الخط الساخن : 01118881009

جلسة 5 يونيو سنة 1999

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (35)
القضية رقم 153 لسنة 19 قضائية “دستورية”

1 – أعمال قضائية “خصائصها الرئيسية”.
استقلال الجهة المعهود إليها بالفصل في النزاع وحيدتها – إثارة النزاع المطروح عليها ادعاء قانونياً يبلور الحق في الدعوى – مراعاة أن يكون فصلها في الدعوى محدداً على ضوء قاعدة قانونية نص المشرع عليها سلفاً بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية.
2 – تشريع “المادة 84 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983: هيئة غير قضائية”.
اللجنة المشكلة بهذه المادة إزاء المنازعة في تقدير أتعاب المحامي التي اختصها المشرع بالفصل فيها ليست هيئة ذات اختصاص قضائي – افتقادها عنصري الحيدة والاستقلال – قرارها في هذه المنازعة ليس قضائياً – خروج اللجنة المذكورة من مفهوم القاضي الطبيعي.
3 – حق التقاضي “حقوق عامة – مساواة”.
حق التقاضي هو حق للناس كافة تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعاً عن مصالحهم الذاتية – حق التقاضي من الحقوق العامة التي كفل الدستور المساواة بين المواطنين فيها – من غير الجائز التمايز بين الناس في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي.
4 – تشريع “الفقرتان الأولى والثانية من المادة 84 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983: عوار”.
إخلال هاتين الفقرتين بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، تعويقهما حق التقاضي – إهدارهما استقلال السلطة القضائية.
1 – التمييز بين الأعمال القضائية وبين غيرها من الأعمال التي قد تلتبس بها إنما يقوم على مجموعة من العناصر لا تتحدد بها ضوابط هذا التمييز على وجه قطعي، ولكنها تعين على إبراز الخصائص الرئيسية للعمل القضائي، ومن بينها أن إسباغ الصفة القضائية على أعمال أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل في نزاع معين، يفترض أن يكون تشكيلها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند الفصل في النزاع ومؤديين إلى غيريتها في مواجهة أطرافه، وأنه في كل حال يتعين أن يثير النزاع المطروح عليها ادعاء قانونياً يبلور الحق في الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها وبوصفها الوسيلة التي عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، وبمراعاة أن يكون إطار الفصل فيها محدداً، بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية التي لا يجوز النزول عنها والتي تقوم في جوهرها على إتاحة الفرص المتكافئة لتحقيق دفاع أطرافها، وتمحيص ادعاءاتهم، على ضوء قاعدة قانونية نص المشرع عليها سلفاً، محدداً على ضوئها حقوق كل من المتنازعين في تجريد كامل، ليكون القرار الصادر في النزاع مؤكداً للحقيقة القانونية مبلوراً لمضمونها في مجال الحقوق المدعى بها، لتفرض هذه الحقيقة نفسها – وبافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة – على كل من ألزمه المشرع بها.
