الخط الساخن : 01118881009

جلسة 1 يناير سنة 2000

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

قاعدة رقم (54)
القضية رقم 106 لسنة 19 قضائية “دستورية”

1 – دعوى دستورية “قاعدة قانونية ملغاة: المصلحة الشخصية المباشرة”.
جواز الطعن على قاعدة قانونية ملغاة من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة.
2 – تنظيم الحقوق “سلطة المشرع”.
السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق حدها قواعد الدستور.
3 – دستور – حق التقاضي.
دلالة الدستور بما نص عليه في المادة 68 من الدستور على أن حق التقاضي هو حق للناس كافة تتكافأ فيه مراكزهم القانونية – عدم جواز إرهاقه بعوائق منافية لطبيعته أو قصر مباشرته على فئة دون أخرى أو إجازته في حالة بذاتها دون سواها.
4 – خصومة قضائية “درجتي التقاضي”.
التقاضي متى تقرر على درجتين فإن الخصومة القضائية لا تبلغ خاتمتها الطبيعية إلا عند الفصل نهائياً في النزاع طبقاً لحكم الاستئناف.
5 – تشريع “الفقرة الأخيرة من المادة 3 من القانون رقم 90 لسنة 1944 بالرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995: ازدواج الرسم”.
تسوية رسم الاستئناف في حالة تأييد الحكم الابتدائي باعتبار أن الحكم الصادر بالتأييد حكم جديد بالحق الذي رفع عنه الاستئناف مؤداه ازدواج الرسم المستحق عن الحق الواحد عبر مرحلتي التقاضي.
6 – مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون “قواعد موحدة”.
مؤدى مساواة المواطنين أمام القضاء أن الحقوق عينها ينبغي أن تنتظمها قواعد موحدة سواء في مجال التداعي بشأنها أو الدفاع عنها أو استئدائها.
7 – حق الملكية الخاصة “نطاق الحماية المقررة لها”.
امتداد الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة إلى كل حق ذي قيمة مالية – اتساع هذه الحماية للأموال بوجه عام.
8 – دستور “عدل اجتماعي – أعباء مالية”.
ما نصت عليه المادة 38 من الدستور من قيام النظام الضريبي على أساس من العدل محدداً من منظور اجتماعي لا يقتصر على شكل دون آخر من الأعباء المالية التي تفرضها الدولة وفقاً لنص المادة 119 من الدستور.
1 – إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها لا يحول دون الطعن عليها من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة، ذلك أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التي تتم خلال الفترة من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها، فإذا استعيض عنها بقاعدة قانونية جديدة، سرت القاعدة الجديدة من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من القاعدتين، فما نشأ في طل القاعدة القانونية القديمة من المراكز القانونية، وجرت آثارها خلال فترة نفاذها، يظل محكوماً بها وحدها.
2 – من المقرر أن السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، حدها قواعد الدستور التي تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز اقتحامها، بما ينال من الحق محل الحماية أو يؤثر في محتواه، ذلك أن لكل حق دائرة يعمل فيها ولا يتنفس إلا من خلالها، فلا يجوز تنظيمه إلا فيما وراء حدودها الخارجية، فإذا اقتحمها المشرع، كان ذلك أدخل إلى مصادرة الحق أو تقييده.
3 – الدستور بما نص عليه في المادة 68 من أن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي قد دل – طبقاً لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعاً عن مصالحهم الذاتية، وقد حرص الدستور على ضمان إعمال هذا الحق في محتواه المقرر دستورياً بما لا يجوز معه قصر مباشرته على فئة دون أخرى أو إجازته في حالة بذاتها دون سواها، أو إرهاقه بعوائق منافية لطبيعته، كذلك لا يجوز أن يكون النفاذ إلى القضاء محملاً بأعباء مالية أو إجرائية تقيد أو تعطل أصل الحق فيه، ولا أن يكون منظماً بنصوص قانونية ترهق الطريق إليه، وتعجل من التداعي مخاطرة لا تؤمن عواقبها، مقترناً بتكلفة تفتقر إلى سببها، نائياً عما يعتبر إنصافاً في مجال إيصال الحقوق إلى أصاحبها، ومفتقراً إلى الضوابط المنطقية التي يُحاط اقتضاء الحق بها.
