الخط الساخن : 01118881009

جلسة 4 فبراير سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي على جبالي – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

(القاعدة رقم 36)
القضية رقم 3 لسنة 16 قضائية “دستورية”

1 – تشريع “قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975 – الفقرة الأولى من المادة 99 منه”.
مؤدى هذه الفقرة – بعد تعديلها بالقانون رقم 31 لسنة 1992 – أنه إذ عين صاحب معاش على درجة مالية في إحدى الجهات المبينة بها, أوقف صرف معاشه طوال مدة خضوعه لأحكام قانون التأمين الاجتماعي.
2 – دعوى دستورية “المصلحة فيها: مناطها – ضرر مباشر”.
مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها, والمطروحة أمام قاضي الموضوع: مؤدى ذلك, أن يكون النص المطعون فيه – بتطبيقه على المدعي – قد أخل بأحد الحقوق التي كفلها الدستور على نحو ألحق به ضرراً مباشراً.
3 – تنظيم الحقوق “سلطة تقديرية: ضوابطها – مدى الرقابة عليها”.
الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها, لا يجوز للمشرع – في هذا المجال – أن ينال من الحق محل الحماية الدستورية, بالنقض أو الانتقاص. كذلك ليس للمحكمة الدستورية العليا – فيما خلا القيود التي يفرضها الدستور – أن تزن سياسة المشرع, أو تخوض في ملائمة تطبيقها عملاً.
4 – دستور “حق العمل” “نطاق تنظيم المشرع لهذا الحق”.
عدم جواز تدخل المشرع لتعطيل حق العمل. يجب أن يكون تنظيمه غير مناقض لجوهره. وفي الحدود التي يكون فيها هذا التنظيم منصفاً ومبرراً.
5 – دستور “حق العمل” “الأصل أن يكون إرادياً”
الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر. لا يجوز فرض العمل قسراً على العامل, إلا أن يكون ذلك وفقاً للقانون, وبوصفه تدبيراً استثنائياً لإشباع غرض عام, وبمقابل عادل.
6 – دستور “حق العمل” “الوفاء بالأجر مقابلاً للعمل”.
التزام الوفاء بالأجر, أحق بالحماية الدستورية كلما كان مقابلاً لعمل تم أداؤه في نطاق رابطة عقدية أو علاقة تنظيمية ارتبط طرفاها بها, وتحدد الأجر من خلالها.
7 – دستور “الحق في المعاش” “المادة 122 من الدستور”.
التنظيم التشريعي للحقوق التي كفلها الدستور في هذه المادة – ومنها الحق في المعاش يكون مجانباً أحكامه, إذا تناول هذه الحريات بما يفرغها من مضمونها.
8 – دستور “الحق في المعاش” “متى يكون التزاماً على الجهة التي تقرر عليها” “مظلة التأمين الاجتماعي – هدفها”.
الحق في المعاش – إذا توافر أصل استحقاقه وفقاً للقانون – ينهض التزاماً على الجهة التي تقرر عليها. اتجاه الدستور إلى دعم التأمين الاجتماعي في المادة 17, مرده أن مظلة التأمين الاجتماعي هي التي تكفل لكل مواطن من المشمولين به, الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية التي لا تمتهن فيها آدميته.
9 – دستور “الحق في المعاش والحق في الأجر” “اجتماع الحقين”.
الحق في المعاش, لا يعتبر منافياً للحق في الأجر. جواز اجتماعهما باعتبارهما مختلفين مصدراً وسبباً.
10 – دستور “الحق في المعاش” “الأجر ليس بديلاً عن المعاش” “الالتزام البدلي – معناه”.
عامل المشرع أجور المدعين باعتبارها بديلاً عن معاشاتهم, حال أن الالتزام لا يكون بدلياً إلا إذا قام المحل البديل فيه مقام المحل الأصلي, وهو بذلك يفترض مديناً واحداً تقرر البدل لمصلحته, وتبرأ ذمته إذا أداه بدل المحل الأصلي.
11 – المحكمة الدستورية العليا “إبطالها لنص تشريعي يحظر الجمع بين المرتبات وما في حكمها وبين المعاشات: أثره: سقوط الاستثناء الذي أورده المشرع من قاعدة الحظر ذاتها”.
ما قرره النص المطعون فيه من استثناء المخاطبين بنص الفقرة الثانية من المادة 101 من القانون رقم 90 لسنة 1975 من قاعدة حظر الجمع بين المعاش والمرتب, مؤداه أن بوسعهم اقتضائهما معاً عند تحقق الواقعة محل الاستثناء. زوال قاعدة تبعاً للحكم ببطلانها, يعني سقوط الاستثناء منها.
