الخط الساخن : 01118881009

جلسة 20 مايو سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور حنفي على جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد حمدي أنور صابر – أمين السر.

(القاعدة رقم45)
القضية رقم 42 لسنة 16 قضائية “دستورية”

1 – دستور “القيود التي يفرضها على السلطتين التشريعية والتنفيذية, هدفها”.
حرص الدستور على أن يفرض عليهما ما ارتآه من القيود كافلاً لصون الحقوق والحريات العامة على اختلافها، كي لا تقتحم إحداهما الدائرة التي يحميها الحق أو الحرية, بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة.
2 – حق انتقاد العمل العام “ضرورته”.
انتقاد العمل العام من خلال الصحافة أو غيرها من وسائل التعبير, حق لكل مواطن, وليس مقصوداً بضمان حرية عرض الآراء وتداولها في هذا المجال مجرد أن يعبر الناقد عن ذاته, ولكنها حرية يقتضيها النظام الديمقراطي, وغايتها النهائية, الوصول إلى الحقيقة.
3 – دستور “خصائص الوثيقة الدستورية” حرية التعبير “إعاقتها”.
ليس جائزاً أن يكون القانون أداة تعوق حرية التعبير عن مظاهر الإخلال بالعمل العام, وذلك أن ما يميز الوثيقة الدستورية، هو أن الحكومة خاضعة لمواطنيها, ولا يفرضها إلا الناخبون – انحراف القائمين بالعمل العام أو تخاذلهم عن أداء واجباتهم, يحتم تقويم اعوجاجهم، توكيداً للحق في محاسبتهم.
4 – حرية التعبير في مجال الشئون العامة “علة ضمانها”.
إجراء الحوار المفتوح في الشئون العامة, ضمان لأن ينقل المواطنون الآراء التي تجول في عقولهم وإحداث المطلوب بالوسائل السلمية.
5 – حرية التعبير “ضمانها طريق السلامة القومية” عقوبة “عدم جواز فرضها إخلالاً بحرية التعبير”.
من الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها. ولا يجوز عرقلة هذه الحرية من خلال العقوبة, ذلك أن الطريق إلى السلامة القومية إنما يتمثل في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح, لمواجهة أشكال من المعاناة وتقرير الحلول التي تناسبها.
6 – دستور “انحيازه إلى حرية الحوار في مجال الشئون العامة – أساس ذلك”.
لا يجوز لأحد أن يفرض على غيره صمتاً، ولو كان معززاً بالقانون، ذلك أن حوار القوة إهدار لسلطان العقل, ويولد رهبة تحول بين المواطن والتعبير عن آرائه بما يحض على قمعها.
7 – حق انتقاد القائمين بالعمل العام “نطاقه”.
انتقاد القائمين بالعمل العام – ولو كان مريراً – يظل متمتعاً بالحماية الدستورية لحرية التعبير, بما لا يخل بمضمونها الحق أو يجاوز الأغراض المقصودة من إرسائها.
8 – دستور – حرية التعبير – “الحق في النقد الذاتي والنقد البناء, فرع من هذه الحرية”.
كفل الدستور – في المادة 47 منه – حرية التعبير عن الآراء في مجالاتها المختلفة, إبرازه الحق في النقد الذاتي والنقد البناء باعتبارهما ضمانين لسلامة البناء الوطني مستهدفاً بذلك توكيد أن النقد فرع من حرية التعبير, وهي الحرية الأصل التي يرتد النقد إليها.
9 – حق النقد “طبيعته البناءة: قصد الدستور منها”.
لإيراد بالطبيعة البناءة للنقد, أن ترصد السلطة العامة الآراء التي تعارضها لتحدد ما يكون منها في تقديرها موضوعياً, وما تغياه الدستور في هذا المجال هو ألا يكون النقد منطوياً على آراء تنعدم قيمتها الاجتماعية, كتلك التي تقوم على محض التعريض بالسمعة. كذلك لا تمتد الحماية الدستورية إلى آراء لها, بعض القيمة الاجتماعية, ولكن جرى التعبير عنها على نحو يصادر حرية النقاش والحوار.
10 – حرية التعبير “تسامحها في قدر من التجاوز”.
إذا أريد لحرية التعبير أن تتنفس في المجال الذي لا يمكن أن تحيا بدونه، فإن قدراً من التجاوز يتعين التسامح فيه. ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط في بعض الآراء مستوجباً إعاقة تداولها.
11 – حرية التعبير “حمايتها دستورياً في مجال انتقاد العمل العام – غايتها”.
الحماية الدستورية لحرية التعبير في مجال انتقاد القائمين بالعمل العام, غايتها أن يكون نفاذ الكافة إلى الحقائق المتصلة بالشئون العامة, وإلى المعلومات الضرورية الكاشفة عنها, متاحاً.
12 – حرية التعبير “القيود الباهظة التي يفرضها القانون الجنائي عليها – جزاؤها”.
ليس أدعى إلى إعاقة الحوار الحر المفتوح، من أن يفرض قانون جنائي قيوداً باهظة على الأدلة النافية لتهمة التعريض بالسمعة – في أقوال تضمنها مطبوع – إلى حد يصل إلى إهدار الحق في تقديمها, إسقاط هذه القيود، يكون لازماً.
13 – تشريع “نص الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية – دلالتها”.
ألزمت هذه الفقرة المتهم بأن يقدم للمحقق عند أول استجواب له – وعلى الأكثر في الخمسة الأيام التالية – بياناً بالأدلة على صحة كل فعل أسنده إلى القائم بالعمل العام, وإلا سقط حقه في تقديم الدليل. والسقوط المقرر بهذه الفقرة، هو مما لا تترخص فيه محكمة الموضوع، بل يقع بقوة القانون.
14 – ضمانة الدفاع “الإخلال بها”.
ضمانه الدفاع أكثر ما تكون لزوماً في مواجهة القيود التي تقوض الحرية الشخصية أو تحد منها, وكذلك كلما ترتب على تفويتها, سقوط الحق في تقديم الدليل عند الفصل في اتهام جنائي بما يصادم القواعد المبدئية التي تقوم عليها المحاكمة المصنفة.
15 – ضمانة الدفاع “هدفها”.
