الخط الساخن : 01118881009

جلسة 6 نوفمبر سنة 1999

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (48)
القضية رقم 84 لسنة 19 قضائية “دستورية”

1 – دعوى دستورية “المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها”.
مناط هذه المصلحة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – ارتباطها عقلاً بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي – وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها.
2 – خصومة الرد “استقلال”.
لا شأن لخصومة الرد بنطاق الخصومة الأصلية المرددة بين أطرافها ولا بالحقوق التي يطلبونها فيها ولا بإثباتها أو نفيها.
3 – تحكيم “اتفاق – قضاء”.
التحكيم أصلاً مصدره الاتفاق وإليه ترتد السلطة الكاملة التي يباشرها المحكمون عند البت في الحقوق المتنازع عليها – التحكيم نظام بديل عن القضاء فلا يجتمعان.
4 – دستور “المادة 67” – ضمانات التقاضي.
امتداد ضمانة الفصل إنصافاً في المنازعات على اختلافها وفق هذه المادة إلى كل خصومة قضائية – حسم هذه المنازعات يتعين إسناده إلى جهة قضاء أو هيئة قضائية كفل القانون لها استقلالها وحيدتها وأحاط الحكم الصادر فيها بضمانات التقاضي.
5 – حق الرد – حق التقاضي.
الحق في رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد وثيق الصلة بحق التقاضي المقرر في الدستور.
6 – دستور – حق الدفاع “سيادة القانون”.
ضمان الدستور لحق الدفاع هو أحد الأركان الجوهرية لسيادة القانون – ضرورة تكافؤ فرص الخصومة في مجال إثبات حقوقهم أو نفيها.
7 – سلطة قضائية “استقلال وحيدة”.
تعادل ضمانتي استقلال السلطة القضائية وحيدتها في مجال اتصالها بالفصل في الحقوق انتصافاً لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها – تضامم وتكامل هاتين الضمانتين.
8 – مبدأ خضوع الدولة للقانون “مؤداه”.
مؤدى هذا المبدأ على ضوء مفهوم ديمقراطي ألا تخل التشريعات بالحقوق والضمانات التي يعتبر التسليم بها في الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية.
9 – تشريع “البند (1) من المادة 19 من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية الصادرة بالقانون رقم 27 لسنة 1994: حيدة”.
ما نص عليه هذا البند من فصل هيئة التحكيم في طلب ردها يناقض ضمانة الحيدة التي يقتضيها العمل القضائي وينقض مبدأ خضوع الدولة للقانون – ضرورة تدخل السلطة التشريعية لإقرار نص بديل يتلاقى هذا العوار الدستوري.
1 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها ارتباطها عقلاً بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية التي تُدعى هذه المحكمة لحسمها، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها.
2 – من المقرر أن خصومة الرد تثير ادعاء فرعياً عند نظر الخصومة الأصلية مداره أن قاضيها أو بعض قضاتها الذين يتولون الفصل فيها، قد زايلتهم الحيدة التي يقتضيها العمل القضائي، ومن ثم كان لخصومة الرد خطرها ودقتها سواء بالنظر إلى موضوعها أو الآثار التي ينجم عنها، ولا شأن لها بالتالي بنطاق الخصومة الأصلية المرددة بين أطرافها، ولا بالحقوق التي يطلبونها فيها، ولا بإثباتها أو نفيها، بل تستقل تماماً عن موضوعها، فلا يكون لها من صلة بما هو مطروح فيها، ولا بشق من جوانبها، ولا بالمسائل المتفرعة عنها أو العارضة عليها، بل تعتصم خصومة الرد بذاتيتها، لتكون لها مقوماتها الخاصة بها، بما مؤداه استقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية في موضوعها، وإن ظل للحكم الصادر في أولادهما أثره وانعكاسه على ثانيتهما ولو بعد الفصل فيها بحكم نهائي.