1 – البين من الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975 بعد تعديلها بالقانون رقم 31 لسنة 1992 أنها تنص على أنه “إذا عين صاحب معاش على درجة مالية في الجهاز الإداري للدولة أو وحدات الإدارة المحلية أو الهيئات أو المؤسسات العامة أو هيئات القطاع العام وشركاته, أوقف صرف معاشه طوال مدة خضوعه لأحكام قانون التأمين الاجتماعي, فإذا كان صافي المرتب الأساسي الذي يتقاضاه صاحب المعاش المعين في إحدى الجهات المشار إليها, أقل من المعاش المستحق له من القوات المسلحة مضافاً إليه 20% منه, يصرف له من المعاش ما يعادل الفرق بينهما على أن يستنزل من جزء المعاش المنصرف له أي زيادة تطرأ مستقبلاً على هذا الصافي حتى انتهاء خدمته المدنية, وذلك مع عدم الإخلال بحكم الفقرة الثانية من المادة 101”.
2 – جرى قضاء هذه المحكمة الدستورية العليا على أن المصلحة الشخصية المباشرة, تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية, وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية, وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها, والمطروحة أمام محكمة الموضوع, فإذا لم يكن له بها من صلة, كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة, وكان قبولها كذلك لا يكفي فيه مجرد أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفاً في ذاته للدستور, فقد تعين لتوافر المصلحة فيها, أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعي – قد أخل بأحد الحقوق التي كفلها الدستور على نحو ألحق به ضرراً مباشراً. متى كان ذلك, وكان النزاع الموضوعي في الخصومة الماثلة, يقوم على حق المدعين في الجمع بين معاشاتهم عن خدمتهم بالقوات المسلحة, وما يحصلون عليه من أجر من الهيئة العامة للصرف الصحي بالإسكندرية وشركات قطاع الأعمال العام التي عينوا فيها, فإن مصلحتهم الشخصية المباشرة تنحصر فيما يتصل, من أجزاء الفقرة الأولى من المادة 99 المشار إليها، بنزاعهم الموضوعي.
3 – الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق, أنها سلطة تقديرية, ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها, وتكون تخوماً لها لا يجوز اقتحامها, أو تخطيها, وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة التشريعية , فإن ما تقره من القواعد القانونية بصدده, لا يجوز أن ينال من الحق محل الحماية الدستورية سواء بالنقض أو الانتقاص, ذلك أن إهدار الحقوق التي كلفها الدستور, أو تهميشها, عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها The Breathing Space. بما مؤداه أن تباشر السلطة التشريعية اختصاصاتها التقديرية – وفيما خلا القيود التي يفرضها الدستور عليها – بعيداً عن الرقابة القضائية التي تمارسها المحكمة الدستورية العليا في شأن الشرعية الدستورية, والتي لا يجوز لها بمقتضاها أن تزن – بمعاييرها الذاتية – السياسة التي انتهجها المشرع في موضوع معين, ولا أن تناقشها أو تخوض في ملائمة تطبيقها عملاً, ولا أن تنحل للنص المطعون فيه أهدافاً غير التي رمي المشرع إلى بلوغها, ولا أن تكون خياراتها بديلاً عن عمل السلطة التشريعية. بل يكفيها أن تمارس السلطة التشريعية اختصاصاتها تلك, مستلهمة في ذلك أغراضاً يقتضيها الصالح العام في شأن الموضوع محل التنظيم التشريعي, وأن تكون وسائلها إلى تحقيق الأغراض التي حددتها, مرتبطة عقلاً بها.
4 – البين من أحكام الدستور بما يحقق تكاملها, ويكفل عدم انعزال بعضها عن بعض في إطار الوحدة العضوية التي تجمعها, وتصون ترابطها, أن العمل ليس ترفاً, ولا هو منحة من الدولة تبسطها أو تقبضها وفق مشيئتها لتحدد على ضوئها من يتمتعون بها أو يمنعون عنها. ولا يجوز كذلك إكراه العامل على أداء عمل لا يقبل عليه باختياره, ولا التمييز في نطاق شروط العمل فيما بين المواطنين لاعتبار لا يتعلق بقيمة العمل, أو غير ذلك من الشروط الموضوعية التي تتصل بالأوضاع التي يجب أن يمارس فيها, وسواء انعكس هذا التمييز في شكل آثار اقتصادية, أم كان مرهقاً لبيئة العمل ذاتها مثيراً لنوازع عدائية فيما بين العاملين فيها objectively hostile to work environment . ذلك أن الفقرة الأولى من المادة 13 من الدستور, تنظم العمل بوصفه حقاً لكل مواطن لا يجوز إهداره أو تقييده بما يعطل جوهره, وواجباً يلتزم بمسئولية كمال أدائه, وشرفاً يرنو إليه أملاً. وهو باعتباره كذلك, ولأهميته في تقدم الجماعة وإشباع احتياجاتها, ولصلته الوثيقة كذلك بالحق في التنمية بمختلف جوانبها, ولضمان تحقيق الإنسان لذاته ولحرياته الأساسية, وكذلك لإعمال ما يتكامل معها من الحقوق, توليه الدولة اهتمامها، وتزيل العوائق من طريقه وفقاً لإمكاناتها, وبوجه خاص إذا امتاز العامل في أدائه, وقام بتطويره.
