الخط الساخن : 01118881009

جلسة 12 مارس سنة 2001

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وأنور رشاد العاصي، وحضور السيد المستشار/ محمد خيري طه عبد المطلب النجار – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

قاعدة رقم (105)
القضية رقم 229 لسنة 19 قضائية “دستورية”

1 – دعوى دستورية “تدخل”.
شرط قبول طلب التدخل في الدعوى الدستورية أن يكون مقدماً ممن كان طرفاً في الدعوى الموضوعية التي يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الحكم فيها.
2 – دعوى دستورية “طلبات ختامية – وفاة المدعي”.
إبداء المدعي طلباته الختامية في الدعوى الدستورية قبل وفاته – أثره: أن الدعوى تكون قد تهيأت للفصل فيها.
3 – دعوى دستورية “حكم فيها: حجية – عدم قبول الدعوى”.
رفع دعوى لاحقة بعدم دستورية نص قانوني بعد نشر الحكم الصادر بعدم دستوريته؛ مؤداه: عدم قبول الدعوى بسبب انعدام المصلحة فيها نظراً للحجية المطلقة للأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية.
4 – دعوى دستورية “المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها – نطاقها”.
مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع؛ مؤدى ذلك: استبعاد أحكام النصوص الطعينة التي لا شأن لها بالنزاع الموضوعي أصلاً.
5 – دستور “المادة 13: حق العمل”.
لا يُمنح حق العمل – وفقاً لنص المادة 13 من الدستور – تفضلاً، ولا يجوز إهداره أو تقييده بما يعطل جوهره، وبه تتكامل الشخصية الإنسانية – لحق العمل صلة وثيقة بالحرية الشخصية والحق في الإبداع.
6 – دستور “المادتان 32، 34: ملكية خاصة”.
الملكية الخاصة التي كفل الدستور صونها بهاتين المادتين ترتد في الأعم من صورها إلى ضمان حق العمل – الملكية الخاصة عائدة إلى جهد صاحبها غالباً وحرصه بالعمل على إنمائها – اختصاصه دون غيره بثمارها – حماية الدستور والقانون للملكية من تعرض الأغيار لها.
7 – حق العمل “عضو هيئة قضائية: المبالغ الشهري الإضافي”.
المبلغ الشهري الإضافي مكمل للمعاش الأصلي لأعضاء الهيئات القضائية – تضافرهما معاً في مجال ضمان الحد الأدنى لمتطلبات المعيشة؛ مؤدى ذلك: عدم جواز أن يكون الحق في المبلغ الشهري الإضافي معلقاً على شرط الامتناع عن العمل؛ وهو حق كفله الدستور لكل مواطن.
8 – مبدأ المساواة.
هذا المبدأ ليس تلقيناً جامداً منافياً للضرورة العملية – من الجائز أن تغاير السلطة التشريعية، وفقاً لمقاييس منطقية بين مراكز لا تتحد معطياتها.
9 – تشريع “قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 المعدل بقراره رقم 440 لسنة 1986: الإخلال بالمساواة”.
حرمان من يزاولون عملاً خارج البلاد – من أعضاء الهيئات القضائية – من المبلغ الشهري الإضافي، حال أن قرناءهم الذين قد يلتحقون بأعمال داخل البلاد أصبح من حقهم تقاضي هذا المبلغ بناءً على حكم من المحكمة الدستورية العليا؛ مؤدى ذلك: مخالفة النص الطعين لمبدأ المساواة.
10 – عضو هيئة قضائية “المبلغ الشهري الإضافي – خدمات صحية”.
لا وجه للربط بين أحقية أعضاء الهيئات القضائية السابقين للمبلغ الشهري الإضافي وبين الانتفاع بنظام الخدمات الصحية – ارتباط هذه الخدمات بالموارد المالية للصندوق.
1 – اطرد قضاء هذه المحكمة على أن شرط قبول طلب التدخل أن يكون مقدماً ممن كان طرفاً في الدعوى الموضوعية التي يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الحكم فيها، وإذ كان طالبو التدخل غير ممثلين في الأنزعة التي أقامها المدعون أمام دائرة طلبات رجال القضاء بمحكمة النقض، فإنه يتعين الحكم بعدم قبول تدخلهم.
2 – لما كان المدعي الثاني قد أبدى طلباته الختامية في الدعوى الماثلة في جلسات المرافعة المحددة لنظرها على النحو الثابت بمحاضرها قبل أن يقدم وكيله إعلام الوراثة الذي يثبت وفاته، فإن دعواه تكون قد تهيأت للفصل فيها إعمالاً لحكم المادتين 130، 131 من قانون المرافعات.