2 – مؤدى المادة 84 من قانون المحاماة، أن اللجنة المشكلة طبقاً لها يخلو تشكيلها من العنصر القضائي، وأن المشرع لم يقرر لها كياناً ذاتياً مستقلاً عن النقابة الفرعية، وأن أعضاءها – بحكم موقعهم على القمة من تنظيمهم النقابي – إنما ينظرون المنازعة بشأن تقدير أتعاب المحاماة في كنف نقابتهم، التي تعني أساساً بالمصالح المهنية الخاصة لأعضائها، وأن المشرع لم يكفل لطرح النزاع على هذه اللجنة الضمانات الجوهرية للتقاضي التي ينطوي تحتها حق كل خصم في عرض دعواه وطرح أدلتها والرد على ما يعارضها على ضوء فرص يتكافأ أطرافها فيها جميعاً؛ بل فرض على هذه المنازعة نهجاً إجرائياً حائفاً فقصر اللجوء إليها على المحامي، وأوصد بابه على موكله، فلم يجز له أن يعرض – ابتداء – ظلامته عليها إذا ما اقتضت مصلحته ذلك، بل عليه أن يتربص الطلب الذي يتقدم به المحامي حين يشاء، كي يطرح عليها أقواله، الأمر الذي يخل بالتوازن الذي تفرضه علاقة الوكالة القائمة بينهما، إجحافاً بمصلحة الموكل وترجيحاً لمصلحة المحامي عليها، كما أرهق المشرع الحق في الالتجاء مباشرة إلى المحكمة المختصة في شأن الأتعاب محل الخلاف بما استلزمه من أن تكون اللجنة قد تقاعست عن الفصل في موضوع الطلب – بقرار مسبب – خلال ستين يوماً قبل ولوجهما طريق التقاضي؛ إذ كان ذلك، وكانت اللجنة في مباشرتها لعملها المنوط بها لا تبدو مبرأة من امتزاجه بالعمل النقابي، مما يثير الريب حول حيدتها، ويزعزع ضمانة الاستقلال التي كان ينبغي أن تحيط بأعضائها بما لا تستقيم معه غيريتها في مواجهة أطراف المنازعة؛ فإن هذه اللجنة لا تعتبر – إزاء المنازعة التي اختصها المشرع بالفصل فيها – هيئة ذات اختصاص قضائي، ومن ثم، فإن قرارها في هذه المنازعة لا يصدق عليه وصف القرار القضائي، بما يخرجها – بالتالي – من مفهوم القاضي الطبيعي.
3 – الدستور بما نص عليه في المادة 68 من أن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي قد دل – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعاً عن مصالحهم الذاتية، وقد حرص الدستور على ضمان إعمال هذا الحق في محتواه المقرر دستورياً بما لا يجوز معه قصر مباشرته على فئة دون أخرى أو إجازته في حالة بذاتها دون سواها، أو إرهاقه بعوائق منافية لطبيعته لضمان أن يكون النفاذ إليه حقاً لكل من يلوذ به غير مقيد في ذلك إلا بالقيود التي يقتضيها تنظيمه والتي لا يجوز بحال أن تصل في مداها إلى حد إعناته أو مصادرته، وإذ كان حق التقاضي من الحقوق العامة التي كفل الدستور بنص المادة 40 المساواة بين المواطنين فيها، فإن حرمان طائفة من هذا الحق مع تحقق مناطه – وهو قيام المنازعة في حق من حقوق أفرادها – إنما ينطوي على إهدار لمبدأ المساواة بينهم وبين غيرهم من المواطنين الذين لم يحرموا من هذا الحق ومن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا في نطاق القواعد الإجرائية أو الموضوعية التي تحكم الخصومة القضائية ولا في مجال التداعي بشأن الحقوق المدعى بها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروطها، إذ ينبغي دوماً أن يكون للخصومة الواحدة قواعد موحدة سواء في مجال اقتضائها أو الدفاع عنها أو الطعن في الأحكام التي تصدر فيها.
4 – نص الفقرتين الأولى والثانية من المادة “84” يكون قد مايز – في مجال ممارسة حق التقاضي – بين المواطنين المتكافئة مراكزهم القانونية، دون أن يستند هذا التمييز إلى أسس موضوعية، بما يمثل إخلالاً بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، وتعويقاً لحق التقاضي واعتداء على استقلال السلطة القضائية، مخالفاً بذلك أحكام المواد 40، 68، 165، 167 من الدستور.


الإجراءات

بتاريخ 2 أغسطس سنة 1997، أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبة الحكم بعدم دستورية نص المادتين 84، 85 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المرحوم/ صلاح الدين محمود الدهري المحامي كان قد تقدم بالطلب رقم 106 لسنة 1995 إلى نقابة المحامين الفرعية بالجيزة، لتقدير أتعابه بمبلغ خمسين ألف جنيه عن القضايا التي باشر الدفاع فيها عن المدعية، وبتاريخ 15/ 10/ 1996 أصدرت اللجنة المختصة بالنقابة قراراً بتقدير أتعابه بمبلغ اثنين وعشرين ألف جنيه، وإذ لم ترتض المدعية هذا القرار فقد أقامت – والمدعى عليهم الأربع الأول بصفتهم ورثة المحامي – الاستئنافين رقمي 16306، 16333 لسنة 113 قضائية أمام محكمة استئناف القاهرة طعناً فيه، وأثناء نظرهما دفعت المدعية بعدم دستورية المادتين 84، 85 من قانون المحاماة. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، فقد صرحت لها بإقامة دعواها الدستورية، فأقامت الدعوى الماثلة.