ولا يجوز بالتالي أن يتدخل المشرع ليعطل حق العمل, ولا أن يتذرع -اعتسافاً – بضرورة صون أخلاق العامل أو سلامته أو صحته للتعديل في الشروط التي يقوم عليها, بل يتعين أن يكون تنظيم هذا الحق غير مناقض لفحواه, وفي الحدود التي يكون فيها هذا التنظيم منصفاً ومبرراً.
5 – الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر, ذلك أن علائق العمل قوامها شراء الجهة التي تقوم باستخدام العامل, لقوة العمل بعد عرضها عليها. ولا يجوز بالتالي أن يحمل المواطن على العمل حملاً بأن يدفع إليه قسراً, أو يفرض عليه عنوة, إلا أن يكون ذلك وفق القانون – وبوصفه تدبيراً استثنائياً لإشباع غرض عام – وبمقابل عادل. وهي شروط تطلبها الدستور في العمل الإلزامي, وقيد المشرع بمراعاتها في مجال تنظيمه كي لا يتخذ شكلاً من أشكال السخرة المنافية في جوهرها للحق في العمل باعتباره شرفاً, والمجافية للمادة 13 من الدستور بفقرتيها.
6 – إذ كان اقتضاء الأجر العادل مشروطاً بالفقرة الثانية من المادة 13 من الدستور كمقابل لعمل تَحْمل الدولة مواطنيها عليه قسراً, استيفاءً من جانيها لدواعي الخدمة العامة, ونزولاً على مقتضياتها, فإن الوفاء بهذا الأجر – توكيداً للعدل الاجتماعي, وإعلاءً لقدر الإنسان وقيمته, واعترافاً بشخصيته المتنامية, وما يتصل بها من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية – يكون بالضرورة التزاماً أحق بالحماية الدستورية, وأكفل لموجباتها, كلما كان مقابلاً لعمل تم أداؤه في نطاق رابطة عقدية أو علاقة تنظيمية ارتبط طرفاها بها, وحُدِّد الأجر من خلالها. وذلك انطلاقاً من ضرورة التمكين للقيم الأصلية الخلقية والوطنية التي يلتزم المجتمع بالتحلي بها, والتماس الطرق إليها, والعمل على إرسائها, على ما تقضي به المادة 12 من الدستور, ونزولاً على حقيقة أن الأجر وفرص العمل وربطهما معاً بالإنتاجية وفقاً لنص المادة 23 منه, تمثل جميعها ملامح أساسية لخطة التنمية الشاملة التي تنظم اقتصاد الدولة, والتي تتوخى زيادة الدخل القومي, وتضمن عدالة توزيعه. هذا فضلاً عن أن الأجر – مُحَدَّد إنصافاً وفق شروط مرضية – ضمانة جوهرية لإسهام المواطن في الحياة العامة, وهو إسهام غدا واجباً وطنياً طبقاً للمادة 62 من الدستور.
7 – إذ عهد الدستور بنص المادة 122, إلى المشرع بصوغ القواعد التي تتقرر بموجبها على خزانة الدولة, مرتبات المواطنين, ومعاشاتهم, وتعويضاتهم, وإعاناتهم, ومكافآتهم, على أن ينظم أحوال الاستثناء منها, والجهات التي تتولى تطبيقها, فذلك لتهيئة الظروف الأفضل التي تفي باحتياجاتهم الضرورية, وتكفل مقوماتها الأساسية التي يتحررون بها من العوز, وينهضون معها بمسئولية حماية أسرهم, والارتقاء بمعاشها. بما مؤداه أن التنظيم التشريعي للحقوق التي كفلها المشرع في هذا النطاق, يكون مجافياً أحكام الدستور, منافياً لمقاصده, إذا تناول هذه الحقوق بما يهدرها, أو يفرغها من مضمونها.