3 – سبق أن قضت هذه المحكمة بحكمها الصادر بجلسة 3 مايو 1997 في القضية رقم 29 لسنة 15 قضائية “دستورية” بعدم دستورية نص المادة 34 مكرراً (2) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 بتنظيم صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية المعدل بالقرار رقم 440 لسنة 1986، وذلك فيما نص عليه من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا مارس العضو مهنة غير تجارية في الداخل. وقد نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 مايو سنة 1997، وكان مقتضى نص المادتين 48، 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو السعي إلى نقضه من خلال إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته، فإنه يتعين الحكم بعدم قبول الدعوى الماثلة في شقها المتعلق بالطعن على النص.
4 – من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن المصلحة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – مناطها ارتباطها بصلة منطقية بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعي – بعد نشر حكم المحكمة الدستورية العليا السالف الإشارة إليه – أضحى يدور حول طلب المدعيين الأول والثاني صرف المبلغ الشهري الإضافي خلال فترة عملهما بالخارج، وكذلك طلب المدعين جميعهم الإفادة من نظام الخدمات الصحية والاجتماعية، وصرف مقابل الدواء، فإن نطاق الطعن الماثل يتحدد بنص المادة 34 مكرراً (2) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 فيما قضى به من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا التحق العضو بأي عمل خارج البلاد، ونص المادة 13 من ذات القرار قبل تعديلها بالقرار رقم 1094 لسنة 1989 فيما قضى به من وقف الانتفاع بنظام الخدمات الصحية بالنسبة للعضو السابق إذا التحق بوظيفة أو مارس إحدى المهن الحرة، وذات النص بعد تعديله بالقرار الأخير فيما قضى به من وقف سريان النظام بالنسبة للعضو السابق إذا التحق بأي عمل خارج البلاد أو امتهن مهنة حرة في داخل البلاد، وكذلك نص المادة الخامسة من قرار وزير العدل رقم 1866 لسنة 1987 قبل تعديله بالقرار رقم 1040 لسنة 1989 فيما قضى به من أنه يشترط لمصرف مقابل الدواء لأعضاء الهيئات القضائية السابقين – الأحياء – أن يكون العضو مستوفياً لشروط استحقاق المبلغ الشهري الإضافي الصادر بقرار وزير العدل رقم 440 لسنة 1986، وذات النص بعد تعديله بالقرار 1040 لسنة 1989 فيما قضى به من أنه يشترط لصرف مقابل الدواء لأعضاء الهيئات القضائية السابقين الأحياء أو إعادة صرفه وقفه أن يكون العضو مستوفياً لشروط الانتفاع بنظام الخدمات الصحية الصادر بقرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981، ففي هذا الإطار وحده يتحدد نطاق الخصومة الدستورية الراهنة ولا يمتد إلى غير ذلك من أحكام حوتها النصوص الطعينة.
5 – حق العمل وفقاً لنص المادة (13) منه، لا يمنح تفضلاً، ولا يتقرر إيثاراً، ولا يجوز إهداره أو تقييده بما يعطل جوهره، بل يعتبر أداؤه واجباً لا ينفصل عن الحق فيه، ومدخلاً إلى حياة لائقة قوامها الاطمئنان إلى غد أفضل، وبها تتكامل الشخصية الإنسانية من خلال إسهامها في تقدم الجماعة وإشباع احتياجاتها بما يصون للقيم الخلقية روافدها. فضلاً عن الصلة الوثيقة بين حق العمل وبين الحرية الشخصية والحق في الإبداع، وجميعها من الحقوق التي حرص الدستور على صونها، وإهدارها أو تقييدها لا يستند إلى مصلحة مشروعة بل يناقضها.
6 – الملكية الخاصة – التي كفل الدستور صونها بنص المادتين 32، 34 – ترتد في عديد من جوانبها ومصادرها؛ وكذلك في الأعم من صورها إلى ضمان حق العمل باعتباره أداة تكوينها ووسيلة تراكمها في الأغلب. وقد جرى قضاء هذه المحكمة، على أن الدستور – إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيداً لإسهامها في صون الأمن الاجتماعي – كفل حمايتها لكل فرد، ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها باعتبارها عائدة – في الأعم من الأحوال – إلى جهد صاحبها بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها وأحاطها الدستور بما قدره ضرورياً لصونها، معبداً بها وكافلاً من خلالها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أهم أدواتها، مهيمناً عليها ليختص صاحبها دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها فلا يرده عنها معتد، بل يقيها الدستور والقانون تعرض الأغيار لها، سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها، بما يُعينها على أداء دورها.