أن يكون المحامون شركاء للسلطة القضائية في سعيها دأباً للوصول إلى الحقيقة، والتماس الوسائل التي تعينها على تحريها.
16 – مبدأ المساواة أمام القانون “التمييز المنهي عنه دستوريا”
يقيم النص المطعون فيه – في مجال مواجهة الاتهام الجنائي – تمييزاً لا يستند إلى أسس موضوعية – بين من عناهم من القاذفين في حق القائم بالعمل العام, وبين غيرهم من المتهمين. ومن ثم يكون هذا التمييز تحكيماً ومنهياً عنه دستورياً.
17 – ضمانة الدفاع “امتناع الانتقاص من فعاليته”.
لا يجوز أن يقوم المحامون بعمل من جانبهم يخل بالمعاونة الفعالة التي يقدمونها لموكليهم. كذلك لا يجوز التدخل تشريعياً بما يعوق إنفاذ متطلباتها.
18 – ضمانه الدفاع “مقوماتها”.
لا يجوز إنكار حق المحامين في الخلق والابتكار بما يحد من خياراتهم فيما يعد لازماً لإدارة الدفاع عن موكليهم. وإنما تتحدد لضمانة الدفاع فعاليتها, على ضوء ما يعد وفقاً للمقاييس الموضوعية, سلوكاً معقولاً يتقيد به المحامون وفقاً لأصول مهنتهم.
1 – إن الدستور حرص على أن يفرض على السلطتين التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلاً بصون الحقوق والحريات العامة على اختلافها، كي لا تقتحم إحداهما المنطقة التي يحميها الحق, أو الحرية، أو تتداخل معها, بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة. ولقد كان تطوير هذه الحقوق الحريات وإنماؤها من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الأمم المتحضرة, مطلباً أساسياً، توكيداً لقيمتها الاجتماعية، وتقديراً لدورها في مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها, ولردع كل محاولة للعدوان عليها. وفي هذا الإطار، تزايد الاهتمام بالشئون العامة في مجالاتها المختلفة, وغدا عرض الآراء المتصلة بأوضاعها، وانتقاد أعمال القائمين عليها, مشمولاً بالحماية الدستورية، تغليباً لحقيقة أن الشئون العامة، وقواعد تنظيمها وطريقة إدارتها, ووسائل النهوض بها, وثيقة الصلة بالمصالح المباشرة للجماعة, وهي تؤثر بالضرورة في تقدمها، وقد تنتكس بأهدافها القومية، متراجعة بطموحاتها إلى الوراء.
2 – يجب أن يكون انتقاد العمل العام من خلال الصحافة أو غيرها من وسائل التعبير وأدواته, حقاً مكفولاً لكل مواطن، وأن يتم التمكين لحرية عرض الآراء وتداولها بما يحول – كأصل عام – دون إعاقتها، أو فرض قيود مسبقة على نشرها. وهي حرية يقتضيها النظام الديمقراطي, وليس مقصوداً بها مجرد أن يعبر الناقد عن ذاته, ولكن غايتها النهائية الوصول إلى الحقيقة, من خلال ضمان تدفق المعلومات من مصادرها المتنوعة, وعبر الحدود المختلفة، وعرضها في آفاق مفتوحة, تتوافق فيها الآراء في بعض جوانبها, أو تتصادم في جوهرها، ليظهر ضوء الحقيقة جلياً من خلال مقابلتها ببعض. وقوفاً على ما يكون منها زائفاً أو صائباً، منطوياً على مخاطر واضحة، أو محققاً لمصلحة مبتغاة.
Seulun débat “vigoureux et ouvert á tous” ou le Libre échange “des idées sur la place publique” feront surgir la vérité Or, dans ce cas précis c’est la divulgation elle – même qui est censée se révéler nocive.
3 – من غير المحتمل أن يكون انتقاد الأوضاع المتصلة بالعمل العام تبصيراً بنواحي التقصير فيه, مؤدياً على الأضرار بأية مصلحة مشروعة. وليس جائزاً بالتالي أن يكون القانون أداة تعوق حرية التعبير عن مظاهر الإخلال بأمانة الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة. أو مواطن الخلل في أداء واجباتها. ذلك أن ما يميز الوثيقة الدستورية, ويحدد ملامحها الرئيسية, هو أن الحكومة خاضعة لمواطنيها, ولا يفرضها إلا الناخبون. وكلما نكل القائمون بالعمل العام – تخاذلاً أو انحرافاً – عن حقيقة واجباتهم, مهدرين الثقة العامة فيهم, كان تقويم اعوجاجهم حقاً وواجباً، مرتبطاً عميقاً بالمباشرة الفعالة للحقوق التي ترتكز في أساسها على المفهوم الديمقراطي لنظام الحكم, ويندرج تحتها محاسبة الحكومة ومساءلتها, وإلزامها مراعاة الحدود, والخضوع للضوابط التي فرضها الدستور عليها.
4 – لا يعدو إجراء الحوار المفتوح المسائل العامة, أن يكون ضماناً لتبادل الآراء على اختلافها، كي ينقل المواطنون علانية تلك الأفكار التي تجول في عقولهم – ولو كانت السلطة العامة تعارضها – إحداثاً من جانبهم – وبالوسائل السلمية – لتغيير قد كان مطلوباً.
5 – لئن صح القول بأن النتائج الصائبة هي حصيلة الموازنة بين آراء متعددة جرى التعبير عنها في حرية كاملة, وإنها في كل حال لا تمثل انتقاء من السلطة العامة لحول بذاتها تستقل بتقديرها وتفرضها عنوة, فإن من الصحيح كذلك أن الطبيعة الزاجرة للعقوبة التي توقعها الدولة على من يخلون بنظامها, لا تقدم ضماناً كافياً لصونه, وأن من الخطر فض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها, وأن الطريق إلى السلامة القومية إنما يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح, لمواجهة أشكال من المعاناة – متباينة في أبعادها, وتقرير ما يناسبها من الحلول النابعة من الإرادة العامة.