8 – ينهض الحق في المعاش – إذا توافر أصل استحقاقه وفقاً للقانون – التزاماً على الجهة التي تقرر عليها. وهو ما تؤكده قوانين التأمين الاجتماعي – على تعاقبها – إذ يبين منها أن المعاش الذي تتوافر بالتطبيق لأحكامها شروط اقتضائه عند انتهاء خدمة المؤمن عليه وفقاً للنظم المعمول بها, يعتبر التزاماً مترتباً بنص القانون في ذمة الجهة المدنية. وإذ كان الدستور قد خطا بمادته السابعة عشرة خطوة أبعد في اتجاه دعم التأمين الاجتماعي حين ناط بالدولة, أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية – الاجتماعية منها والصحية – بما في ذلك تقرير معاش لمواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل, أو شيخوختهم, في الحدود التي يبينها القانون, فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعي – التي يمتد نطاقها إلى الأشخاص المشمولين بها – هي التي تكفل لكل مواطن الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية التي لا تمتهن فيه آدميته, والتي توفر لحريته الشخصية مناخها الملائم, ولضمانة الحق في الحياة أهم روافدها, وللحقوق التي يمليها التضامن بين أفراد الجماعة التي يعيش في محيطها, مقوماتها, بما يؤكد انتماءه إليها. وتلك هي الأسس الجوهرية التي لا يقوم المجتمع بدونها, والتي يعتبر التضامن الاجتماعي وفقاً لنص المادة 7 من الدستور مدخلاً إليها.
9 – إذ كان الثابت من الأوراق – أن المدعيين بعد انتهاء خدمتهم بالقوات المسلحة التي استحقوا عنها معاش التقاعد العسكري وفقاً للقانون, عين بعضهم بالهيئة العامة للصرف الصحي بالإسكندرية, والبعض الآخر بشركات قطاع الأعمال العام, بالإسكندرية, وتقرر حرمانهم من الجمع بين أجورهم عن عملهم بوظائفهم المدنية, ومعاشاتهم العسكرية إعمالاً لنص الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة المشار إليها, باعتبار أنهم عادوا – بعد استحقاقهم المعاش – للعمل بإحدى الجهات التي حددتها هذه المادة، وكان الحق في معاشاتهم تلك، لا يعتبر منافياً للحق في أجورهم , وليس ثمة ما يحول دون اجتماعهما باعتبارهما مختلفين مصدراً أو سبباً. ذلك أنه بينما يعتبر نص القانون مصدراً مباشراً للحق في معاشاتهم, فإن استحقاقهم لأجور عملهم مردها إلى رابطة العمل ذاتها – تنظيمية كانت أم تعاقدية – لتربط بها وترتد إليها في مصدرها المباشر. وكذلك يعتبر المعاش مستحقاً عن مدد خدماتهم السابقة بالقوات المسلحة, والتي أدوا عنها حصصهم في التأمين الاجتماعي وفقاً للقواعد التي تقرر المعاش بموجبها, وتحدد مقداره على ضوئها, وذلك خلافاً للأجور التي يستحقونها من الجهات التي عادوا للعمل بها, إذ تعتبر مقابلاً مشروعاً ولازماً لعملهم فيها. ولا يعدو الحصول عليها أن يكون باعثاً دفعهم Cause impulsive إلى تقديم خدماتهم إليها, ليكون أداء هذا العمل سبباً لاستحقاقها.
10 – الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة , تدل بعباراتها على أن المشرع عامل أجور المدعين باعتبارها بديلاً عن معاشاتهم, حال أن الالتزام لا يكون بدلياً إلا إذا قام المحل البديل فيه مقام المحل الأصلي, وهو بذلك يفترض مديناً واحداً تقرر البدل لمصلحته, إذ تبرأ ذمته إذا أداه بدل المحل الأصلي. ولا كذلك حق المدعيين في الجمع بين المعاش والأجر, ذلك أن الالتزام بهما ليس مترتباً في ذمة مدين واحد, ولا يقوم ثانيهما مقام أولهما. فضلاً عن اختلافهما مصدراً. ومن ثم ينحل العدوان على أيهما إلى إخلال بالملكية الخاصة التي كفل الدستور في مادته الرابعة والثلاثين أصل الحق فيها, وأحاطها بالحماية اللازمة لصونها, تلك الحماية التي جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على انصرافها إلى الحقوق الشخصية والعينية على سواء, واتساعها بالتالي للأموال بوجه عام.