4 – إن التقاضي متى تقرر على درجتين فإن مصير الحقوق المدعى بها يظل متردداً بين ثبوتها وانتفائها، ولا يكون مسار الخصومة القضائية مكتملاً ولا محدداً لمراكز أطرافها، ولا مبيناً من يكون منهم ملزماً بمصروفاتها، إلا بصدور الحكم المنهي للخصومة من محكمة الدرجة الثانية؛ ومن ثم فإن خصومة الاستئناف هي بحسب الأصل امتداد لخصومة أول درجة عن ذات الحق المتداعي في شأنه، بما مؤداه أن الخصومة القضائية لا تبلغ خاتمتها الطبيعية إلا عند الفصل نهائياً في الحقوق المتنازع عليها طبقاً لما قضى به الحكم في الاستئناف.
5 – النص الطعين فيما قرره من إعادة تسوية الرسم على الحق محل المنازعة أمام محكمة أول درجة إذا تأيد الحكم الصادر منها استئنافياً، قد انبنى – على خلاف الواقع والأصول القانونية الصحيحة – على افتراض أن الحكم الاستئنافي الصادر بتأييد حكم الدرجة الأولى كأنه حكم جديد بالحق الذي رُفع عنه الاستئناف، مستهدفاً بذلك ازدواج الرسم المستحق في هذه الحالة، ليتكرر بذلك أداؤه عبر مرحلتي التقاضي؛ وهذا الازدواج إنما يجعل صاحب الحق متردداً في ولوج طريق الاستئناف خشية أن تستغرق نفقاته أصل الحق كله أو جله فيتحمل إذا قُضي برفضه، بذات الرسوم السابق له أداؤها أمام محكمة أول درجة فإن النص المطعون فيه يكون – بذلك – مخالفاً لنص المادة 68 من الدستور.
6 – مساواة المواطنين أمام القانون – ويندرج تحتها تساويهم أمام القضاء – مؤداها أن الحقوق عينها ينبغي أن تنتظمها قواعد موحدة، سواء في مجال التداعي بشأنها، أو الدفاع عنها أو استئدائها؛ وكلما كان التمييز في مجال طلبها من خلال الخصومة القضائية، أو اقتضائها بعد الفصل فيها غير مبرر كان هذا التمييز منهياً عنه دستورياً.
7 – الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذي قيمة مالية، سواء كان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الفنية أو الأدبية أو الصناعية، وهو ما يعني اتساعها للأموال بوجه عام.
8 – ما تنص عليه المادة 38 من الدستور من قيام النظام الضريبي على أساس من العدل محدداً من منظور اجتماعي، لا يقتصر على شكل دون آخر من الأعباء المالية التي تفرضها الدولة على مواطنيها وفقاً لنص المادة 119 من الدستور، بل يجب أن تكون ضرائبها ورسومها سواء في تقيُّدها بمفهوم العدل محدداً على ضوء القيم التي ارتضتها الجماعة وفق ما تراه حقاً وإنصافاً.


الإجراءات

بتاريخ الأول من يونيو سنة 1997، أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبة الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة 3 من القانون رقم 90 لسنة 1944 بالرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية، قبل تعديله بالقانون رقم 7 لسنة 1995.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن شركة الحلواني للإسكان والمقاولات كانت قد أقامت ضد المدعية وآخرين الدعوى رقم 3737 لسنة 1992 أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية بطلب الحكم بصحة ونفاذ عقد البيع الابتدائي المؤرخ 29/ 3/ 1990 المتضمن بيع كامل أرض وبناء العقار المبين الحدود والمعالم بصحيفة الدعوى، وتسليم العقار المبيع لها، وبتعويض مؤقت مقداره ألف جنيه، وادعت المدعية فرعياً بطلب الحكم بفسخ العقد المذكور، وإذ قضت تلك المحكمة بجلسة 28/ 5/ 1992 – في الدعوى الأصلية – بصحة ونفاذ عقد البيع المشار إليه وبرفض طلب التعويض المؤقت؛ وفي الدعوى الفرعية برفضها؛ فقد طعنت المدعية على هذا الحكم – بالاستئنافيين رقمي 9113، 9134 لسنة 109 قضائية أمام محكمة استئناف القاهرة بطلب بطلان الحكم المستأنف، كما طعن عليه البائعون بالاستئناف رقم 8874 لسنة 109 قضائية بطلب إلغائه والحكم بفسخ عقد البيع محل التداعي. كذلك أقامت الشركة المشترية الاستئناف رقم 7282 لسنة 109 ق أمام ذات المحكمة التي قضت بجلسة 18/ 8/ 1994 بعد ضم الاستئنافات الثلاثة الأول إلى الاستئناف الأخير – بتعديل الحكم المستأنف فيما قضى به من رفض طلب التعويض، وإلزام المدعية وشركائها متضامنين بدفع مبلغ ألف جنيه تعويضاً مؤقتاً للشركة المشترية، وبتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من صحة ونفاذ عقد البيع، وفي الاستئنافات الثلاثة الأول برفضها موضوعاً. واستناداً لذلك الحكم صدر أمر رئيس محكمة استئناف القاهرة – إعمالاً لنص الفقرة الأخيرة من المادة 3 من قانون الرسوم القضائية قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995 – بتقدير الرسوم القضائية المستحقة على المدعية فعارضت فيه؛ وأثناء نظر المعارضة دفعت بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (3) من القانون سالف الذكر، وبعد تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع، صرحت لها بإقامة دعواها الدستورية، فأقامت الدعوى الماثلة.