3 – الأصل في التحكيم – على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – هو عرض نزاع معين بين طرفين على مُحَكَم من الأغيار يُعيَّن باختيارهما أو بتفويض منهما أو على ضوء شروط يحددانها، ليفصل هذا المحكم في ذلك النزاع بقرار يكون نائياً عن شبهة الممالأة، مجرداً من التحامل، وقاطعاً لدابر الخصومة في جوانبها التي أحالها الطرفان إليه، بعد أن يدلي كل منهما بوجهة نظره تفصيلياً من خلال ضمانات التقاضي الرئيسية. ولا يجوز بحال أن يكون التحكيم إجبارياً يذعن إليه أحد الطرفين إنفاذاً لقاعدة قانونية آمرة لا يجوز الاتفاق على خلافها، وذلك سواء كان موضوع التحكيم نزاعاً قائما أو محتملاً، ذلك أن التحكيم مصدره الاتفاق، إذ يحدد طرفاه – وفقاً لأحكامه – نطاق الحقوق المتنازع عليها بينهما، أو المسائل الخلافية التي يمكن أن تَعْرِض لهما، وإليه ترتد السلطة الكاملة التي يباشرها المحكمون عند البت فيها. وهما يستمدان من اتفاقهما على التحكيم، التزامهما بالنزول على القرار الصادر فيه، وتنفيذه تنفيذاً كاملاً وفقاً لفحواه، ليؤول التحكيم إلى وسيلة فنية لها طبيعة قضائية غايتها الفصل في نزاع مبناه علاقة محل اهتمام من أطرافها وركيزته اتفاق خاص يستمد المحكمون منه سلطانهم، ولا يتولون مهامهم بالتالي بإسناد من الدولة، وبهذه المثابة فإن التحكيم يعتبر نظاماً بديلاً عن القضاء، فلا يجتمعان، ذلك أن مقتضاه عزل المحاكم جميعها عن نظر المسائل التي انصب عليها استثناء من أصل خضوعها لولايتها.
4 – ضمانة الفصل إنصافاً في المنازعات على اختلافها وفق نص المادة 67 من الدستور، تمتد بالضرورة إلى كل خصومة قضائية، أياً كانت طبيعة موضوعها جنائياً كان أو مدنياً أو تأديبياً إذ أن التحقيق في هذه الخصومات وحسمها إنما يتعين إسناده إلى جهة قضاء أو هيئة قضائية منحها القانون اختصاص الفصل فيها بعد أن كفل استقلالها وحيدتها وأحاط الحكم الصادر فيها بضمانات التقاضي التي يندرج تحتها حق كل خصم في عرض دعواه وطرح أدلتها، والرد على ما يعارضها على ضوء فرص تكافؤ أطرافها، ليكون تشكيلها وقواعد تنظيمها وطبيعة النظم المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، محدداً للعدالة مفهوماً تقدمياً يلتئم مع المقاييس المعاصرة للدولة المتحضرة.
5 – الحق في رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد وثيق الصلة بحق التقاضي المنصوص عليه في المادة 68 من الدستور، ذلك أن مؤداه أن لكل خصومة – في نهاية مطافها – حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التي يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها. وتفترض هذه الترضية أن يكون مضمونها موافقاً لأحكام الدستور، وهي لا تكون كذلك إذا كان تقريرها عائداً إلى جهة أو هيئة تفتقر إلى استقلالها أو حيدتها أو هما معاً، ذلك أن هاتين الضمانتين – وقد فرضهما الدستور على ما تقدم – تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعي للخصومة القضائية على خلافهما.
6 – إن ضمان الدستور – بنص مادته التاسعة والستين – لحق الدفاع، قد تقرر باعتباره أحد الأركان الجوهرية لسيادة القانون، كافلاً للخصومة القضائية عدالتها، وبما يصون قيمها، ويندرج تحتها ألا يكون الفصل فيها بعيداً عن أدلتها، أو نابذاً الحق في إجهاضها من خلال مقابلتها بما يهدمها من الأوراق وأقوال الشهود؛ فلا يكون بنيان الخصومة متحيفاً حقوق أحد من الخصوم؛ بل مكافئاً بين فرصهم في مجال إثباتها أو نفيها؛ استظهاراً لحقائقها، واتصالاً بكل عناصرها.