وحيث إن المادتين – الطعينتين – تنصان على ما يأتي:
مادة 84: “للمحامي إذا وقع خلاف بينه وبين موكله بشأن تحديد أتعابه في حالة عدم الاتفاق كتابة عليها أن يقدم إلى النقابة التي يتبعها طلباً بما يحدده من أتعاب، ويعرض هذا الطلب على لجنة يشكلها مجلس النقابة الفرعية من ثلاثة من أعضائه ويحظر الموكل بالحضور أمامها لإبداء وجهة نظره.
وعلى اللجنة أن تتولى الوساطة بين المحامي وموكله، فإذا لم يقبل الطرفان ما تعرضه عليهما، فصلت في موضوع الطلب خلال ستين يوما على الأكثر بقرار مسبب، والإجاز لكل من الطرفين أن يلجأ مباشرة إلى المحكمة المختصة.
وإذا قبل الطرفان ما تعرضه عليهما حرر محضر بذلك يوقع عليه الطرفان مع ممثل النقابة الفرعية وتوضع عليه الصيغة التنفيذية بواسطة قاضي الأمور الوقتية المختصة وذلك بغير رسوم”.
مادة 85: “لا يجوز الطعن في قرارات التقدير التي تصدرها النقابات الفرعية إلا بطريق الاستئناف خلال عشرة أيام من تاريخ إعلان القرار ويرفع الاستئناف للمحكمة الابتدائية التي يقع بدائرتها مكتب المحامي إذا كانت قيمة الطلب خمسمائة جنيه فأقل وإلى محكمة الاستئناف إذا جاوزت القيمة ذلك”.
ولا يكون قرار التقدير نافذاً إلا بعد انتهاء ميعاد الاستئناف أو صدور الحكم فيه وتوضع الصيغة التنفيذية على قرارات التقدير النهائي بواسطة قاضي الأمور الوقتية المختص وذلك بغير رسوم”.
وحيث إن المدعية تنعى على المادتين الطعينتين مخالفتهما لأحكام المواد 8، 40، 65، 68، 165 من الدستور تأسيساً على أن أولاهما أثرت المحامي – دون موكله – بالحق في اللجوء إلى اللجنة المشكلة وفقاً لها، لإصدار قرار بتقدير الأتعاب عن الخلاف بشأنها، وجعلت ثانيتهما الاستئناف طريقاً للطعن في قرارات هذه اللجنة – رغم كونها لجنة نقابية تفتقد العنصر القضائي في تشكيلها – فحرمت الخصوم – بذلك – من التداعي في شأن حقوقهم أمام محكمة أول درجة، كما قصرت ميعاد الطعن في هذه القرارات إلى عشرة أيام خلافاً للميعاد المقرر في قانون المرافعات مما يخل بمبدأي تكافؤ الفرص ومساواة المواطنين في الحقوق والواجبات، فضلاً عن أن هاتين المادتين تجعلان المحامي خصماً وحكماً في آن واحد، كما أن قانون المحاماة يخلو من تنظيم إجراءات رد أعضاء اللجنة وهم زملاؤه الذين تربطه بهم مصالح مهنية متبادلة، الأمر الذي يفقد اللجنة ضمانه التجريد وهم والحيدة التي يتحقق بها الفصل في المنازعة بطريقة منصفة، ويحرم ذوي الشأن من اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي، وينطوي على اعتداء على استقلال السلطة القضائية وإهدار لمبدأ الخضوع للقانون.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن التمييز بين الأعمال القضائية وبين غيرها من الأعمال التي قد تلتبس بها إنما يقوم على مجموعة من العناصر لا تتحدد بها ضوابط هذا التمييز على وجه قطعي، ولكنها تعين على إبراز الخصائص الرئيسية للعمل القضائي، ومن بينها أن إسباغ الصفة القضائية على أعمال أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل في نزاع معين، يفترض أن يكون تشكيلها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند الفصل في النزاع ومؤديين إلى غيريتها في مواجهة أطرافه، وأنه في كل حال