وحيث إن قانون الرسوم القضائية – قبل تعديله بالقانون رقم 7 لسنة 1995 – بعد أن فرض رسماً نسبياً في الدعاوى معلومة القيمة حسب الفئات التي حددها؛ ورسماً ثابتاً في الدعاوى مجهولة القيمة؛ نص في المادة 3 – المطعون على فقرتها الأخيرة – على أن:
يفرض على استئناف الأحكام الصادرة في الدعاوى معلومة القيمة رسم نسبي على أساس الفئات المبينة في المادة الأولى، ويراعى في تقدير الرسم القيمة المرفوع بها الاستئناف.
ويفرض في الدعاوى المستأنفة مجهولة القيمة رسم ثابت…..
ويسوى رسم الاستئناف في حالة تأييد الحكم الابتدائي باعتبار أن الحكم الصادر بالتأييد حكم جديد بالحق الذي رفع عنه الاستئناف”.
كما قضى في المادة 9 بألا تحصل الرسوم النسبية على أكثر من ألف جنيه، فإذا حُكِمَ في الدعوى بأكثر من ذلك سوى الرسم على أساس ما حكم به وفي المادة 21 بأنه في الدعاوى التي تزيد قيمتها على ألف جنيه يسوى الرسم على أساس هذا المبلغ في حالة إلغاء الحكم أو تعديله، ما لم يكن قد حُكِمَ بأكثر منه فيسوى الرسم على أساس ما حُكِم به.
وإذ تبين للمشرع بحسب ما كشفت عنه الأعمال التحضيرية للقانون رقم 7 لسنة 1995 أن نص الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة – محل الطعن الماثل – ينطوي على ازدواجية في الرسم عن الحق الواحد، تجافي المنطق وتتأبى على العدالة فقد أبدله بالنص الآتي:
“ويسوى رسم الاستئناف في حالة تأييد الحكم المستأنف باعتبار أن الحكم الصادر بالتأييد حكم مكمل للحكم المستأنف، ويستحق عنهما رسم نسبي واحد”.
وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها لا يحول دون الطعن عليها من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة، ذلك أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التي تتم خلال الفترة من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها، فإذا استعيض عنها بقاعدة قانونية جديدة، سرت القاعدة الجديدة من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من القاعدتين، فما نشأ في ظل القاعدة القانونية القديمة من المراكز القانونية، وجرت آثارها خلال فترة نفاذها، يظل محكوماً بها وحدها.
وحيث إن مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط قبول الدعوى الدستورية – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المطاعن الدستورية لازماً للفصل في النزاع الموضوعي، وكان نص الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من قانون الرسوم القضائية – قبل تعديله بالقانون رقم 7 لسنة 1995 – قد طبق خلال فترة نفاذه على المدعية، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليها، تمثلت فيما استحق عليها – وفقاً له – من الرسوم القضائية، محل المنازعة الموضوعية، فإن مصلحة المدعية في الدعوى الراهنة – وبقدر اتصالها بالطعن على نص هذه الفقرة – تكون قائمة. ولا يدحض ذلك دفع هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة استناداً إلى أن النص المستحدث لتلك الفقرة قد أدرك قائمة الرسوم المعارض فيها قبل أن تغدو نهائية، مستحقاً أداؤها، فيلزم – من ثم تطبيقه – دون النص الطعين – على الرسوم القضائية المتنازع فيها؛ ذلك أن حكم محكمة استئناف القاهرة الذي قُدِّرت الرسوم – محل التداعي – إعمالاً له، وبحسبانه الواقعة المرتبة لدينها في ذمة المدعية، قد صدر بتاريخ 18/ 8/ 1994، قبل نفاذ القانون رقم 7 لسنة 1995، والذي عمل به – وفقاً لنص المادة الثالثة منه – اعتباراً من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 7/ 3/ 1995، فلا يسري بالتالي على الرسوم محل المطالبة، ومن ثم فإن هذا الدفع يكون غير قائم على أساس سليم متعيناً رفضه.