6 – كان منطقياً، بل وأمراً محتوماً، أن ينحاز الدستور إلى حرية النقاش والحوار في كل أمر يتصل بالشئون العامة، ولو تضمن انتقاداً حاداً للقائمين بالعمل العام. إذ لا يجوز لأحد أن يفرض على غيره صمتاً ولو كن معززاً بالقانون, ولأن حوار القوة إهدار لسلطان العقل, ولحرية الإبداع والأمل والخيال. وهو في كل حال يولد رهبة تحول بين المواطن والتعبير عن آرائه, بما يدعم الرغبة في قمعها، ويكرس عدوان السلطة العامة المناوئة لها, مما يهدد في النهاية أمن الوطن واستقراره.
7 – انتقاد القائمين بالعمل العام – وإن كان مريراً – يظل متمتعاً بالحماية التي كفلها الدستور لحرية التعبير عن الآراء, بما لا يخل بالمضمون الحق لهذه الحرية, أو يجاوز الأغراض المقصودة من إرسائها.
8 – حرص الدستور القائم على النص في المادة 47، على ضمان حرية الرأي, وكفل لكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون, وكان الدستور قد أقام بهذا النص حرية التعبير عن الرأي بمدلول عاماً ليشمل التعبير عن الآراء في مجالاتها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, إلا أن الدستور – مع ذلك – عُني بإبراز الحق في النقد الذاتي, والنقد البناء، باعتبارهما ضمانين لسلامة البناء الوطني, مستهدفاً بذلك توكيد أن النقد – وإن كان نوعاً من حرية التعبير – وهي الحرية الأصل التي يرتد النقد إليها ويندرج تحتها – إلا أن أكثر ما يميز حرية النقد – إذا كان بناء – أنه في تقدير واضعي الدستور ضرورة لازمة لا يقوم بدونها العمل الوطني سوياً على قدميه. وما ذلك إلا لأن الحق في النقد – وخاصة في جوانبه السياسية – يعتبر إسهاماً مباشراً في صون نظام الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية, وضرورة لازمة للسلوك المنضبط في الدولة الديمقراطية, وحائلاً دون الإخلال بحرية المواطن في أن “يعلم”، وأن يكون – في ظل التنظيم بالغ التعقيد للعمل الحكومي – قادراً على النفاذ إلى الحقائق الكاملة المتعلقة بكيفية تصريفه.
9 – ينبغي أن يكون مفهوماً أن الطبيعة البناءة للنقد – التي حرص الدستور على توكيدها – لا يراد أن ترصد السلطة التنفيذية الآراء التي تعارضها لتحدد ما يكون منها في تقديرها موضوعياً, إذ لو ذلك لكان بيد هذه السلطة أن تصادر الحق في الحوار العام. وهو حق يتعين أن يكون مكفولاً لكل مواطن, وعلى قدم المساواة الكاملة. وما تغياه الدستور في هذا المجال، هو ألا يكون النقد منطوياً على أراء تنعدم قيمتها الاجتماعية، كتلك التي تكون غايتها الوحيدة شفاء الأحقاد والضغائن الشخصية، أو التي تكون منطوية على مجرد الفحش أو محض التعريض بالسمعة. كما لا تمتد الحماية الدستورية إلى آراء تكوين لها بعض القيمة الاجتماعية، ولكن جرى التعبير عنها على نحو يصادر حرية النقاش أو الحوار، كتلك التي تتضمن الحض على أعمال غير مشروعة تلابسها مخاطر واضحة, تتعرض لها مصلحة حيوية.
10 – الطبيعة البناءة للنقد, لا تفيد لزوماً رصد كل عبارة احتواها مطبوع، وتقييمها – منفصلة عن سياقها – بمقاييس صارمة. ذلك أن ما قد يراه إنسان صواباً في جزئية بذاتها, قد يكون الخطأ بعينه عند آخرين. ولا شبهة في أن المدافعين عن آرائهم ومعتقداتهم كثيراً ما يلجئون إلى المغالاة، وأنه إذا أريد لحرية التعبير أن تتنفس في المجال الذي لا يمكن أن تحيا بدونه, فإن قدراً من التجاوز يتعين التسامح فيه, ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط في بعض الآراء مستوجباً إعاقة تداولها.
11 – الحماية الدستورية لحرية التعبير – في مجال انتقاد القائمين بالعمل العام – غايتها أن يكون نفاذ الكافة على الحقائق المتصلة بالشئون العامة, وإلى المعلومات الضرورية الكاشفة عنها, متاحاً، وألا يحال بينهم وبينها اتقاء لشبهة التعريض بالسمعة. ذلك أن ما نُضيفه إلى دائرة التعريض بالسمعة – في غير مجالاتها الحقيقية – لتزول عنه الحماية الدستورية، لا بد أن يقتطع من دائرة الحوار المفتوح المكفول بهذه الحماية, مما يخل في النهاية بالحق في تدفق المعلومات، وانتقاد الشخصيات العامة بمراجعة سلوكها وتقييمه. وهو حق متفرع من الرقابة الشعبية النابعة من يقظة المواطنين المعنيين بالشئون العامة, الحريصين على متابعة جوانبها السلبية, وتقرير موقفهم منها, ومؤدى إنكاره أن حرية النقد لن يزاولها، أو يلتمس طرقها إلا أكثر الناس اندفاعاً وتهوراً، أو أقواهم عزماً.
12 – ليس أدعى إلى إعاقة الحوار الحر المفتوح، من أن يفرض قانون جنائي قيوداً باهظة على الأدلة النافية لتهمة التعريض بالسمعة – في أقوال تضمنها مطبوع – إلى حد يصل إلى إهدار الحق في تقديمها, وهو ما سلكه النص التشريعي المطعون فيه. ذلك أن الأصل وفقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات, هو أن انتقاد القائم بالعمل العام, أو من كان مضطلعاً بأعبائه يعتبر أمراً مباحاً بشروط من بينها إثبات الناقد لحقيقة كل فعل أسنده إليه. وقد نظم قانون الإجراءات الجنائية في الفقرة الثانية من المادة 123 منه الكيفية التي يتم بها هذا الإثبات, وذلك بإلزام المتهم بأن يقدم للمحقق عند أول استجواب له – وعلى الأكثر في الخمسة الأيام التالية – بياناً بالأدلة على صحة كل فعل أسنده إلى القائم بالعمل العام, وإلا سقط حقه في تقديم الدليل.