7 – قضاء هذه المحكمة مُطرد على أن المبلغ الشهري الإضافي مكمل للمعاش الأصلي لأعضاء الهيئات القضائية، وأنهما يتضافران معاً في مجال ضمان الحد الأدنى لمتطلباتهم المعيشية. ولا يجوز بالتالي أن يكون الحق في المبلغ الشهري الإضافي حائلاً دون امتهان عضو الهيئة القضائية – بعد تقاعده – أعمالاً يمارسها أو تقلده وظائف لا يكون بها طاقة عاطلة، ولا أن يكون لحق في الحصول على هذا المبلغ معلقاً على شرط الامتناع عن العمل، وهو أحد الحقوق التي كفلها الدستور لكل مواطن.
8 – مبدأ المساواة – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – ليس مبدأ تلقينياً جامداً منافياً للضرورة العملية، ولا هو بقاعدة صماء تنبذ صور التمييز جميعها، ولا كافلاً لتلك الدقة الحسابية التي يقتضيها موازين العدل المطلق بين الأشياء. وإذا جاز للسلطة التشريعية أن تتخذ بنفسها ما تراه ملائماً من التدابير، لتنظيم موضوع محدد وأن تغاير من خلال هذا التنظيم – ووفقاً لمقاييس منطقية – بين مراكز لا تتحد معطياتها أو تتباين في الأسس التي تقوم عليه، إلا أن ما يصون مبدأ المساواة، ولا ينقض محتواه، هو ذلك التنظيم الذي يقيم تقسيماً تشريعياً ترتبط فيه النصوص القانونية التي يضمها بالأغراض المشروعة التي يتوخاها. فإذا قام الدليل على انفصال هذه النصوص عن أهدافها، أو كان اتصال الوسائل بالمقاصد واهياً، كان التمييز انفلاتاً وعسفاً، فلا يكون مشروعاً دستورياً.
9 – القرار المطعون فيه، وإن وَحَّد بين أعضاء الهيئات القضائية في شأن الأسس التي يتم على ضوئها حساب معاشهم التكميلي ممثلاً في المبلغ الشهري الإضافي، إلا أن النص الطعين حجبه عن بعضهم ممن يزاولون عملاً خارج البلاد، حال أن قرناءهم الذين قد يلتحقون بأعمال داخل البلاد، أصبح من حقهم تقاضي هذا المبلغ بعد قضاء هذه المحكمة الصادر في القضية رقم 72 لسنة 20 قضائية “دستورية” بعدم دستورية ذات النص الطعين فيما تضمنه من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا التحق العضو بعمل داخل البلاد يتقاضى عنه دخلاً، ومن ثم فإنه غداً مخالفاً لمبدأ المساواة الذي يكفل المعاملة القانونية المتكافئة لأصحاب المراكز القانونية المتماثلة.
10 – لا وجه للربط بين أحقية أعضاء الهيئات القضائية السابقين للمبلغ الشهري الإضافي الذي تقرر بنص المادة 34 مكرراً (1) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 وبين الانتفاع بنظام الخدمات الصحية الذي يكفله صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين وأسرهم، فالمبلغ الشهري الإضافي يُصرف لكل من استحق أو يستحق من أعضاء الهيئات القضائية معاشاً، وهذا المبالغ يعد معاشاً مكملاً للمعاش الأصلي، أنهما معاً يتضافران في مجال الحد الأدنى لمتطلباتهم المعيشية، في حين أن الانتفاع بنظام الخدمات الصحية يخضع لأحكام المادة 13 من قرار وزير العدل المشار إليه، والتي يتعين النظر إليها في ضوء ما تقضي به المادة الثانية من قرار وزير العدل رقم 3 لسنة 1977 من ربط الانتفاع بالخدمات الصحية بالموارد المالية للصندوق.


الإجراءات

بتاريخ السابع والعشرين من ديسمبر سنة 1997، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبين الحكم:
أولاً: بعدم دستورية نص المادة 34 مكرراً (2) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 المعدل بالقرار رقم 440 لسنة 1986 فيما تضمنه من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا مارس العضو مهنة تجارية أو غير تجارية أو التحق بالعمل خارج البلاد.
ثانياً: بعدم دستورية نص البندين ب، جـ من المادة 13 من القرار المشار إليه فيما تضمنه من وقف سريان نظام الخدمات الصحية والاجتماعية بالنسبة للعضو السابق أو أحد أفراد أسرته إذ التحق بعمل خارج البلاد، أو امتهن مهنة حرة أو تجارية أو غير تجارية داخل البلاد أو خارجها.