يتعين أن يثير النزاع المطروح عليها ادعاء قانونياً يبلور الحق في الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها وبوصفها الوسيلة التي عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، وبمراعاة أن يكون إطار الفصل فيها محدداً، بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية التي لا يجوز النزول عنها والتي تقوم في جوهرها على إتاحة الفرص المتكافئة لتحقيق دفاع أطرافها، وتمحيص ادعاءاتهم، على ضوء قاعدة قانونية نص المشرع عليها سلفاً، محدداً على ضوئها حقوق كل من المتنازعين في تجريد كامل، ليكون القرار الصادر في النزاع مؤكداً للحقيقة القانونية مبلوراً لمضمونها في مجال الحقوق المدعى بها، لتفرض هذه الحقيقة نفسها – وبافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة – على كل من ألزمه المشرع بها.
وحيث إن البين من قانون المحاماة المشار إليه، أن للمحامي – بنص المادة 82 منه – الحق في تقاضي الأتعاب، وفقاً للعقد المحرر بينه وبين موكله، عما يقوم به من أعمال المحاماة، فضلاً عن حقه في استرداد ما أنفقه من مصروفات في سبيل مباشرة الأعمال التي وكل فيها، فإذا لم كن ثمة اتفاق كتابي بينهما على الأتعاب، واختلفا في تقديرها، فقد رسم القانون أسلوب تحديدها وطريق اقتضائها في المادتين 84، 85 المشار إليهما على النحو المبين فيهما.
وحيث إن مؤدى المادة 84 من قانون المحاماة، أن اللجنة المشكلة طبقاً لها يخلو تشكيلها من العنصر القضائي، وأن المشرع لم يقرر لها كياناً ذاتياً مستقلاً عن النقابة الفرعية، وأن أعضاءها – بحكم موقعهم على القمة من تنظيمهم النقابي – إنما ينظرون المنازعة بشأن تقدير أتعاب المحاماة في كنف نقابتهم، التي تعني أساساً بالمصالح المهنية الخاصة لأعضائها، وأن المشرع لم يكفل لطرح النزاع على هذه اللجنة الضمانات الجوهرية للتقاضي التي ينطوي تحتها حق كل خصم في عرض دعواه وطرح أدلتها والرد على ما يعارضها على ضوء فرص يتكافأ أطرافها فيها جميعاً؛ بل فرض على هذه المنازعة نهجاً إجرائياً حائفاً فقصر اللجوء إليها على المحامي، وأوصد بابه على موكله، فلم يجز له أن يعرض – ابتداء – ظلامته عليها إذا ما اقتضت مصلحته ذلك، بل عليه أن يتربص الطلب الذي يتقدم به المحامي حين يشاء، كي يطرح عليها أقواله، الأمر الذي يخل بالتوازن الذي تفرضه علاقة الوكالة القائمة بينهما، إجحافاً بمصلحة الموكل وترجيحاً لمصلحة المحامي عليها، كما أرهق المشرع الحق في الالتجاء مباشرة إلى المحكمة المختصة في شأن الأتعاب محل الخلاف بما استلزمه من أن تكون اللجنة قد تقاعست عن الفصل في موضوع الطلب – بقرار مسبب – خلال ستين يوماً قبل ولوجهما طريق التقاضي؛ إذ كان ذلك، وكانت اللجنة في مباشرتها لعملها المنوط بها لا تبدو مبرأة من امتزاجه بالعمل النقابي، مما يثير الريب حول حيدتها، ويزعزع ضمانة الاستقلال التي كان ينبغي أن تحيط بأعضائها بما لا تستقيم معه غيريتها في مواجهة أطراف المنازعة؛ فإن هذه اللجنة لا تعتبر – إزاء المنازعة التي اختصها المشرع بالفصل فيها – هيئة ذات اختصاص قضائي، ومن ثم، فإن قرارها في هذه المنازعة لا يصدق عليه وصف القرار القضائي، بما يخرجها – بالتالي – من مفهوم القاضي الطبيعي.