وإسقاط الحق في تقديم الدليل على هذا النحو, لابد أن يعقد ألسنة المعنيين بالعمل العام خوفاً، إذا هم أخفقوا في بيانه خلال ذلك الميعاد الذي ضربه المشرع, وهو ميعاد بالغ القصر.
وعبئاً على هذا النحو من الثقل، لابد أن يكون مثبطاً لعزائم هؤلاء الحريصين على إظهار نواحي القصور في الأداء العام, لأنهم سيتحرجون من إعلان انتقاداتهم هذه، ولو كانوا يعتقدون بصحتها, بل ولو كانت صحيحة في واقعها, وذلك خوفاً من سقوط الحق في تقديم الدليل عليها.
13 – السقوط المقرر بالنص التشريعي المطعون فيه, هو مما لا تترخص محكمة الموضوع في تقديره, بل يعتبر مترتباً بقوة القانون, بما مؤداه أنه إذا ما حكم بهذا السقوط، عومل الناقد باعتباره قاذفاً في حق القائم بأعباء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، ولو كان نقده واقعاً في إطارها، متوخياً المصلحة العامة كاشفاً عن الحقيقة دائماً، مؤكداً لها في كل جوانبها وجزئياتها، مقروناً بحسن النية, مجرداً من غرض التجريح أو التهوين من مركز القائم بالعمل العام. وهو ما ينحدر بالحق في النقد العام إلى منزلة الحقوق محددة الأهمية. ويخل بتعدد الآراء التي يتعين أن يشتمل عليها امتياز الحوار العام.
14 – إن النص المطعون فيه, ينال كذلك من ضمانه الدفاع التي لا تقتصر قيمتها العملية على مرحلة المحاكمة، بل تمتد مظلتها كذلك, وما يتصل بها من أوجه الحماية، إلى المرحلة السابقة عليها. وهي بعد ضمانة كفلها الدستور من خلال إلزام الدولة بأن تعمل على تقرير الوسائل الملائمة التي تُعين بها المعوزين على صون حقوقهم وحرياتهم. وهي أكثر ما تكون لزوماً في مواجهة القيود التي تُقَوض الحرية الشخصية أو تحد منها. وكذلك كلما ترتب على تفويتها، سقوط الحق في تقديم الدليل عند الفصل في اتهام جنائي، بما يصادم المفهوم الصحيح لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة. ويناقض بالتالي القواعد المبدئية التي لا تقوم المحاكمة المنصفة بدونها, والتي تعكس في جوهرها نظاماً متكامل الملامح يتوخى صون الحق في الحياة، والحرية، والشخصية المتكاملة.
15 – من غير المتصور أن يكون دور المحامين رمزياً أو شكلياً، متخاذلاً، أو قاصراً عن أن يقدم للمتهمين تلك المعاونة الفعالة التي يقتضيها النظام الاختصامي للعدالة الجنائية, وقوامها الفرص المتكافئة التي يواجهون من خلالها الأدلة التي طرحتها النيابة العامة إثباتاً للجريمة, مع الحق في دحضها بأدلة النفي التي يقدمونها – لا خلال فترة زمنية محددة لا يحيدون عنها – بل كلما كان ذلك ممكناً, وإلى أن تصل المحاكمة الجنائية ذاتها – وعلى امتداد مراحلها – إلى خاتمتها. ودون ذلك لا يكون المحامون شركاء للسلطة القضائية في سعيها دأباً للوصول إلى الحقيقة، والتماس الوسائل التي تُعينها على تحريها.
16 – يقيم النص المطعون فيه – في مجال مواجهة الاتهام الجنائي – تمييزاً بين من عناهم من القاذفين في حق القائم بالعمل العام, وبين غيرهم من المتهمين. ودون أن يكون هذا التمييز مستنداً إلى أسس موضوعية لها ما يظاهرها. وهو ما يُعْجِز المحامين عن إدارة الدفاع عن موكليهم وفق أصول المهنة ومقتضياتها, وينحدر بضوابط ممارستها إلى حد إهدار مستوياتها الموضوعية التي يفترض أن يكون التزامها والنزول عليها, حائلاً دون تقييد الحرية الشخصية بغير إتباع الوسائل القانونية السليمة, سواء في جوانبها الإجرائية أو الموضوعية.
17 – إذ كان الدستور – بالنصوص التي كفل بها ضمانه الدفاع – يفترض ألا يقوم المحامون بعمل من جانبهم يخل بالمعاونة الفعالة التي ينبغي عليهم تقديمها لموكليهم صوناً لحقوقهم, فإن التدخل تشريعياً بما يعوق إنفاذ متطلباتها, يكون, كذلك ومن باب أولى – ممتنعاً دستورياً. ذلك أن مسار الدعوى الجنائية – في إطار الأحكام التي تضمنها النص المطعون فيه – لن يكون معبراً عن الحقيقة حتى في صورتها الراجحة, بل مشككاً في نتيجتها، ومزعزعاً الثقة في محصلتها النهائية، وهو ما يعبر هدماً للعدالة ذاتها, بإنكار موجباتها.
18 – لئن صح القول بأن كل إهمال للضوابط المثالية التي تفرضها المهنة على المحامين, لا يخل بالضرورة بضمانة الدفاع, وأن معيار فعاليتها لا يكون بإنكار حق المحامين في الخلق والابتكار بما يحد من خياراتهم فيما يعد لازماً لإدارة الدفاع عن موكليهم, وإنما يتحدد هذا المعيار على ضوء ما يعد وفقاً للمقاييس الموضوعية سلوكاً معقولاً يتقيد به المحامون وفقاً لأصول مهنتهم, وكان من الصحيح كذلك أن النص المطعون فيه يؤول عملاً إلى طمس الحقائق المتعلقة بنواحي التقصير في أداء القائمين بالعمل العام, فإنه بذلك يكون منحياً لضمانة الدفاع، ومخالفاً أحكام الدستور التي تتوخى أن تكون المحاكمة الجنائية إطاراً منصفاً للفصل في الاتهام الجنائي, وأن يكون مدارها وغايتها النهائية, استكناهاً للحقيقة بكامل أبعادها, وبمراعاة أن ضمانة الدفاع هي المدخل إليها, والطريق إلى تعمق أغوارها.