ثالثاً: بعدم دستورية نص المادة الخامسة من قرار وزير العدل رقم 1866 لسنة 1987 فيما تضمنه من وقف صرف مقابل الدواء للعضو السابق أو أحد أفراد أسرته إذ التحق بعمل خارج البلاد أو امتهن مهنة حرة أو تجارية أو غير تجارية داخل البلاد أو خارجها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
وبجلسة 7/ 11/ 1998 طلب السادة المستشارون السابقون/ …… قبول تدخلهم خصوماً منضمين إلى المدعيين في الدعوى.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعين كانوا قد أقاموا أمام محكمة النقض “دائرة طلبات رجال القضاء” الطلبات أرقام 10، 11، 9، 8 لسنة 61 قضائية “رجال القضاء” على التوالي، أبدوا فيها أن الأول عُين معاوناً للنيابة العامة سنة 1950 وتدرج في الوظائف القضائية حتى عُين مستشاراً بمحكمة النقض ثم استقال للعمل بالمحاماة سنة 1976، وعُين الثاني معاوناً للنيابة العامة في 30/ 10/ 1954 وتدرج في الوظائف القضائية حتى عُين مستشاراً بمحكمة الاستئناف ثم استقال للعمل بالمحاماة في أكتوبر سنة 1979، كما عُين الثالث معاوناً للنيابة العامة في مايو سنة 1954 وتدرج في الوظائف القضائية إلى أن عُين بوظيفة رئيس محكمة ثم استقال للعمل بالمحاماة في فبراير سنة 1977، وعُين الرابع معاوناً للنيابة العامة في 30/ 10/ 1954 وتدرج في الوظائف القضائية إلى أن عُين مستشاراً بمحكمة استئناف القاهرة ثم استقال في 12/ 5/ 1979 للترشيح لعضوية مجلس الشعب، ثم قُيد بجدول المحامين في 22/ 5/ 1979. وإذ أصدر السيد المستشار وزير العدل قراره رقم 440 لسنة 1986 بتقرير صرف مبلغ شهري إضافي لأصحاب المعاشات من أعضاء الهيئات القضائية، وقراره رقم 1866 لسنة 1987 بصرف مبلغ سنوي مقابل الدواء لأعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين، فقد تقدم المدعون بطلبات إلى صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لصرف ما يستحقونه من هذين المبلغين، إلا أن الصندوق امتنع عن ذلك بدعوى أن الأول والثاني كان يمارسان مهنة المحاماة ثم التحقا بعمل خارج البلاد، كما أن الثالث والرابع يمارسان مهنة المحاماة، وطلبوا الحكم بإلزام الصندوق بأن يؤدي إليهم المبلغين المشار إليهما، ثم عَّدل المدعون طلباتهم أمام تلك الدائرة بأن أضافوا طلب الحكم بأحقيتهم وأسرهم في الانتفاع بالخدمات الصحية التي يكفلها الصندوق. وأثناء نظر طلباتهم دفع كل منهم بعدم دستورية نص البندين ب، ج من المادة 13 من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 بتنظيم صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية بالنسبة للعضو السابق أو أحد أفراد أسرته إذا التحق بعمل خارج البلاد، أو امتهن مهنة حرة أو تجارية أو غير تجارية داخل البلاد أو خارجها، ونص المادة 34 مكرراً (2) من ذات القرار المعدل بالقرار رقم 440 لسنة 1986 فيما تضمنه من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إن مارس العضو مهنة تجارية أو غير تجارية أو التحق بالعمل خارج البلاد، وكذلك نص المادة الخامسة من قرار وزير العدل رقم 1866 لسنة 1987 فيما تضمنه من وقف صرف مقابل الدواء للعضو السابق أو أحد أفراد أسرته إذا التحق بعمل خارج البلاد أو امتهن مهنة حرة أو تجارية أو غير تجارية داخل البلاد أو خارجها. وإذ قدرت تلك الدائرة جدية دفعهم وصرحت لهم بإقامة الدعوى الدستورية فقد أقاموا الدعوى الماثلة.
وحيث إنه عن طلب التدخل، فقد اطرد قضاء هذه المحكمة على أن شرط قبول طلب التدخل أن يكون مقدماً ممن كان طرفاً في الدعوى الموضوعية التي يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الحكم فيها، وإذ كان طالبو التدخل غير ممثلين في الأنزعة التي أقامها المدعون أمام دائرة طلبات رجال القضاء بمحكمة النقض، فإنه يتعين الحكم بعدم قبول تدخلهم.
وحيث إن المدعي الثاني قد أبدى طلباته الختامية في الدعوى الماثلة في جلسات المرافعة المحددة لنظرها على النحو الثابت بمحاضرها قبل أن يقدم وكيله إعلام الوراثة الذي يثبت وفاته، فإن دعواه تكون قد تهيأت للفصل فيها إعمالاً لحكم المادتين 130، 131 من قانون المرافعات.
وحيث إن إعمالاً لحكم المادة الأولى من القانون رقم 36 لسنة 1975 بإنشاء صندوق للخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية، فقد أصدر وزير العدل قراره رقم 4853 لسنة 1981 بتنظيم صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية متضمناً النص في المادة 13 منه على أن (ينتفع بهذا النظام أعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين وأسرهم من زوج ومن أولاد ووالدين يعولهم.