11 – إذ كانت الفقرة الثانية من المادة 101 من القانون رقم 90 لسنة 1975, تنص على أنه يجوز لمن انتهت خدمته بالقوات المسلحة لعدم اللياقة الصحية بعد إصابته بسبب الخدمة أو العمليات الحربية, الجمع بين معاشه وبين ما يتقاضاه من راتب أو أجر مكافأة عن أي عمل, وكان ما قرره النص المطعون فيه من استثناء المخاطبين بالفقرة الثانية من المادة 101 المشار إليها, من قاعدة حظر الجمع بين المعاش والمرتب التي اشتمل عليها, مؤاده أن بوسعهم اقتضائهما معاً عند تحقق الواقعة محل الاستثناء, وكان هدم قاعدة الحظر ذاتها ترتيباً على الحكم بعدم دستوريتها, يعني أن الاستثناء منها في الأحوال التي بينتها الفقرة الثانية من المادة 101 قد صار وارداً على غير محل, ذلك أن تقرير استثناء من قاعدة قانونية, يفترض دوماً قيام العلاقة القانونية التي ورد الاستثناء عليها, فإذا لم يعد لهذه القاعدة من وجود من زاوية دستورية, سقط الاستثناء معها.


الإجراءات

بتاريخ 8 فبراير 1994 أودع المدعون قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى طالبين الحكم بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 99 من القانون رقم 90 لسنة 1975 المعدل بالقانون رقم 31 لسنة 1992.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى, أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعين بعد أن أحيلوا إلى التقاعد من خدمة القوات المسلحة واستحقوا المعاش العسكري طبقاً للقانون, عين بعضهم بالهيئة العامة للصرف الصحي بالإسكندرية, والبعض الآخر بشركات قطاع الأعمال العام بالإسكندرية. وإذ تقرر حرمانهم من الحق في الجمع بين معاشاتهم العسكرية وأجورهم من عملهم بوظائفهم المدنية استناداً إلى المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975 بعد تعديلها بالقانون رقم 31 لسنة 1992, فقد أقاموا – لاقتضاء هذا الحق – الدعوى رقم 1 لسنة 1993 برية أمام اللجنة القضائية لضابط القوات المسلحة, ودفعوا بعدم دستورية المادة المشار إليها فيما تضمنته فقرتها الأولى من حظر الجمع بين المعاش والمرتب, وإذ قدرت اللجنة جدية هذا الدفع, وحددت للمدعين موعداً غايته ثلاثة أشهر لرفع الدعوى الدستورية, فقد أقاموا الدعوى الماثلة.
وحيث إن المدعين ينعون على الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة, مخالفتها الدستور وذلك فيما تضمنته من حظر الجميع بين المعاش المستحق عن مدة الخدمة العسكرية, والمرتب المستحق عن العمل بالوظائف المدنية, قولاً بأن هذا الحظر يتعارض مع حق العمل, ويخل بنظام التأمين الاجتماعي, وينطوي على اعتداء على الملكية الخاصة بالمخالفة للمواد 13 و17 من الدستور.
وحيث إن البين من الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975 بعد تعديلها بالقانون رقم 31 لسنة 1992، أنها تنص على أنه “إذا عين صاحب معاش على درجة مالية في الجهاز الإداري للدولة أو وحدات الإدارة المحلية أو الهيئات أو المؤسسات العامة أو هيئات القطاع العام وشركاته, أوقف صرف معاشه طوال مدة خضوعه لأحكام قانون التأمين الاجتماعي, فإذا كان صافي المرتب الأساسي الذي يتقاضاه صاحب المعاش المعين في إحدى الجهات المشار إليها, أقل من المعاش المستحق له من القوات المسلحة مضافاً إليه 20% منه, يصرف له من المعاش ما يعادل الفرق بينهما على أن يستنزل من جزء المعاش المنصرف له أي زيادة تطرأ مستقبلاً على هذا الصافي حتى انتهاء خدمته المدنية, وذلك مع عدم الإخلال بحكم الفقرة الثانية من المادة 101”.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية, وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها, والمطروحة أمام محكمة الموضوع, فإذا لم يكن له بها من صلة, كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة, وكان قبولها كذلك لا يكفي فيه مجرد أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفاً في ذاته للدستور, فقد تعين لتوافر المصلحة فيها أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعي – قد أخل بأحد الحقوق التي كفلها الدستور على نحو ألحق به ضرراً مباشراً.