الإجراءات

بتاريخ 25 ديسمبر سنة 1994 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية, من إلزام المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف, أو غيرها من المطبوعات, أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له, وعلى الأكثر في الخمسة الأيام التالية, بيان الأدلة على كل فعل أسند إلى الموظف العام, أو شخص ذي صفة نيابية عامة, أو مكلف بخدمة عامة, وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطيا برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
وقد نظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوى الجنائية في القضية رقم 1072 لسنة 1994 جنح السيدة زينب ضد المدعي وآخرين بوصف أنهم خلال الفترة من 28/ 8/ 1992 وحتى 21/ 11/ 1992 بدائرة قسم السيدة زينت بمحافظة القاهرة, قذفوا وسبوا الدكتور/ خيري أحمد سمرة وآخرين علانية بطريق النشر, وكان ذلك بسبب أداء المجني عليهما الأول والثاني لأعمال وظيفتهما بأن قدم المتهم الأول “المدعي” – بسوء نية – إلى المتهمين من الثاني حتى الخامس بيانات ومعلومات غير صحيحة بقصد نشرها, اسند فيها إلى المجني عليهم أموراً لو صدقت لأوجبت عقابهم واحتقارهم عند أهل وطنهم, وذلك بأن أسند إليهم فيها التربح من أعمال وظائفهم في عمليات المناقصات والمزايدات الخاصة بتركيب شبكة للغازات الطبية والتكييف المركزي بكلية طب القصر العيني، والإعلان عن مناقصة لشبكة الغازات الطبية وإلغائها أكثر من مرة بغية إسنادها للمدعو مدحت أحمد حلمي شاهين صهر المجني عليه الأول بطريق الأمر المباشر. فقام المتهمون من الثاني إلى الخامس بنشر هذه الأمور بعبارات وألفاظ تصفهم بالتربح من أعمال وظائفهم, وإهدار المال العام والسرقة, وذلك بقصد الإساءة والتشهير بالمجني عليهم المذكورين, وعلى النحو المبين بالتحقيقات. وطلبت النيابة معاقبتهم بالمواد 171, 185, 195, 302، 303/ 2، 306، 307 من قانون العقوبات, والمادة 15/ 2 من القانون رقم 40 لسنة 1977 بنظام الأحزاب السياسية المضافة بالقرار بقانون رقم 36 لسنة 1979. وأثناء نظر الدعوى الجنائية، دفع المدعي أمام محكمة الموضوع – بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية, من أنه يجب على المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات, أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له, وعلى الأكثر في الخمسة الأيام التالية, بيان الأدلة على كل فعل أسند إلى موظف عام, أو شخص ذي صفة نيابية عامة, أو مكلف بخدمة عامة, وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات. وإذ قدرت المحكمة المذكورة جدية الدفع بعدم الدستورية، فقد صرحت للمدعي بإقامة دعواه الدستورية, فأقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن المدعي ينعى على الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية – في الحدود السالف بيانها – مخالفتها لأحكام المواد 47, 67, 69 من الدستور, واستناداً إلى ذات الأسباب التي أقامت عليها المحكمة الدستورية العليا حكمها الصادر بجلسة 6 فبراير سنة 1993 في الدعوى رقم 37 لسنة 11 ق “دستورية”.
وحيث إن المادة 302 من قانون العقوبات تنص في فقرتها الأولى على أن “يعد قاذفاً كل من أسند لغيره بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة 171 من هذا القانون, أموراً لو كانت صادقة، لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانوناً, أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه”.
كما تنص فقرتها الثانية على أنه “ومع ذلك, فالطعن في أعمال موظف عام, أو شخص ذي صفة نيابية عامة، أو مكلف بخدمة عامة, لا يدخل تحت حكم هذه المادة إذا حصل بسلامة نية، وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة بشرط إثبات حقيقة كل فعل أسند إليه”.
أما فقرتها الثالثة فنصها “لا يقبل من القاذف إقامة الدليل لإثبات ما قذف به إلا في الحالة المبينة في الفقرة السابقة”. وتوجب الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية, على المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات, “أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له – وعلى الأكثر في الخمسة الأيام التالية – بيان الأدلة على كل فعل أسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات”.
وجاء بالمذكرة الإيضاحية للقرار بقانون رقم 113 لسنة 1957 المعدل لقانون الإجراءات الجنائية ما يلي “من المفهوم أن نص قانون العقوبات على عدم العقاب على القذف في حق الموظف العام أو ذي الصفة النيابية العامة, أو المكلف بخدمة عامة, مبناه أن المشرع قد افترض في القاذف التأكيد بالدليل من صحة ما يرمي به, وأن أدلته جاهزة لديه قبل النشر, وإلا كان القذف مجازفة يعتمد مرتكبها على ما يتصيده من أدلة. لذلك يجب التدخل بإلزامه بتقديم هذه الأدلة دون مُطْل أو تأخير, وحتى لا تبقى أقدار الناس معلقة مدة قد تطول، فيتأذون بهذا التعليق أبلغ الأذى, وأنه وإن كانت المصلحة العامة قد أباحت الطعن على الموظفين, وغيرهم من ذوي الصفات العامة, فإن هذه المصلحة بعينها تقضي بحمايتهم من المفتريات التي توجه إليهم نكالاً بأشخاصهم، فتصيب الصالح العام من ورائهم بأفدح الأضرار, فرؤى لذلك إضافة حكم جديد إلى المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية، يوجب على المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم عند أول استجواب له – وعلى الأكثر من الخمسة الأيام التالية – بيان الأدلة على وقائع القذف, وإلا سقط حقه في إثباتها بعد ذلك. على أن هذا الإيجاب لا يتجاوز مطالبته بتقديم صور الأوراق التي يستند إليها, وأسماء الشهود الذين يعتمدون على شهادتهم وما يستشهدهم عليه, وغني على البيان أن إيراد هذا الحكم في المادة 123 بباب التحقيق بمعرفة قاضي التحقيق, ينصرف أيضاً بطريق اللزوم إلى التحقيق بمعرفة النيابة العامة, إعمالاً للمادة 199 التي تسحب الأحكام المقررة لقاضي التحقيق على إجراءات التحقيق بمعرفة النيابة العامة فيما لم يرد فيه نص خاص بها….”.