ويقدم العضو إقراراً يوضح فيه أسماء أفراد أسرته الذين لهم حق الانتفاع بخدمات الصندوق الصحية.
ويقف سريانه بالنسبة إلى العضو السابق أو أحد أفراد أسرته إذا التحق بوظيفة أو مارس إحدى المهن الحرة.
………..).
ثم صدر قرار وزير العدل رقم 1094 لسنة 1989 مستبدلاً بنص الفقرة الثالثة من المادة 13 سالفة الذكر النص الآتي:
“ويقف سريانه بالنسبة إلى العضو السابق أو أحد أفراد أسرته في الحالات الآتية:
( أ ) إذا التحق بعمل داخل البلاد يوفر له نظام خدمات صحية.
(ب) إذا التحق بأي عمل خارج البلاد.
(ج) إذ امتهن مهنة حرة أو تجارية أو غير تجارية في داخل البلاد أو خارجها. ويعود الحق في الانتفاع به اعتباراً من أول الشهر التالي لترك العمل أو المهنة”.
وحيث إن المادة 34 مكرراً (2) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 والمضافة بقراره رقم 440 لسنة 1986 أضحى نصها بعد حكمي المحكمة الدستورية العليا الصادرين في القضية رقم 29 لسنة 15 قضائية “دستورية” والقضية رقم 72 لسنة 20 قضائية “دستورية” كالتالي:
“يوقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا التحق العضو بأن عمل خارج البلاد أو مارس مهنة تجارية في الداخل أو الخارج، ويعود الحق في صرفه في حالة ترك العمل أو المهنة.
ويمتنع صرف المبلغ الشهري الإضافي لمن أنهيت خدمته بحكم جنائي أو تأديبي….”.
كما تنص المادة الخامسة من قرار وزير العدل رقم 1866 لسنة 1987 بصرف مبلغ سنوي مقابل الدواء لأعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين على أن “يشترط لصرف مقابل الدواء – المشار إليه – لأعضاء الهيئات القضائية السابقين – الأحياء – أن يكون العضو مستوفياً لشروط استحقاق المبلغ الشهري الإضافي الصادر بقرار وزير العدل رقم 440 لسنة 1986”.
ثم صدر قرار وزير العدل رقم 1040 لسنة 1989 مستبدلاً بنص المادة الخامسة من قراره رقم 1866 لسنة 1987 المشار إليه النص الآتي:
“يشترط لصرف مقابل الدواء – المشار إليه – لأعضاء الهيئات القضائية السابقين الأحياء أو إعادة صرفه بعد وقفه أن يكون العضو مستوفياً لشروط الانتفاع بنظام الخدمات الصحية الصادر بقرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 المعدل بالقرار الوزاري رقم 7360 لسنة 1987 والقرار الوزاري رقم 1094 لسنة 1989”.
وحيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت هذه المحكمة بحكمها الصادر بجلسة 3 مايو 1997 في القضية رقم 29 لسنة 15 قضائية “دستورية” بعدم دستورية نص المادة 34 مكرراً (2) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 بتنظيم صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية المعدل بالقرار رقم 440 لسنة 1986، وذلك فيما نص عليه من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا مارس العضو مهنة غير تجارية في الداخل. وقد نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 مايو سنة 1997، وكان مقتضى نص المادتين 48، 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو السعي إلى نقضه من خلال إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته، فإنه يتعين الحكم بعدم قبول الدعوى الماثلة في شقها المتعلق بالطعن على النص.
وحيث إن المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن المصلحة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – مناطها ارتباطها بصلة منطقية بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعي – بعد نشر حكم المحكمة الدستورية العليا السالف الإشارة إليه – أضحى يدور حول طلب المدعيين الأول والثاني صرف المبلغ الشهري الإضافي خلال فترة عملهما بالخارج، وكذلك طلب المدعين جميعهم الإفادة من نظام الخدمات الصحية والاجتماعية، وصرف مقابل الدواء، فإن نطاق الطعن الماثل يتحدد بنص المادة 34 مكرراً (2) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 فيما قضى به من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذ التحق العضو بأي عمل خارج البلاد، ونص المادة 13 من ذات القرار قبل تعديلها بالقرار رقم 1094 لسنة 1989 فيما قضى به من وقف الانتفاع بنظام الخدمات الصحية بالنسبة للعضو السابق إذا التحق بوظيفة أو مارس إحدى المهن الحرة، وذات النص بعد تعديله بالقرار الأخير فيما قضى به من وقف سريان النظام بالنسبة للعضو السابق إذا التحق بأي عمل خارج البلاد أو امتهن مهنة حرة في داخل البلاد، وكذلك نص المادة الخامسة من قرار وزير العدل رقم 1866 لسنة 1987 قبل تعديله بالقرار رقم 1040 لسنة 1989 فيما قضى به من أنه يشترط لصرف مقابل الدواء لأعضاء الهيئات القضائية السابقين – الأحياء – أن يكون العضو مستوفياً لشروط استحقاق المبلغ الشهري الإضافي الصادر بقرار وزير العدل رقم 440 لسنة 1986، وذات النص بعد تعديله بالقرار 1040 لسنة 1989 فيما قضى به من أنه يشترط لصرف مقابل الدواء لأعضاء الهيئات القضائية السابقين الأحياء أو إعادة صرفه وقفه أن يكون العضو مستوفياً لشروط الانتفاع بنظام الخدمات الصحية الصادر بقرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981، ففي هذا الإطار وحده يتحدد نطاق الخصومة الدستورية الراهنة ولا يمتد إلى غير ذلك من أحكام حوتها النصوص الطعينة.