إذ كان ذلك, وكان النزاع الموضوعي في الخصومة الماثلة, يقوم على حق المدعين في الجمع بين معاشاتهم عن خدمتهم بالقوات المسلحة, وما يحصلون عليه من أجر من الهيئة العامة للصرف الصحي بالإسكندرية وشركات قطاع الأعمال العام التي عينوا فيها, فإن مصلحتهم الشخصية المباشرة تنحصر فيما يتصل, من أجزاء الفقرة الأولى من المادة 99 المشار إليها، بنزاعهم الموضوعي.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق, أنها سلطة تقديرية, ما لم يقيد ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها, وتكون تخوماً لها لا يجوز اقتحامها, أو تخطيها, وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة التشريعية, فإن ما تقره من القواعد القانونية بصدده, لا يجوز أن ينال من الحق محل الحماية الدستورية سواء بالنقض أو الانتقاص, ذلك أن إهدار الحقوق التي كلفها الدستور, أو تهميشها, عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها The Breathing Space. بما مؤداه أن تباشر السلطة التشريعية اختصاصاتها التقديرية – وفيما خلا القيود التي يفرضها الدستور عليها – بعيداً عن الرقابة القضائية التي تمارسها المحكمة الدستورية العليا في شأن الشرعية الدستورية, والتي لا يجوز لها بمقتضاها أن تزن – بمعاييرها الذاتية – السياسة التي انتهجها المشرع في موضوع معين, ولا أن تناقشها أو تخوض في ملائمة تطبيقها عملاً, ولا أن تنحل للنص المطعون فيه أهدافاً غير التي رمى المشرع إلى بلوغها, ولا أن تكون خياراتها بديلاً عن عمل السلطة التشريعية. بل يكفيها أن تمارس السلطة التشريعية اختصاصاتها تلك, مستلهمة في ذلك أغراضاً يقتضيها الصالح العام في شأن الموضوع محل التنظيم التشريعي, وأن تكون وسائلها إلى تحقيق الأغراض التي حددتها, مرتبطة عقلاً بها.
وحيث إن البين من أحكام الدستور بما يحقق تكاملها, ويكفل عدم انعزال بعضها عن بعض في إطار الوحدة العضوية التي تجمعها وتصون ترابطها, أنه في مجال حق العمل والتأمين الاجتماعي، كفل الدستور أمرين: –
أولهما: إن العمل ليس ترفاً يمكن النزول عنه، ولا هو منحة من الدولة تبسطها أو تقبضها وفق مشيئتها لتحدد على ضوئها من يتمتعون بها أو يمنعون عنها. ولا هو إكراه للعامل على عمل لا يقبل عليه باختياره, أو يقع التمييز فيه بينه وبين غيره لاعتبار لا يتعلق بقيمة العمل أو غير ذلك من الشروط الموضوعية التي تتصل بالأوضاع التي يجب أن يمارس فيها, وسواء انعكس هذا التمييز في شكل آثار اقتصادية, أم كان مرهقاً لبيئة العمل ذاتها مثيراً لنوازع عدائية فيما بين العاملين فيها objectively hostile to work environment . ذلك أن الفقرة الأولى من المادة 13 من الدستور, تنظم العمل بوصفه حقاً لكل مواطن لا يجوز إهداره أو تقييده بما يعطل جوهره, وواجباً يلتزم بمسئولية كمال أدائه, وشرفاً يرنو إليه أملاً. وهو باعتباره كذلك, ولأهميته في تقديم الجماعة وإشباع احتياجاتها, ولصلته الوثيقة كذلك بالحق في التنمية بمختلف جوانبها, ولضمان تحقيق الإنسان لذاته ولحرياته الأساسية, وكذلك لإعمال ما يتكامل معها من الحقوق, توليه الدولة اهتمامها وتزيل العوائق من طريقه وفقاً لإمكاناتها, وبوجه خاص إذا امتاز العامل في أدائه, وقام بتطويره.
ولا يجوز بالتالي أن يتدخل المشرع ليعطل حق العمل, ولا أن يتذرع -اعتسافاً – بضرورة صون أخلاق العامل أو سلامته أو صحته للتعديل في الشروط التي يقوم عليها, بل يتعين أن يكون تنظيم هذا الحق غير مناقض لفحواه, وفي الحدود التي يكون فيها هذا التنظيم منصفاً ومبرراً.
ثانيهما: أن الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر, ذلك أن علائق العمل قوامها شراء الجهة التي تقوم باستخدام العامل, لقوة العمل بعد عرضها عليها. ولا يجوز بالتالي أن يحمل المواطن على العمل حملاً بأن يدفع إليه قسراً, أو يفوض عليه عنوة, إلا أن يكون ذلك وفق القانون – وبوصفه تدبيراً استثنائياً لإشباع غرض عام – وبمقابل عادل. وهي شروط تطلبها الدستور في العمل الإلزامي, وقيد المشرع بمراعاتها في مجال تنظيمه كي لا يتخذ شكلا ًمن أشكال السخرة المنافية في جوهرها للحق في العمل باعتباره شرفاً, والمجافية للمادة 13 من الدستور بفقرتيها.