7 – استقلال السلطة القضائية وحيدتها ضمانتان تنصبان معاً على إدارة العدالة بما يكفل فعاليتها، وهما بذلك متلازمتان. وإذا جاز القول – وهو صحيح – بأن الخصومة القضائية لا يستقيم الفصل فيها حقاً وعدلاً إذا خالطتها عوامل تؤثر في موضوعية القرار الصادر بشأنها، فقد صار أمراً مقضياً أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها في مجال اتصالها بالفصل في الحقوق انتصافاً لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها، فلا تعلو إحداهما على الأخرى أو تجبها بل تتضاممان تكاملاً وتتكافآن قدراً.
8، 9 – مبدأ خضوع الدولة للقانون – محدداً على ضوء مفهوم ديمقراطي – مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق والضمانات التي يعتبر التسليم بها في الدول الديمقراطية، مقترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وكان لا يجوز أن يكون العمل القضائي موطئاً لشبهة تداخل تجرده وتثير ظلالاً قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه متقاضون استرابوا فيه بعد أن صار نائياً عن القيم الرفيعة للوظيفة القضائية، وكان النص الطعين قد خول هيئة التحكيم الفصل في طلب ردها لتقول كلمتها في شأن يتعلق بذاتها وينصب على حيادها، وكن ذلك مما ينافي قيم العدل ومبادئه وينقض مبدأ خضوع الدولة للقانون وينتهك ضمانة الحيدة التي يقتضيها العمل القضائي بالنسبة إلى فريق من المتقاضين، بينما هي مكفولة لغيرهم، فإنه بذلك يكون قد خالف أحكام المواد 40، 65، 67، 68، 69 من الدستور.
إن إبطال هذه المحكمة للنص الطعين، يقتضي تدخل السلطة التشريعية لإقرار نص بديل يتلافى العوار الدستوري السابق بيانه، إعمالاً للحجية المطلقة التي أسبغها قانون المحكمة الدستورية العليا على أحكامها في المسائل الدستورية والتي لازمها نزول الدولة بكامل سلطاتها عليها لتعمل بوسائلها وأدواتها – ومن خلال سلطة التشريع أصلياً أو فرعياً، كلما كان ذلك ضرورياً – على تطبيقها.


الإجراءات

بتاريخ السادس من مايو سنة 1997، أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبة الحكم بعدم دستورية نص البند (1) من المادة 19 من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى، كما قدم المدعى عليه الرابع مذكرة طلب فيها أصلياً الحكم بعدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن شركة ستاركو للفنادق والسياحة التي تمثلها المدعية كانت قد أبرمت اتفاق استثمار مع المدعى عليه الرابع نص فيه على شرط التحكيم في المنازعات التي تثور بشأن تنفيذه ويتعذر تسويتها ودياً، وإذ نشب نزاع بين الطرفين حول تنفيذ ذلك الاتفاق، فقد تقدم المدعى عليه الرابع بطلب تحكيم إلى مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي قيد برقم 43 لسنة 1993، وأثناء نظره طلبت المدعية رد هيئة التحكيم على سند من أنها قد مالت بإجراءاتها عن حيادها، إلا أن تلك الهيئة قضت بتاريخ 10/ 11/ 1995 برفض طلب الرد تأسيساً على انتفاء أسبابه، فطعنت المدعية على هذا القضاء بالاستئناف رقم 20932 لسنة 112 قضائية أمام محكمة استئناف القاهرة طالبة إلغاءه والقضاء برد هيئة التحكيم، وأثناء نظر الطعن دفعت بعدم دستورية البند (1) من المادة 19 من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994 لتخويلها هيئة التحكم الفصل في طلب ردها، وبعد أن قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع وصرحت للمدعية برفع الدعوى الدستورية، فقد أقامت الدعوى الماثلة.