وحيث إن الدستور حرص على أن يفرض على السلطتين التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلاً بصون الحقوق والحريات العامة على اختلافها، كي لا تقحم إحداهما المنطقة التي يحميها الحق أو الحرية، أو تتداخل معها, بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة. ولقد كان تطوير هذه الحقوق الحريات وإنماؤها من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الأمم المتحضرة, مطلباً أساسياً، توكيداً لقيمتها الاجتماعية، وتقديراً لدورها في مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها, ولردع كل محاولة للعدوان عليها. وفي هذا الإطار، تزايد الاهتمام بالشئون العامة في مجالاتها المختلفة, وغدا عرض الآراء المتصلة بأوضاعها، وانتقاد أعمال القائمين عليها, مشمولاً بالحماية الدستورية، تغليباً لحقيقة أن الشئون العامة، وقواعد تنظيمها وطريقة إدارتها, ووسائل النهوض بها, وثيقة الصلة بالمصالح المباشرة للجماعة, وهي تؤثر بالضرورة في تقدمها، وقد تنتكس بأهدافها القومية، متراجعة بطموحاتها إلى الوراء.
ويتعين بالتالي أن يكون انتقاد العمل العام من خلال الصحافة أو غيرها من وسائل التعبير وأدواته, حقاً مكفولاً لكل مواطن، وأن يتم التمكين لحرية عرض الآراء وتداولها بما يحول – كأصل عام – دون إعاقتها، أو فرض قيود مسبقة على نشرها. وهي حرية يقتضيها النظام الديمقراطي, وليس مقصوداً بها مجرد أن يعبر الناقد عن ذاته, ولكن غايتها النهائية الوصول إلى الحقيقة, من خلال ضمان تدفق المعلومات من مصادرها المتنوعة. وعبر الحدود المختلفة، وعرضها في آفاق مفتوحة, تتوافق فيها الآراء في بعض جوانبها, أو تتصادم في جوهرها، ليظهر ضوء الحقيقة جلياً من خلال مقابلتها ببعض. وقوفاً على ما يكون منها زائفاً أو صائباً، منطوياً على مخاطر واضحة، أو محققاً لمصلحة مبتغاة.
Seulun débat “vigoureux et ouvert á tous” ou le Libre échange “des idées sur la place publique” feront surgir la vérité Or, dans ce cas précis c’est la divulgation elle – même qui est censée se révéler nocive.
ومن غير المحتمل أن يكون انتقاد الأوضاع المتصلة بالعمل العام تبصيراً بنواحي التقصير فيه, مؤدياً على الأضرار بأية مصلحة مشروعة. وليس جائزاً بالتالي أن يكون القانون أداة تعوق حرية التعبير عن مظاهر الإخلال بأمانة الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة, أو مواطن الخلل في أداء واجباتها. ذلك أن ما يميز الوثيقة الدستورية, ويحدد ملامحها الرئيسية, هو أن الحكومة خاضعة لمواطنيها, ولا يفرضها إلا الناخبون. وكلما نكل القائمون بالعمل العام – تخاذلاً أو انحرافاً – عن حقيقة واجباتهم, مهدرين الثقة العامة فيهم, كان تقويم اعوجاجهم حقاً وواجباً، مرتبطاً عميقاً بالمباشرة الفعالة للحقوق التي ترتكز في أساسها على المفهوم الديمقراطي لنظام الحكم, ويندرج تحتها محاسبة الحكومة ومسائلتها, وإلزامها مراعاة الحدود, والخضوع للضوابط التي فرضها الدستور عليها.
ولا يعدو إجراء الحوار المفتوح المسائل العامة, أن يكون ضماناً لتبادل الآراء على اختلافها، كي ينقل المواطنون علانية تلك الأفكار التي تجول في عقولهم – ولو كانت السلطة العامة تعارضها – إحداثاً من جانبهم – والوسائل السلمية – لتغيير قد كان مطلوباً.
ولئن صح القول بأن النتائج الصائبة هي حصيلة الموازنة بين آراء متعددة جرى التعبير عنها في حرية كاملة, وإنها في كل حال لا تمثل انتفاء من السلطة العامة لحول بذاتها تستقل بتقديرها وتفرضها عنوة, فإن من الصحيح كذلك أن الطبيعة الزاجرة للعقوبة التي توقعها الدولة على من يخلون بنظامها, لا تقدم ضماناً كافياً لصونه, وأن من الخطر فض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها, وأن الطريق إلى السلامة القومية إنما يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح, لمواجهة أشكال من المعاناة – متباينة في أبعادها, وتقرير ما يناسبها من الحلول النابعة من الإرادة العامة.
ومن ثم كان منطقياً، بل وأمراً محتوماً، أن ينحاز الدستور إلى حرية النقاش والحوار في كل أمر يتصل بالشئون العامة، ولو تضمن انتقاداً حاداً للقائمين بالعمل العام. إذ لا يجوز لأحد أن يفرض على غيره صمتاً ولو كان معززاً بالقانون, ولأن حوار القوة إهدار لسلطان العقل, ولحرية الإبداع والأمل والخيال. وهو في كل حال يولد رهبة تحول بين المواطن والتعبير عن آرائه, بما يعزز الرغبة في قمعها، ويكرس عدوان السلطة العامة المناوئة لها, مما يهدد في النهاية أمن الوطن واستقراره.
وحيث إنه على ضوء ما تقدم، فإن انتقاد القائمين بالعمل العام – وإن كان مريراً – يظل متمتعاً بالحماية التي كفلها الدستور لحرية التعبير عن الآراء, بما لا يخل بالمضمون الحق لهذه الحرية, أو يجاوز الأغراض المقصودة من إرسائها.
وليس جائزاً التالي أن تفترض في كل واقعة جرى إسنادها إلى أحد القائمين بالعمل العام, أنها واقعة زائفة، أو أن سوء القصد قد خالطها. وكذلك فإن الآراء التي تم نشرها في حق أحد ممن يباشرون جانباً من اختصاص الدولة, لا يجوز تقييمها منفصلة عما توجبه المصلحة العامة في أعلى درجاتها من عرض انحرافاتهم، وأن يكون المواطنون على بينة من دخائلها. ويتعين دوماً أن تتاح لكل مواطن فرصة مناقشتها واستظهار وجه الحق فيها.