وحيث إن المدعيين الأول والثاني ينعيان على نص المادة 34 مكرراً (2) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1891 – محدداً نطاقاً على النحو المتقدم – إهداره لحق العمل بالمخالفة لحكم المادة (13) من الدستور وانطواءه على اعتداء على الملكية الخاصة التي كفل الدستور صونها بنص المادتين 32، 34، فضلاً عن مخالفته لمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (40) من الدستور إذ أنه يمنح المبلغ الشهري الإضافي لبعض أعضاء الهيئات القضائية السابقين الذين يزاولون أعمالاً داخل البلاد في حين حجب صرفه عن زملائهم الذي يلتحقون بأعمال خارج البلاد.
وحيث إن هذا النعي سديد في جوهره، ذلك أن البين – من أحكام الدستور أن حق العمل وفقاً لنص المادة (13) منه، لا يمنح تفضلاً، ولا يتقرر إيثاراً، ولا يجوز إهداره أو تقييده بما يعطل جوهره، بل يعتبر أداؤه واجباً لا ينفصل عن الحق فيه، ومدخلاً إلى حياة لائقة قوامها الاطمئنان إلى غد أفضل، وبها تتكامل الشخصية الإنسانية من خلال إسهامها في تقدم الجماعة وإشباع احتياجاتها بما يصون للقيم الخلقية روافدها. فضلاً عن الصلة الوثيقة بين حق العمل وبين الحرية الشخصية والحق في الإبداع، وجميعها من الحقوق التي حرص الدستور على صونها، وإهدارها أو تقييدها لا يستند إلى مصلحة مشروعة بل يناقضها.
وحيث إن الملكية الخاصة – التي كفل الدستور صونها بنص المادتين 32، 34 – ترتد في عديد من جوانبها ومصادرها؛ وكذلك في الأعم من صورها إلى ضمان حق العمل باعتباره أداة تكوينها ووسيلة تراكمها في الأغلب. وقد جرى قضاء هذه المحكمة، على أن الدستور – إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيداً لإسهامها في صون الأمن الاجتماعي – كفل حمايتها لكل فرد، ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها باعتبارها عائدة – في الأعم من الأحوال – إلى جهد صاحبها بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها وأحاطها الدستور بما قدره ضرورياً لصونها، معبداً بها وكافلاً من خلالها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أهم أدواتها، مهيمناً عليها ليختص صاحبها دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها فلا يرده عنها معتد، بل يقيها الدستور والقانون تعرض الأغيار لها، سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها، بما يُعينها على أداء دورها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة مُطرد على أن المبلغ الشهري الإضافي مكمل للمعاش الأصلي لأعضاء الهيئات القضائية، وأنهما يتضافران معاً في مجال ضمان الحد الأدنى لمتطلباتهم المعيشية. ولا يجوز بالتالي أن يكون الحق في المبلغ الشهري الإضافي حائلاً دون امتهان عضو الهيئة القضائية – بعد تقاعده – أعمالاً يمارسها أو تقلده وظائف لا يكون بها طاقة عاطلة، ولا أن يكون الحق في الحصول على هذا المبلغ معلقاً على شرط الامتناع عن العمل، وهو أحد الحقوق التي كفلها الدستور لكل مواطن.