وحيث إن المدعية تنعى على نص الفقرة الأخيرة من المادة 3 من قانون الرسوم القضائية – قبل تعديله بالقانون رق 7 لسنة 1995 – إخلاله بحق التقاضي وإرهاقه بقيود لا يقتضيها تنظيمه، وذلك تأسيساً على أن النص الطعين ألزم المستأنف، إذا قُضي بتأييد الحكم المستأنف، بأن يؤدي لمرة ثانية، ما سبق سداده من رسوم قضائية – أمام محكمة أول درجة – عن ذات الخصومة القضائية، وليس لهذا الازدواج في الرسم عن الدعوى الواحدة من مسوغ سوى تقييد الحق في الاستئناف، والانتقاص من حق التقاضي المكفول للناس كافة بمقتضى المادة 68 من الدستور، وفضلاً عن ذلك فإن النص الطعين يقيم تمييزاً بين الخاضعين له وغيرهم من المتقاضين مخالفاً بذلك نص المدة 40 من الدستور.
وحيث إن البين من النصوص المتقدمة أن الرسم النسبي يقدر عند رفع الدعوى على قيمة الحق محل التداعي، ولا يحصل من هذا الرسم مقدماً إلا ما هو مستحق على الألف جنيه الأولى، على أن يعاد تسويته بعد الحكم في الدعوى، على أساس ما يُقضى به زائداً على المبلغ المشار إليه، إلا أن النص الطعين اعتبر الحكم الصادر في الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف بمثابة حكم جديد بالحق الذي رُفع عنه الاستئناف. ومؤدى ذلك، أن المشرع يفرض – بهذا النص – الرسم لمرة ثانية عن الحق الواحد – محل الخصومة القضائية – إذا ما تأيد الحكم الابتدائي الصادر بشأنه استئنافياً.
وحيث إنه من المقرر أن السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، حدها قواعد الدستور التي تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز اقتحامها، بما ينال من الحق محل الحماية أو يؤثر في محتواه، ذلك أن لكل حق دائرة يعمل فيها ولا يتنفس إلا من خلالها، فلا يجوز تنظيمه إلا فيما وراء حدودها الخارجية، فإذا اقتحمها المشرع، كان ذلك أدخل إلى مصادرة الحق أو تقييده.
وحيث إن الدستور بما نص عليه في المادة 68 من أن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي قد دل – طبقاً لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعاً عن مصالحهم الذاتية، وقد حرص الدستور على ضمان إعمال هذا الحق في محتواه المقرر دستورياً بما لا يجوز معه قصر مباشرته على فئة دون أخرى أو إجازته في حالة بذاتها دون سواها، أو إرهاقه بعوائق منافية لطبيعته، كذلك لا يجوز أن يكون النفاذ إلى القضاء محملاً بأعباء مالية أو إجرائية تقيد أو تعطل أصل الحق فيه، ولا أن يكون منظماً بنصوص قانونية ترهق الطريق إليه، وتجعل من التداعي مخاطرة لا تؤمن عواقبها، مقترناً بتكلفة تفتقر إلى سببها، نائياً عما يعتبر إنصافاً في مجال إيصال الحقوق إلى صاحبها، ومفتقراً إلى الضوابط المنطقية التي يُحاط اقتضاء الحق بها.
وحيث إن التقاضي متى تقرر على درجتين فإن مصير الحقوق المدعى بها يظل متردداً بين ثبوتها وانتفائها، ولا يكون مسار الخصومة القضائية مكتملاً ولا محدداً لمراكز أطرافها، ولا مبيناً من يكون منهم ملزماً بمصروفاتها، إلا بصدور الحكم المنهي للخصومة من محكمة الدرجة الثانية؛ ومن ثم فإن خصومة الاستئناف هي بحسب الأصل امتداد لخصومة أول درجة عن ذات الحق المتداعي في شأنه، بما مؤداه أن الخصومة القضائية لا تبلغ خاتمتها الطبيعية إلا عند الفصل نهائياً في الحقوق المتنازع عليها طبقاً لما قضي به الحكم في الاستئناف.