وحيث إنه متى كان ذلك ,وكان اقتضاء الأجر العادل مشروطاً بالفقرة الثانية من المادة 13 من الدستور كمقابل لعمل تحمل الدولة مواطنيها عليه قسراً استيفاء من جانيها لدواعي الخدمة العامة, ونزولاً على مقتضياتها, فإن الوفاء بهذا الأجر – توكيداً للعدل الاجتماعي, وإعلاء لقدر الإنسان وقيمته, واعترافاً بشخصيته المتنامية وما يتصل بها من الحقوق الاجتماعية، والاقتصادية, يكون بالضرورة التزاماً أحق بالحماية الدستورية, وأكفل لموجباتها كلما كان مقابلاً لعمل تم أداؤه في نطاق رابطة عقدية أو علاقة تنظيمية ارتبط طرفاها بها, وحُدِّد الأجر من خلالها. وذلك انطلاقاً من ضرورة التمكين للقيم الأصلية الخلقية، والوطنية التي يلتزم المجتمع بالتحلي بها, والتماس الطرق إليها, والعمل على إرسائها, على ما تقضي به المادة 12 من الدستور, ونزولاً على حقيقة أن الأجر وفرص العمل وربطهما معاً بالإنتاجية وفقاً لنص المادة 23 منه, تمثل جميعها ملامح أساسية لخطة التنمية الشاملة التي تنظم اقتصاد الدولة, والتي تتوخى زيادة الدخل القومي وتضمن عدالة توزيعه. هذا فضلاً عن أن الأجر – محدد إنصافاً وفق شروط مرضية، ضمانة جوهرية لإسهام المواطن في الحياة العامة, وهو إسهام غدا واجباً وطنياً طبقاً للمادة 62 من الدستور.
وحيث إن الدستور إذ عهد بنص المادة 122 منه، إلى المشرع بصوغ القواعد التي تتقرر بموجبها على خزانة الدولة, مرتبات المواطنين, ومعاشاتهم, وتعويضاتهم, وإعاناتهم ومكافآتهم, على أن ينظم أحوال الاستثناء منها, والجهات التي تتولى تطبيقها, فذلك لتهيئة الظروف الأفضل التي تفي باحتياجاتهم الضرورية, وتكفل مقوماتها الأساسية التي يتحررون بها من العوز, وينهضون معها بمسئولية حماية أسرهم, والارتقاء بمعاشها, بما مؤداه أن التنظيم التشريعي للحقوق التي كفلها المشرع في هذا النطاق, يكون مجافياً أحكام الدستور, منافياً لمقاصده, إذا تناول هذه الحقوق بما يهدرها, أو يفرغها من مضمونها.
ولازم ذلك أن الحق في المعاش – إذا توافر أصل استحقاقه وفقاً للقانون – إنما ينهض التزاماً على الجهة التي تقرر عليها. وهو ما تؤكده قوانين التأمين الاجتماعي – على تعاقبها – إذ يبين منها أن المعاش الذي تتوافر بالتطبيق لأحكامها شروط اقتضائه عند انتهاء خدمة المؤمن عليه وفقاً للنظم المعمول بها, يعتبر التزاماً مترتباً بنص القانون في ذمة الجهة المدينة. وإذ كان الدستور قد خطا بمادته السابعة عشرة خطوة أبعد في اتجاه دعم التأمين الاجتماعي حين ناط بالدولة, أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية – الاجتماعية منها والصحية – بما في ذلك تقرير معاش لمواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل, أو شيخوختهم في الحدود التي يبينها القانون, فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعي – التي يمتد نطاقها إلى الأشخاص المشمولين بها – هي التي تكفل لكل مواطن الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية التي لا تمتهن فيها آدميته, والتي توفر لحريته الشخصية مناخها الملائم, لضمانة الحق في الحياة أهم روافدها, وللحقوق التي يمليها التضامن بين أفراد الجماعة التي يعيش في محيطها, مقوماتها, بما يؤكد انتماءه إليها. وتلك هي الأسس الجوهرية التي لا يقوم المجتمع بدونها, والتي يعتبر التضامن الاجتماعي وفقاً لنص المادة 7 من الدستور مدخلاً إليها.