وحيث إن المدعى عليه الرابع دفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة وذلك من وجهين:
أولهما: أن إبطال النص المطعون فيه لن يحقق للمدعية أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزها القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه عند رفعها، وذلك باعتبار أن دور المحكمة الاستئنافية يقتصر على التحقق من توافر أو عدم توافر أسباب الرد أياً كان القانون الذي تطبقه، فضلاً عن أن من شأن القضاء بعدم الدستورية انعدام السند القانوني للمدعية في طلب الرد. ونشوء فراغ تشريعي يحول بين محكمة الموضوع ومضيها في نظر الطعن المقام منها.
ثانيهما: أنه وقد صدر حكم هيئة التحكيم في النزاع الموضوعي بتاريخ 15/ 11/ 1995، وهو حكم نهائي غير قابل للطعن، فإنه لم يعد ثمة نزاع قائم ومطروح أمام محكمة الموضوع يمكن إنزال قضاء المحكمة الدستورية العليا عليه.
وحيث إن هذا الدفع بوجهيه مردود، بأن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها ارتباطها عقلاً بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية التي تُدعى هذه المحكمة لحسمها، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وإذ كان النزاع الذي أثير بمناسبته الدفع بعدم دستورية البند (1) من المادة 19 المطعون فيه – والمطروح على محكمة الاستئناف – يدور في إطار خصومة الرد ويتعلق بضمانة الحيدة التي يقتضيها العمل القضائي للفصل فيها، ويتغيا التوصل إلى حكم يقضي بإلغاء قضاء هيئة التحكيم برفض طلب الرد المقدم من المدعية، وكانت هذه الغاية تتحقق للمدعية – كأثر للحكم بعدم الدستورية – إذا ما أبطل النص الطعين، فيما يخوله لهيئة التحكيم من ولاية الفصل في طلب الرد، إذ يغدو حكمها برفض طلب الرد كأن لم يكن؛ فإن الفصل في الخصومة الدستورية الماثلة يكون مرتبطاً بالخصومة المطروحة على المحكمة الاستئنافية ومؤثراً فيها، بما يقيم للمدعية مصلحتها في الطعن الماثل.
وحيث إنه لا يغير مما تقدم، مضي هيئة التحكيم في نظر النزاع الأصلي وصدور حكمها النهائي فيه، ذلك أنه من المقرر أن خصومة الرد تثير ادعاء فرعياً عند نظر الخصومة الأصلية مداره أن قاضيها أو بعض قضاتها الذين يتولون الفصل فيها، قد زايلتهم الحيدة التي يقتضيها العمل القضائي، ومن ثم كان لخصومة الرد خطرها ودقتها سواء بالنظر إلى موضوعها أو الآثار التي ينجم عنها، ولا شأن لها بالتالي بنطاق الخصومة الأصلية المرددة بين أطرافها، ولا بالحقوق التي يطلبونها فيها، ولا بإثباتها أو نفيها، بل تستقل تماماً عن موضوعها، فلا يكون لها من صلة بما هو مطروح فيها، ولا بشق من جوانبها، ولا بالمسائل المتفرعة عنها أو العارضة عليها، بل تعتصم خصومة الرد بذاتيتها، لتكون لها مقوماتها الخاصة بها، لما مؤداه استقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية في موضوعها، وإن ظل للحكم الصادر في أولاهما أثره وانعكاسه على ثانيتهما ولو بعد الفصل فيها بحكم نهائي.
وحيث إن المادة 19 من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994، تنص على أن:
1 – يقدم طلب الرد كتابة إلى هيئة التحكيم مبيناً فيه أسباب الرد خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ علم طالب الرد بتشكيل هذه الهيئة أو بالظروف المبررة للرد، فإذا لم يتنح المحكم المطلوب رده فصلت هيئة التحكيم في الطلب.
2 – ولا يقبل طلب الرد ممن سبق له تقديم طلب رد المحكم نفسه في ذات التحكيم.