وحيث إنه إذا كان ذلك، وكان النص الطعين فيما قرره من إعادة تسوية الرسم على الحق محل المنازعة أمام محكمة أول درجة إذا تأيد الحكم الصادر منها استئنافياً، قد انبنى – على خلاف الواقع والأصول القانونية الصحيحة – على افتراض أن الحكم الاستئنافي الصادر بتأييد حكم الدرجة الأولى كأنه حكم جديد بالحق الذي رُفع عنه الاستئناف، مستهدفاً بذلك ازدواج الرسم المستحق في هذه الحالة، ليتكرر بذلك أداؤه عبر مرحلتي التقاضي؛ وهذا الازدواج إنما يجعل صاحب الحق متردداً في ولوج طريق الاستئناف خشية أن تستغرق نفقاته أصل الحق كله أو جله فيتحمل إذا قُضي برفضه، بذات الرسوم السابق له أداؤها أمام محكمة أول درجة فإن النص المطعون فيه يكون – بذلك – مخالفاً لنص المادة 68 من الدستور.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مساواة المواطنين أمام القانون – ويندرج تحتها تساويهم أمام القضاء – مؤداها أن الحقوق عينها ينبغي أن تنتظمها قواعد موحدة، سواء في مجال التداعي بشأنها، أو الدفاع عنها أو استئدائها؛ وكلما كان التمييز في مجال طلبها من خلال الخصومة القضائية، أو اقتضائها بعد الفصل فيها غير مبرر كان هذا التمييز منهياً عنه دستورياً. متى كان ذلك، وكان النص الطعين إذا غاير في قواعد حساب الرسوم القضائية في أحوال الاستئناف، بين حالة تأييد الحكم المستأنف، وغيرها من أحوال إلغائه أو تعديله، بأن اقتصر حكمه – فيما انطوى عليه من عبء مالي مترتب على اعتبار حكم الاستئناف بمثابة حكم جديد بالحق الذي رُفع عنه الاستئناف – على الحالة الأولى دون سواها؛ فإنه يكون قد أقام تمييزاً – دون مبرر مقبول – بين المعاملين به – وأقرانهم في أحوال الاستئناف الأخرى من الملتزمين بأداء هذه الرسوم، بالمخالفة لأحكام المادة 40 من الدستور.
وحيث إن الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذي قيمة مالية، سواء كان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الفنية أو الأدبية أو الصناعية، وهو ما يعني اتساعها للأموال بوجه عام. وكان النص الطعين بما فرضه من عبء مالي على من يلج طريق الاستئناف ينتقص – بغير مقتض – من ذمته المالية بعض عناصرها الإيجابية، ويزيد من أعباء جانبها السلبي، فإنه ينحل عدواناً على الملكية الخاصة، بالمخالفة للمادتين 32، 34 من الدستور.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن ما تنص عليه المادة 38 من الدستور من قيام النظام الضريبي على أساس من العدل محدداً من منظور اجتماعي، لا يقتصر على شكل دون آخر من الأعباء المالية التي تفرضها الدولة على مواطنيها وفقاً لنص المادة 119 من الدستور، بل يجب أن تكون ضرائبها ورسومها سواء في تقيُّدها بمفهوم العدل محدداً على ضوء القيم التي ارتضتها الجماعة وفق ما تراه حقاً وإنصافاً. وكان من شأن النص الطعين – على ما تقدم – ازدواج الرسم عن الوعاء الواحد بما مؤداه تحميل المستأنف – في الحالة التي عناها – برسوم تفتقد بنيانها الصحيح، مُنزلاً به جزاءً مدنياً باهظاً لمجرد استعماله لحق قد كلفه الدستور، مثرياً الخزانة العامة على حسابه بلا سبب؛ خروجاً منه – وعلى ما تضمنه تقرير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب عن الاقتراح بالمشروع المقدم بتعديله – على حكم المنطق والعدالة؛ فإن ما فرضه النص المطعون فيه من عبء مالي لا يستقيم ومفهوم العدل في مجال تطبيق المادة 38 من الدستور.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، فإن النص الطعين يكون مخالفاً لأحكام المواد 32، 34، 38، 40، 68 من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة 3 من القانون رقم 90 لسنة 1944 بالرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية – قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995 – فيما نصت عليه من “ويسوى رسم الاستئناف في حالة تأييد الحكم الابتدائي باعتبار أن الحكم الصادر بالتأييد حكم جديد بالحق الذي رفع عنه الاستئناف”، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.