وحيث إن الثابت من الأوراق, أن المدعيين بعد انتهاء خدمتهم بالقوات المسلحة التي استحقوا عنها معاش التقاعد العسكري وفقاً للقانون, عين بعضهم بالهيئة العامة للصرف الصحي بالإسكندرية والبعض الآخر بشركات قطاع الأعمال العام, بالإسكندرية, وتقرر حرمانهم من الجمع بين أجورهم عن عملهم بوظائفهم المدنية, ومعاشاتهم العسكرية إعمالاً لنص الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة المشار إليها, باعتبار أنهم عادوا – بعد استحقاقهم المعاش – للعمل بإحدى الجهات التي حددتها هذه المادة، وكان الحق في معاشاتهم تلك، لا يعبر منافياً للحق في أجورهم، وليس ثمة ما يحول دون اجتماعهما باعتبارهما مختلفين مصدراً أو سبباً. ذلك أنه بينما يعتبر نص القانون مصدراً مباشراً للحق في معاشاتهم, فإن استحقاقهم لأجور عملهم مردها إلى رابطة العمل ذاتها – تنظيمية كانت أم تعاقدية – لترتبط بها وترتد إليها في مصدرها المباشر. وكذلك يعتبر المعاش مستحقاً عن مدد خدماتهم السابقة بالقوات المسلحة, والتي أدوا عنها حصصهم في التأمين الاجتماعي وفقاً للقواعد التي تقرر المعاش بموجبها وتحدد مقداره على ضوئها, وذلك خلافاً للأجور التي يستحقونها من الجهات التي عادوا للعمل بها, إذ تعتبر مقابلاً مشروعاً ولازماً لعملهم فيها, ولا يعدو الحصول عليها أن يكون باعثاً دفعهم Cause impulsive إلى تقديم خدماتهم إليها, ليكون أداء هذا العمل سبباً لاستحقاقها.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكانت الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة, تدل بعباراتها على أن المشرع عامل أجور المدعين باعتبارها بديلاً عن معاشاتهم, حال أن الالتزام لا يكون بدلياً إلا إذا قام المحل البديل فيه مقام المحل الأصلي. وهو بذلك يفترض مديناً واحداً تقرر البدل لمصلحته, إذ تبرأ ذمته إذا أداه بدل المحل الأصلي. ولا كذلك حق المدعيين في الجمع بين المعاش والأجر, ذلك أن الالتزام بهما ليس مترتباً في ذمة مدين واحد, ولا يقوم ثانيهما مقام أولهما. فضلاً عن اختلافهما مصدراً. ومن ثم ينحل العدوان على أيهما إلى إخلال بالملكية الخاصة التي كفل الدستور في مادته الرابعة والثلاثين أصل الحق فيها, وأحاطها بالحماية اللازمة لصونها, تلك الحماية التي جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على انصرافها إلى الحقوق الشخصية والعينية على سواء, واتساعها بالتالي للأموال بوجه عام.
وحيث إن متى كان ما تقدم, فإن حكم الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة – فيما يتصل من أجزائها بنطاق الطعن الماثل – يكون مخالفاً لأحكام المواد 7, 12, 13, 17, 34, 62, 122 من الدستور. ومن ثم يتعين الحكم بعدم دستوريتها في هذا الشق منها.
وحيث إن النص المطعون فيه, بعد أن حظر الجمع بين معاش الخاضعين لأحكامه ومرتباتهم التي يحصلون عليها من الجهات التي حددها, قضى بعدم سريان قاعدة الحظر هذه في شأن المخاطبين بنص الفقرة الثانية من المادة 101 من القانون رقم 90 لسنة 1975.
وحيث إن الفقرة الثانية من المادة 101 من هذا القانون تنص على أنه يجوز لمن انتهت خدمته بالقوات المسلحة لعدم اللياقة الصحية بعد إصابته بسبب الخدمة، أو العمليات الحربية, الجمع بين معاشه وبين ما يتقاضاه من راتب أو أجر مكافأة عن أي عمل, وكان ما قرره النص المطعون فيه من استثناء المخاطبين بالفقرة الثانية من المادة 101 المشار إليها من قاعدة حظر الجمع بين المعاش والمرتب التي اشتمل عليها, مؤاده أن بوسعهم اقتضائهما معاً عند تحقق الواقعة محل الاستثناء, وكان هدم قاعدة الحظر ذاتها ترتيباً على الحكم بعدم دستوريتها, يعني أن الاستثناء منها في الأحوال التي بينتها الفقرة الثانية من المادة 101 قد صار وارداً على غير محل, ذلك أن تقرير استثناء من قاعدة قانونية, يفترض دوماً قيام العلاقة القانونية التي ورد الاستثناء عليها, فإذا لم يعد لهذه القاعدة من وجود من زاوية دستورية, سقط الاستثناء معها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الأولى من المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975 من حظر الجمع بين معاش المخاطبين بها ومرتباتهم وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنية مقابل أتعاب المحاماة.