3 – لطالب الرد أن يطعن في الحكم برفض طلبه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إعلانه به أمام المحكمة المشار إليها في المادة (9) من هذا القانون، ويكون حكمها غير قابل للطعن بأي طريق.
4 – لا يترتب على تقديم طلب الرد أو على الطعن في حكم التحكيم الصادر برفضه وقف إجراءات التحكيم.
وإذا حكم برد المحكم سواء من هيئة التحكيم أو من المحكمة عند نظر الطعن، ترتب على ذلك اعتبار ما يكون قد تم من إجراءات التحكيم، بما في ذلك حكم المحكمين، كأن لم يكن”.
وحيث إن الثابت من الاطلاع على ملف الدعوى الموضوعية، أن تقدير محكمة الموضوع لجدية الدفع بعدم الدستورية المبدى أمامها قد اقتصر على ما ينص عليه عجز البند الأول من المادة 19 المشار إليها من عبارة “فصلت هيئة التحكيم في الطلب”، وإذ كان نطاق الدعوى الدستورية – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع وفي الحدود التي تقدر فيها جديته، فإن نطاق الطعن الراهن يتحدد بالعبارة سالفة الذكر.
وحيث إن المدعية تنعى على النص المطعون فيه – محدداً نطاقاً على ما تقدم – مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية – بجعله الخصم في نزاع حكماً فيه، وإخلاله بمبدأ المساواة أمام القانون، إذ أهدر ضمانة الحيدة الواجب توافرها في المحكمين، في حين استلزم الدستور توافرها في كل من يلي عملاً قضائياً الأمر الذي يشكل تمييزاً غير مبرر بإسقاطه ضمانة الحيدة التي يتطلبها كل عمل قضائي عن فئة من المتقاضين بينما هي مكفولة لغيرهم، ومساسه كذلك بحق التقاضي، وذلك بالمخالفة للمواد 2، 40، 68 من الدستور.
وحيث إن الأصل في التحكيم – على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – هو عرض نزاع معين بين طرفين على مُحَكَم من الأغيار يُعيَّن باختيارهما أو بتفويض منهما أو على ضوء شروط يحددانها، ليفصل هذا المحكم في ذلك النزاع بقرار يكون نائياً عن شبهة الممالأة، مجرداً من التحامل، وقاطعاً لدابر الخصومة في جوانبها التي أحالها الطرفان إليه، بعد أن يدلي كل منهما بوجهة نظره تفصيلياً من خلال ضمانات التقاضي الرئيسية. ولا يجوز بحال أن يكون التحكيم إجبارياً يذعن إليه أحد الطرفين إنفاذاً لقاعدة قانونية آمرة لا يجوز الاتفاق على خلافها، وذلك سواء كان موضوع التحكيم نزاعاً قائماً أو محتملاً، ذلك أن التحكيم مصدره الاتفاق، إذ يحدد طرفاه – وفقاً لأحكامه – نطاق الحقوق المتنازع عليها بينهما، أو المسائل الخلافية التي يمكن أن تَعْرِض لهما، وإليه ترتد السلطة الكاملة التي يباشرها المحكمون عند البت فيها. وهما يستمدان من اتفاقهما على التحكيم، التزامهما بالنزول على القرار الصادر فيه، وتنفيذه تنفيذاً كاملاً وفقاً لفحواه، ليؤول التحكيم إلى وسيلة فنية لها طبيعة قضائية غايتها الفصل في نزاع مبناه علاقة محل اهتمام من أطرافها وركيزته اتفاق خاص يستمد المحكمون منه سلطانهم، ولا يتولون مهامهم بالتالي بإسناد من الدولة، وبهذه المثابة فإن التحكيم يعتبر نظاماً بديلاً عن القضاء، فلا يجتمعان، ذلك أن مقتضاه عزل المحاكم جميعها عن نظر المسائل التي انصب عليها استثناء من أصل خضوعها لولايتها.