وحيث إن الدستور بما نص عليه في المادة 68 من أن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي قد دل – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعاً عن مصالحهم الذاتية، وقد حرص الدستور على ضمان إعمال هذا الحق في محتواه المقرر دستورياً بما لا يجوز معه قصر مباشرته على فئة دون أخرى أو إجازته في حالة بذاتها دون سواها، أو إرهاقه بعوائق منافية لطبيعته لضمان أن يكون النفاذ إليه حقاً لكل من يلوذ به غير مقيد في ذلك إلا بالقيود التي يقتضيها تنظيمه والتي لا يجوز بحال أن تصل في مداها إلى حد إعناته أو مصادرته، وإذ كان حق التقاضي من الحقوق العامة التي كفل الدستور بنص المادة 40 المساواة بين المواطنين فيها، فإن حرمان طائفة من هذا الحق مع تحقق مناطه – وهو قيام المنازعة في حق من حقوق أفرادها – إنما ينطوي على إهدار لمبدأ المساواة بينهم وبين غيرهم من المواطنين الذين لم يحرموا من هذا الحق.
وحيث إنه إذا كان ما تقدم، وكان المشرع – بالنص المطعون فيه – قد أوكل إلى اللجنة المشار إليها – على الرغم من أنها ليست هيئة ذات اختصاص قضائي على نحو ما تقدم – الفصل في منازعة من طبيعة قضائية، واستلب ولاية القضاء فيها من قاضيها الطبيعي؛ وكان من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا في نطاق القواعد الإجرائية أو الموضوعية التي تحكم الخصومة القضائية ولا في مجال التداعي بشأن الحقوق المدعى بها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروطها، إذ ينبغي دوماً أن يكون للخصومة الواحدة قواعد موحدة سواء في مجال اقتضائها أو الدفاع عنها أو الطعن في الأحكام التي تصدر فيها، متى كان ذلك وكان الخلاف بين المحامي وموكله حول تقدير الأتعاب إنما يندرج في دائرة الخلاف بين الأصيل والوكيل بأجر عند عدم الاتفاق على أجر الثاني، باعتبار أن جميع هذه المنازعات متحدة في جوهرها متماثلة في طبيعتها؛ فإن إفراد الخلاف بشأن تحديد أتعاب المحامي بنظام إجرائي خاص لفضه ينبو عن نظام التداعي بشأن تحديد أجر الوكيل – دون أن يستند ذلك إلى مبرر منطقي لهذه المغايرة – يصم هذا التنظيم التشريعي الخاص بمخالفة الدستور.
وحيث إنه لما كان ما تقدم، فإن نص الفقرتين الأولى والثانية من المادة “84” يكون قد مايز – في مجال ممارسة حق التقاضي – بين المواطنين المتكافئة مراكزهم القانونية، دون أن يستند هذا التمييز إلى أسس موضوعية، بما يمثل إخلالاً بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، وتعويقاً لحق التقاضي واعتداء على استقلال السلطة القضائية، مخالفاً بذلك أحكام المواد 40، 68، 165، 167 من الدستور.
وحيث إن القضاء بعدم دستورية الفقرتين المشار إليهما يؤدي – بحكم اللزوم العقلي – إلى سقوط الفقرة الثالثة من المادة “84” والمادة “85” برمتها، وذلك لارتباطهما بالفقرتين الأوليين ارتباطاً لا يقبل التجزئة بحيث تكون جميعها كلاً واحداً لا يتجزأ، مما لا يتصور معه أن تقوم لهذه النصوص قائمة بغيرهما أو إمكان إعمال أحكامها في غيبتهما.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأولى والثانية من المادة “84” من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983، وبسقوط كل من فقرتها الثالثة، والمادة “85” من هذا القانون، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.