحيث إن القرار بقانون رقم 12 لسنة 1972 في شأن نظام المنطقة الحرة لمدينة بور سعيد، وإن فوض السلطة التنفيذية بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 16 منه، في إخضاع بعض البضائع والمواد الأجنبية – التي حددتها فقرتها الأولى – للضريبة الجمركية المتعلقة بها؛ وكان هذا التفويض لا يتضمن تخويل هذه السلطة إخضاع هذه البضائع أو المواد لأية ضريبة بأثر رجعي، وكان قرار رئيس مجلس الوزراء، وكذلك قرار وزير المالية المحالان إلى هذه المحكمة للفصل في دستوريتهما، قد عمل بأولهما اعتباراً من تاريخ صدوره، وبثانيهما اعتباراً من تاريخ سريان أولهما، فإن هذين القرارين يكونان قد تضمنا أثراً رجعياً في شأن المخاطبين بهما، مصادماً لتوقعهم المشروع في مجال بضائع ومواد تم التعامل فيها قبل علمهم بالضريبة التي تقرر فرضها عليها، استثناء من أصل إعفائها منها المقرر بالفقرة الأولى من المادة 16 من قانون تنظيم هذه المنطقة، فلا يكون هذان القراران – وبقدر ما تضمناه من أثر رجعي لأحكامهما في شأن الضريبة الجمركية التي تتصل بهما – إلا مناقضين لمبدأ خضوع الدولة للقانون المقرر بنص المادة 65 من الدستور.
وحيث إن الضريبة التي يكون أداؤها واجباً قانوناً على ما تقضي به المادة 61 من الدستور، هي التي تتوافر شرائط اقتضائها وفقاً لأحكام الدستور، فإن هي نبذتها سواء من خلال موجباتها أو أسسها، أو عن طريق تطبيقها قبل اتصالها بالمخاطبين بها، كان فرضها تحميلاً لأموالهم بعبئها بما يرتد سلباً عليها بقدر مبلغها، إخلالاً بالحماية التي كفلها الدستور في مجال صون الأموال جميعها من كل عدوان ينال منها.
وحيث إنه متى كان ذلك، يكون القراران المحالان إلى هذه المحكمة مخالفين – فيما تضمناه من أثر رجعي – للمواد 32 و34 و38 و61 و65 من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 695 لسنة 1983 وكذلك قرار وزير المالية رقم 218 لسنة 1983 بشأن القواعد التنفيذية لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 695 لسنة 1983، وذلك فيما تضمناه من سريان أحكامهما بأثر رجعي.