وحيث إن المادة 18 من قانون التحكيم المشار إليه قد عنيت ببيان أسباب رد المحكم فنصت في فقرتها الأولى على أنه “لا يجوز رد المحكم إلا إذا قامت ظروف تثير شكوكاً جدية حول حيدته أو استقلاله” وكان ذلك توكيداً على أن ضمانة الحيدة في خصومة رد المحكم هي من ضمانات التقاضي الأساسية التي لا غنى عنها بالنسبة إلى كل عمل قضائي، ليغدو الحق في رد المحكم قرين الحق في رد القاضي.
وحيث إن ضمانة الفصل إنصافاً في المنازعات على اختلافها وفق نص المادة 67 من الدستور، تمتد بالضرورة إلى كل خصومة قضائية، أياً كانت طبيعة موضوعها جنائياً كان أو مدنياً أو تأديبياً إذ أن التحقيق في هذه الخصومات وحسمها إنما يتعين إسناده إلى جهة قضاء أو هيئة قضائية منحها القانون اختصاص الفصل فيها بعد أن كفل استقلالها وحيدتها وأحاط الحكم الصادر فيها بضمانات التقاضي التي يندرج تحتها حق كل خصم في عرض دعواه وطرح أدلتها، والرد على ما يعارضها على ضوء فرص تكافؤ أطرافها، ليكون تشكيلها وقواعد تنظيمها وطبيعة النظم المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، محدداً للعدالة مفهوما تقدمياًً يلتئم مع المقاييس المعاصرة للدولة المتحضرة.
وحيث إن الحق في رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد وثيق الصلة بحق التقاضي المنصوص عليه في المادة 68 من الدستور، ذلك أن مؤداه أن لكل خصومة – في نهاية مطافها – حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التي يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها. وتفترض هذه الترضية أن يكون مضمونها موافقاً لأحكام الدستور، وهي لا تكون كذلك إذا كان تقريرها عائداً إلى جهة أو هيئة تفتقر إلى استقلالها أو حيدتها أو هما معاً، ذلك أن هاتين الضمانتين – وقد فرضهما الدستور على ما تقدم – تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعي للخصومة القضائية على خلافهما.
وحيث إن ضمان الدستور – بنص مادته التاسعة والستين – لحق الدفاع، قد تقرر باعتباره أحد الأركان الجوهرية لسيادة القانون، كافلاً للخصومة القضائية عدالتها، وبما يصون قيمها، ويندرج تحتها ألا يكون الفصل فيها بعيداً عن أدلتها، أو نابذاً الحق في إجهاضها من خلال مقابلتها بما يهدمها من الأوراق وأقوال الشهود؛ فلا يكون بنيان الخصومة متحيفاً حقوق أحد من الخصوم؛ بل مكافئاً بين فرصهم في مجال إثباتها أو نفيها؛ استظهاراً لحقائقها، واتصالاً بكل عناصرها.
وحيث إن البين من نص البند (1) من المادة 19 – المطعون على عجزه – أنه قضى بأنه إذا لم يتنح المحكم المطلوب رده فصلت هيئة التحكيم في الطلب، فدلت بذلك على أنها ناطت الفصل في خصومة رد المحكم، بهذا المحكم نفسه طالما أنه لم يتنح وظل متمسكاً بنظر النزاع الأصلي، إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة منه وحده؛ أما إذا كانت تلك الهيئة مشكلة من أكثر من محكم وكان طلب الرد بتناول بعضهم أو يشملهم جميعاً اختصوا بالفصل في هذا الطلب. وقد كشفت الأعمال التحضيرية لنص البند المطعون عليه، عن أن المشرع قد اعتبر حكمه يظاهر استقلال هيئة التحكيم باعتباره من المبادئ الأصولية التي تقوم عليها الأنظمة المتقدمة في التحكيم.