وحيث إن الدستور القائم حرص على النص في المادة 47، على أن حرية الرأي مكفولة وأن لكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون, وكان الدستور قد كفل بهذا النص حرية التعبير عن الرأي بمدلول جاء بها ليشمل التعبير عن الآراء في مجالاتها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, إلا أن الدستور – مع ذلك – عني بإبراز الحق في النقد الذاتي, والنقد البناء، باعتبارهما ضمانين لسلامة البناء الوطني, مستهدفاً بذلك توكيد أن النقد – وإن كان نوعاً من حرية التعبير – وهي الحرية الأصل التي يرتد النقد إليها ويندرج تحتها – إلا أن أكثر ما يميز حرية النقد – إذا كان بناء – أنه في تقدير واضعي الدستور ضرورة لازمة لا يقوم بدونها العمل الوطني سوياً على قدميه. وما ذلك إلا لأن الحق في النقد – وخاصة في جوانبه السياسية – يعتبر إسهاماً مباشراً في صون نظام الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية, وضرورة لازمة للسلوك المنضبط في الدولة الديمقراطية, وحائلاً دون الإخلال بحرية المواطن في أن “يعلم” وأن يكون في ظل التنظيم بالغ التعقيد للعمل الحكومي، قادراً على النفاذ إلى الحقائق الكاملة المتعلقة بكيفية تصريفه. على أن يكون مفهومها أن الطبيعة البناءة للنقد – التي حرص الدستور على توكيدها – لا يراد أن ترصد السلطة التنفيذية الآراء التي تعارضها لتحدد ما يكون منها في تقديرها موضوعياً, إذ لو ذلك لكان بيد هذه السلطة أن تصادر الحق في الحوار العام. وهو حق يتعين أن يكون مكفولاً لكل مواطن, وعلى قدم المساواة الكاملة. وما رمى إليه الدستور في هذا المجال هو ألا يكون النقد منطوياً على أراء تنعدم قيمها الاجتماعية، كتلك التي تكون غايتها الوحيدة شفاء الأحقاد والضغائن الشخصية، أو التي تكون منطوية على مجرد الفحش أو محض التعريض بالسمعة. كما لا تمتد الحماية الدستورية إلى آراء تكون لها بعض القيمة الاجتماعية، ولكن جرى التعبير عنها على نحو يصادر حرية النقاش أو الحوار، كتلك التي تتضمن الحض على أعمال غير مشروعة، تلابسها مخاطر واضحة, تتعرض لها مصلحة حيوية.
إذ كان ذلك فإن الطبيعة البناءة للنقد, لا تفيد لزوماً رصد كل عبارة احتواها مطبوع، وتقييمها – منفصلة عن سياقها – بمقاييس صارمة. ذلك أن ما قد يراه إنسان صواباً في جزئية بذاتها, قد يكون الخطأ بعينه عند آخرين, ولا شبهة في أن المدافعين عن آرائهم ومعتقداتهم كثيراً ما يلجئون إلى المغالاة، وأنه إذا أريد لحرية التعبير أن تتنفس في المجال الذي لا يمكن أن تحيا بدونه, فإن قدراً من التجاوز يتعين التسامح فيه. ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط في بعض الآراء مستوجباً إعاقة تداولها.
وحيث إن الحماية الدستورية لحرية التعبير – في مجال انتقاد القائمين بالعمل العام – غايتها أن يكون نفاذ الكافة إلى الحقائق المتصلة بالشئون العامة, وإلى المعلومات الضرورية الكاشفة عنها, متاحاً، وألا يحال بينهم وبينها اتقاء لشبهة التعريض للسمعة, ذلك أن ما نُضيفه إلى دائرة التعريض بالسمعة – في غير مجالاتها الحقيقية – لتزول عنه الحماية الدستورية، لا بد أن يقتطع من دائرة الحوار المفتوح المكفول بهذه الحماية, مما يخل في النهاية بالحق في تدفق المعلومات، وانتقاد الشخصيات العامة بمراجعة سلوكها وتقييمه. وهو حق متفرع من الرقابة الشعبية النابعة من يقظة المواطنين المعنيين بالشئون العامة, الحريصين على متابعة جوانبها السلبية, وتقرير موقفهم منها, ومؤدى إنكاره أن حرية النقد لن يزاولها، أو يلتمس طرقها إلا أكثر الناس اندفاعاً وتهوراً، أو أقواهم عزماً.
وليس أدعى إلى إعاقة الحوار الحر المفتوح، من أن يفرض قانون جنائي قيوداً باهظة على الأدلة النافية لتهمة التعريض بالسمعة – في أقوال تضمنها مطبوع – إلى حد يصل إلى إهدار الحق في تقديمها, وهو ما سلكه النص التشريعي المطعون فيه. ذلك أن الأصل وفقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات, هو أن انتقاد القائم بالعمل العام, أو من كان مضطلعاً بأعبائه يعتبر أمراً مباحاً بشروط من بينها إثبات الناقد لحقيقة كل فعل أسنده إليه. وقد نظم قانون الإجراءات الجنائية في الفقرة الثانية من المادة 123 منه، الكيفية التي يتم بها هذا الإثبات, وذلك بإلزام المتهم بأن يقدم للمحقق عند أول استجواب له – وعلى الأكثر في الخمسة الأيام التالية – بياناً بالأدلة على صحة كل فعل أسنده إلى القائم بالعمل العام, وإلا سقط حقه في تقديم الدليل.
وإسقاط الحق في تقديم الدليل على هذا النحو, لا بد أن يعقد ألسنة المعنيين بالعمل العام خوفاً، إذا هم أخفقوا في بيانه، خلال ذلك الميعاد الذي ضربه المشرع, وهو ميعاد بالغ القصر.