وحيث إن مبدأ المساواة – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – ليس مبدأ تلقينياً جامداً منافياً للضرورة العملية، ولا هو بقاعدة صماء تنبذ صور التمييز جميعها، ولا كافلاً لتلك الدقة الحسابية التي يقتضيها موازين العدل المطلق بين الأشياء. وإذا جاز للسلطة التشريعية أن تتخذ بنفسها ما تراه ملائماً من التدابير، لتنظيم موضوع محدد وأن تغاير من خلال هذا التنظيم – ووفقاً لمقاييس منطقية – بين مراكز لا تتحد معطياتها أو تتباين في الأسس التي تقوم عليه، إلا أن ما يصون مبدأ المساواة، ولا ينقض محتواه، هو ذلك التنظيم الذي يقيم تقسيماً تشريعياً ترتبط فيه النصوص القانونية التي يضمها بالأغراض المشروعة التي يتوخاها. فإذا قام الدليل على انفصال هذه النصوص عن أهدافها، أو كان اتصال الوسائل بالمقاصد واهياً، كان التمييز انفلاتاً وعسفاً، فلا يكون مشروعاً دستورياً.
وحيث إن القرار المطعون فيه، وإن وَحَّد بين أعضاء الهيئات القضائية في شأن الأسس التي يتم على ضوئها حساب معاشهم التكميلي ممثلاً في المبلغ الشهري الإضافي، إلا أن النص الطعين حجبه عن بعضهم ممن يزاولون عملاً خارج البلاد، حال أن قرناءهم الذين قد يلتحقون بأعمال داخل البلاد، أصبح من حقهم تقاضي هذا المبلغ بعد قضاء هذه المحكمة الصادر في القضية رقم 72 لسنة 20 قضائية “دستورية” بعدم دستورية ذات النص الطعين فيما تضمنه من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا التحق العضو بعمل داخل البلاد يتقاضى عنه دخلاً، ومن ثم فإنه غدا مخالفاً لمبدأ المساواة الذي يكفل المعاملة القانونية المتكافئة لأصحاب المراكز القانونية المتماثلة.
وحيث إنه لما تقدم فإن النص المطعون فيه – فيما قرره من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا التحق العضو بأي عمل خارج البلاد – يكون قد جاء مخالفاً لأحكام المواد 13، 32، 40، 41 من الدستور.
وحيث إن المدعين ينعون كذلك على نصي البندين ب، ج من المادة 13 من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981، فيما تضمناه من وقف انتفاع العضو السابق بالخدمات الصحية إذا التحق بأي عمل خارج البلاد أو امتهن مهنة حرة داخلها، وما اشترطه نص المادة الخامسة من قرار وزير العدل رقم 1866 لسنة 1987 لصرف مقابل الدواء لأعضاء الهيئات القضائية السابقين، من أن يكون العضو مستوفياً لشروط استحقاق المبلغ الشهري الإضافي تارة، أو مستوفياً لشروط الانتفاع بنظام الخدمات الصحية المحددة بنص المادة 13 من لائحة صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية تارة أخرى، أنهما قد خالفا أحكام المواد 13، 32، 34، 40 من الدستور، تأسيساً على أنهما قد حجبا عن بعض أعضاء الهيئات القضائية الحق في الانتفاع بالخدمات الصحية وصرف مقابل الدواء، في حين أن إنفاذها إليهم يعد أمراً لازماً، ذلك أنها لا تعتبر من أعمال التبرع التي يقدمها الصندوق لمستحقيها بل إن المشرع توخى من تقريرها أن تعينهم مع المعاش الأصلي على إشباع الحد الأدنى من احتياجاتهم بثاً للطمأنينة في نفوسهم، فلا يجوز – من زاوية دستورية – حجبها أو وقفها.
وحيث إن هذا النعي مردود بالأسباب التالية:
أولاً: أن الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة، وجوهر هذه السلطة التقديرية يتمثل في المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي يتناوله بالتنظيم، وكان المشرع قد أنشأ صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لرعاية أعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين محدداً نوع هذه الخدمات ونطاق تطبيقها، والحالات التي يوقف سريان أحكامه بالنسبة لأحدهما أو كليهما، فإنه لا تثريب عليه إذا قدر أن النهوض بأعباء الصندوق كي يتواصل عطاؤه يقتضي دوماً إجراء مراجعة دقيقة لنوع تلك الخدمات وتحديد المستفيدين منها ما دام أن ما يسنه من قواعد هدفه كفالة تقديمها وفق أسس موضوعية لأعضاء الهيئات القضائية الحاليين منهم والسابقين.