وحيث إن استقلال هيئة التحكيم فيما يصدر عنها من أعمال قضائية ليس استقلالاً دائراً في فراغ، بل يتحدد مضمونه – في نطاق الطعن الراهن – بمفهوم استقلال السلطة باعتبارها المنوط بها أصلاً مهمة القضاء، وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن استقلال السلطة القضائية وحيدتها ضمانتان تنصبان معاً على إدارة العدالة بما يكفل فعاليتها، وهما بذلك متلازمتان. وإذا جاز القول – وهو صحيح – بأن الخصومة القضائية لا يستقيم الفصل فيها حقاً وعدلاً إذا خالطتها عوامل تؤثر في موضوعية القرار الصادر بشأنها، فقد صار أمراً مقضياً أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها في مجال اتصالها بالفصل في الحقوق انتصافاً لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها، فلا تعلو إحداهما على الأخرى أو تجبها بل تتضاممان تكاملاً وتتكافآن قدراً.
وحيث إن من المقرر أن مبدأ خضوع الدولة للقانون – محدداً على ضوء مفهوم ديمقراطي – مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق والضمانات التي يعتبر التسليم بها في الدولة الديمقراطية، مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وكان لا يجوز أن يكون العمل القضائي موطئاً لشبهة تداخل تجرده وتثير ظلالاً قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه متقاضون استرابوا فيه بعد أن صار نائياً عن القيم الرفيعة للوظيفة القضائية، وكان النص الطعين قد خول هيئة التحكيم الفصل في طلب ردها لتقول كلمتها في شأن يتعلق بذاتها وينصب على حيادها، وكان ذلك مما ينافي قيم العدل ومبادئه وينقض مبدأ خضوع الدولة للقانون وينتهك ضمانة الحيدة التي يقتضيها العمل القضائي بالنسبة إلى فريق من المتقاضين، بينما هي مكفولة لغيرهم، فإنه بذلك يكون قد خالف أحكام المواد 40، 65، 67، 68، 69 من الدستور، ولا ينال من ذلك ما أشارت إليه هيئة قضايا الدولة في مذكرة دفاعها وردده المدعى عليه الرابع في مذكرته الواردة – بعد حجز الدعوى للحكم – بتاريخ 21/ 10/ 1999، واتخذته معظم الدولة منهاجاً وطريقاً لحل المنازعات في مجال التجارة الدولية؛ ذلك أن الرقابة القضائية على دستورية التشريع التي تباشرها هذه المحكمة – على ما جرى به قضاؤها – مناطها تعارض النصوص القانونية المطعون عليها، مع الأحكام التي تضمنها الدستور، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي تقرها السلطة التشريعية أو تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحيتها التي ناطها الدستور بها، ومن ثم تمتد تلك الرقابة إلى النص المطعون فيه بعد أن أقرته السلطة التشريعية ولو كان قد استعار قواعده أو بعضها من القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي المشار إليه. كما لا ينال من ذلك أيضاً أن يكون المشرع قد جعل التقاضي في خصومة رد المحكم على درجتين، ذلك أن الحقوق والضمانات التي كفلتها النصوص الدستورية السالف الإشارة إليها تعتبر حجر الزاوية والركن الركين في النظام القضائي ومن ثم يقع الإخلال بها في حمأة المخالفة الدستورية ولو اقتصر على إحدى الدرجتين.
وحيث إن إبطال هذه المحكمة للنص الطعين، يقتضي تدخل السلطة التشريعية لإقرار نص بديل يتلافى العوار الدستوري السابق بيانه، إعمالاً للحجية المطلقة التي أسبغها قانون المحكمة الدستورية العليا على أحكامها في المسائل الدستورية والتي لازمها نزول الدولة بكامل سلطاتها عليها لتعمل بوسائلها وأدواتها – ومن خلال سلطة التشريع أصلياً أو فرعياً، كلما كان ذلك ضرورياً – على تطبيقها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية العبارة الواردة بالبند (1) من المادة 19 من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994، والتي تنص على أن “فصلت هيئة التحكيم في الطلب”، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.


صدر هذا الحكم من الهيئة المبينة بصدره أما السيد المستشار عبد الرحمن نصير الذي سمع المرافعة وحضر المداولة ووقع على مسودة الحكم فقد جلس بدله عند تلاوته السيد المستشار عدلي محمود منصور.