وعبئاً على هذا النحو من النقل، لا بد أن يكون مثبطاً لعزائم هؤلاء الحريصين على إظهار نواحي القصور في الأداء العام, لأنهم سيتحرجون من إعلان انتقاداتهم هذه، ولو كانوا يعتقدون بصحتها, بل ولو كانت صحيحة في واقعها, وذلك خوفاً مزن سقوط الحق في تقديم الدليل عليها.
ويؤيد ذلك أن السقوط المقرر بالنص التشريعي المطعون فيه, هو مما لا تترخص محكمة الموضوع في تقديره, بل يعتبر مترتباً بقوة القانون, بما مؤداه أنه إذا ما حكم بهذا السقوط، عومل الناقد باعتباره قاذفاً في حق القائم بأعباء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، ولو كان نقده واقعاً في إطارها، متوخياً المصلحة العامة، كاشفاً عن الحقيقة دائماً، مؤكداً لها في كل جوانبها وجزئياتها، مقروناً بحسن النية, مجرداً من غرض التجريح أو التهوين من مركز القائم بالعمل العام. وهو ما ينحدر بالحق في النقد العام إلى منزلة الحقوق محددة الأهمية. ويخل بتعدد الآراء التي يتعين أن يشتمل عليها امتياز الحوار العام.
وحيث إن النص المطعون فيه, ينال كذلك من ضمانة الدفاع التي لا تقتصر قيمتها العملية على مرحلة المحاكمة، بل تمتد مظلتها كذلك, وما يتصل بها من أوجه الحماية، إلى المرحلة السابقة عليها. وهي بعد ضمانة كفلها الدستور من خلال إلزام الدولة بأن تعمل على تقرير الوسائل الملائمة التي تعين بها المعوزين على صون حقوقهم وحرياتهم. وهي أكثر ما تكون لزوماً في مواجهة القيود التي تفوض الحرية الشخصية أو تحد منها. وكذلك كلما ترتب على فواتها سقوط الحق في تقديم الدليل عند الفصل في اتهام جنائي، بما يصادم المفهوم الصحيح لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة. ويناقض بالتالي القواعد المبدئية التي لا تقوم المحاكمة المنصفة بدونها, والتي تعكس في جوهرها نظاماً متكامل الملامح يتوخى صون الحق في الحياة، والحرية، والشخصية المتكاملة.
ذلك أن من غير المتصور أن يكون دور المحامين رمزياً أو شكلياً، متخاذلاً أو قاصراً عن أن يقدم للمتهمين تلك المعاونة الفعالة التي يقتضيها النظام الاختصامي للعدالة الجنائية, وقوامها الفرص المتكافئة التي يواجهون من خلالها الأدلة التي طرحتها النيابة العامة إثباتاً للجريمة, مع الحق في دحضها بأدلة النفي التي يقدمونها – لا خلال فترة زمنية محددة لا يحيدون عنها – بل كلما كان ذلك ممكناً, وإلى أن تصل المحاكمة الجنائية ذاتها – وعلى امتداد مراحلها – إلى خاتمتها. ودون ذلك لا يكون المحامون شركاء للسلطة القضائية في سعيها دأباً للوصول إلى الحقيقة، والتماس الوسائل التي تعينها على تحريها. كما يقع التمييز – في مجال مواجهة الاتهام الجنائي – بين من عناهم النص المطعون فيه من القاذفين في حق القائم بالعمل العام, وبين غيرهم من المتهمين. ودون أن يكون هذا التمييز مستنداً إلى أسس موضوعية لها ما يظاهرها. وهو ما يُعْجِز المحامين عن إدارة الدفاع عن موكليهم وفق أصول المهنة ومقتضياتها, وينحدر بضوابط ممارستها إلى حد إهدار مستوياتها الموضوعية، التي يفترض أن يكون التزامها والنزول عليها, حائلاً دون تقييد الحرية الشخصية بغير إتباع الوسائل القانونية السليمة, سواء في جوانبها الإجرائية أو الموضوعية.
وإذ كان الدستور – بالنصوص التي كفل بها ضمانه الدفاع – يفترض ألا يقوم المحامون بعمل من جانبهم يخل بالمعاونة الفعالة التي ينبغي عليهم تقديمها لموكليهم صوناً لحقوقهم, فإن التدخل تشريعياً بما يعوق إنفاذ متطلباتها, يكون, كذلك – ومن باب أولى – ممتنعاً دستورياً. ذلك أن مسار الدعوى الجنائية – في إطار الأحكام التي تضمنها النص المطعون فيه – لن يكون معبراً عن الحقيقة حتى في صورتها الراجحة, بل مشككاً في نتيجتها، ومزعزعاً الثقة في محصلتها النهائية، وهو ما يعتبر هدماً للعدالة ذاتها, بإنكار موجباتها.
ولئن صح القول بأن كل إهمال للضوابط المثالية التي تفرضها المهنة على المحامين, لا يخل بالضرورة بضمانة الدفاع, وأن معيار فعاليتها، لا يكون بإنكار حق المحامين في الخلق والابتكار بما يحد من خياراتهم فيما يعد لازماً لإدارة الدفاع عن موكليهم, وإنما يتحدد هذا المعيار على ضوء ما يعد وفقاً للمقاييس الموضوعية سلوكاً معقولاً يتقيد به المحامون وفقاً لأصول مهنتهم, وكان من الصحيح كذلك أن النص المطعون فيه، يؤول عملاً إلى طمس الحقائق المتعلقة بنواحي التقصير في أداء القائمين بالعمل العام, فإنه بذلك يكون منحياً لضمانة الدفاع، ومخالفاً أحكام الدستور التي تتوخى أن تكون المحاكمة الجنائية إطاراً منصفاً للفصل في الاتهام الجنائي, وأن يكون مدارها وغايتها النهائية, استكناهاً للحقيقة بكامل أبعادها, وبمراعاة أن ضمانة الدفاع هي المدخل إليها, والطريق إلى تعمق أغوارها، ومن ثم يكون النص المطعون فيه مخالفاً لأحكام المواد 40, 41, 47, 67, 69 من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية, من إلزام المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات, أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له, وعلى الأكثر في الخمسة الأيام التالية, بيان الأدلة على كل فعل أسند إلي موظف عام، أو شخص ذي صفة نيابية عامة, أو مكلف بخدمة عامة, وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات، مع إلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.