ثانياً: إن القانون رقم 36 لسنة 1975، وإن أنشأ صندوقاً كافلاً الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية التي عينها، ونص على انصرافها إليهم وإلى أسرهم، إلا أنه خلا من تحديد نوع تلك الخدمات أو مداها، وعهد إلى وزير العدل بتفصيلها وتحديد ضوابطها، مصدراً في شأنها ما يناسبها من القرارات بعد موافقة المجلس الأعلى للهيئات القضائية، على أن يتم ذلك في حدود الموارد المالية للصندوق، بما يعني أن إنفاذ الخدمات الصحية والاجتماعية التي يقدمها، وما يترتب عليها من أعباء يتحملها الصندوق، يرتبط دوماً بموارده، فتزيد حيث تتوفر، وتقل إذا ما ضاقت تلك الموارد عن استيعابها، يؤكد ذلك ما نصت عليه المادة الثانية من اللائحة الصحية والاجتماعية الصادرة بقرار وزير العدل رقم 3 لسنة 1977 من أن يحدد مجلس الإدارة في أول كل سنة مالية نطاق الخدمات الصحية التي يمكن تقديمها خلال السنة وفي حدود الموارد المالية للصندوق.
ثالثاً: أن الهدف من تقرير الرعاية الصحية لأعضاء الهيئات القضائية السابقين وأسرهم هو إعانتهم على مواجهة انتقاص دخولهم بدرجة كبيرة بعد إحالتهم إلى التقاعد، والزيادة المستمرة في أجور العلاج لدى الأطباء والمستشفيات وأسعار الدواء، فإذا زادت موارد العضو المالية نتيجة ممارسته مهنة حرة في داخل البلاد أو التحاقه بأي عمل خارجها بما يعينه على مجابهة تكاليف علاجه حال مرضه، انتفت الحكمة من استمرار تمتعه بالرعاية الصحية التي يكفلها صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية السابقين بحيث تصبح الفئة الأخرى وهي تلك التي لا تزاول أعمالاً داخل البلاد أو خارجها، أو تمارس مهنة حرة تدر عليهم دخلاً، هي الأولى بالرعاية.
رابعاً: لا وجه للربط بين أحقية أعضاء الهيئات القضائية السابقين للمبلغ الشهري الإضافي الذي تقرر بنص المادة 34 مكرراً (1) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 وبين الانتفاع بنظام الخدمات الصحية الذي يكفله صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين وأسرهم، فالمبلغ الشهري الإضافي يُصرف لكل من استحق أو يستحق من أعضاء الهيئات القضائية معاشاً، وهذا المبالغ يعد معاشاً مكملاً للمعاش الأصلي، وأنهما معاً يتضافران في مجال الحد الأدنى لمتطلباتهم المعيشية، في حين أن الانتفاع بنظام الخدمات الصحية يخضع لأحكام المادة 13 من قرار وزير العدل المشار إليه، والتي يتعين النظر إليها في ضوء ما تقضي به المادة الثانية من قرار وزير العدل رقم 3 لسنة 1977 من ربط الانتفاع بالخدمات الصحية بالموارد المالية للصندوق.
خامساً: أن وقف الانتفاع بنظام الخدمات الصحية ليس قاصراً على أعضاء الهيئات القضائية السابقين ممن يلتحقون بأعمال خارج البلاد أو يمتهنون مهنة حرة داخلها، إنما يمتد ليشمل بعض فئات أعضاء الهيئات القضائية الحاليين، إذ تقضي المادة 31 من اللائحة الصحية والاجتماعية الصادرة بقرار وزير العدل رقم 3 لسنة 1977 بأن يقف سريان نظام الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية وأسرهم بالنسبة للعضو المعار أو المتعاقد لدى حكومة أجنبية أو هيئة دولية مدة الإعارة أو التعاقد، أو إذا التحق العضو أو أحد أفراد أسرته بوظيفة أو اشتغل بمهنة تجارية أو غير تجارية مدة قيامه بذلك، كما أن المادة الرابعة من قرار وزير العدل رقم 1866 لسنة 1987 حظرت صرف مقابل الدواء للمعارين والمنتدبين طول الوقت بمقابل والحاصلين على أجازات دراسية أو أجازات بدون مرتب أو لمرافقة الزوج وذلك طوال مدة الإعارة أو الندب أو الأجازة، ومن ثم يجد وقف الانتفاع بالخدمات الصحية وصرف مقابل الدواء سنده في الحالين في أن الأعضاء الحاليين والسابقين الذين تتهيأ لهم فرصة تحسين موادهم المالية، يصبحون في وضع يمكنهم من مجابهة أعباء الحياة وتكاليف العلاج، ومن ثم كان منطقياً قصر الانتفاع بالخدمات الصحية وصرف مقابل الدواء على من لا يمارسون أي عمل أو مهنة داخل البلاد أو خارجها، معتمدين في تصريف شئون حياتهم على ما يتقاضونه من مرتب أو معاش.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة 34 مكرراً (2) من قرار وزير العدل رقم 4853 لسنة 1981 بتنظيم صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية المعدل بالقرار رقم 440 لسنة 1986، وذلك فيما تضمنه من وقف صرف المبلغ الشهري الإضافي إذا التحق العضو بأي عمل خارج البلاد، ورفض ما عدا ذلك من طلبات، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.