الخط الساخن : 01118881009

جلسة 2 مايو سنة 1999

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (32)
القضية رقم 182 لسنة 19 قضائية “دستورية”

1 – دعوى دستورية “المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها”.
مناط هذه المصلحة ارتباطها بالمصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها.
2 – دستور “تراث تاريخي”.
مؤدى المادة 12 من الدستور أن الدستور فرض التزاماً قومياً بالمحافظة على التراث التاريخي للشعب ورعايته.
3 – ملكية خاصة “حماية – قيود”.
عدم جواز المساس بالملكية الخاصة إلا على سبيل الاستثناء وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها – يجب ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع على الملكية الخاصة في إطار وظيفتها الاجتماعية جوهر بنيان هذه الملكية وألا يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها.
4 – ملكية خاصة “تعويض”.
إخراج الملكية الخاصة من ذمة أصحابها غير جائز إلا في الأحوال التي يقررها القانون وبالطريقة التي رسمها ومقابل تعويض عادل.
5 – ملكية خاصة “غصب”.
إخراج أموال بذاتها من السلطة الفعلية لمالكيها مع حرمانهم من الفائدة العائدة عليهم منها يعدل نزعها منهم دون تعويض وفي غير الأحوال المقررة بما يعتبر غصباً لها.
6 – تشريع “المادة 13 من قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983: تعويض”.
مصادمة هذه المادة للدستور فيما لم تتضمنه من تعويض المالك عن اعتبار ملكه أثراً.
1 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يتحقق ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة التي تقوم عليها الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.
2 – إن المادة 12 من الدستور تنص على أن “يلتزم المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها والتمكين للتقاليد المصرية الأصلية، وعليه مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية. والقيم الخلقية والوطنية، والتراث التاريخي للشعب، والحقائق العلمية، والسلوك الاشتراكي، والآداب العامة وذلك في حدود القانون. وتلتزم الدولة باتباع هذه المبادئ والتمكين لها”. ومؤدى ذلك أن الدستور قد فرض التزاماً قومياً على المجتمع بسائر أفراده وكافة تنظيماته وكامل هيئاته وجميع سلطات الدولة، بالمحافظة على التراث التاريخي للشعب ورعايته، توكيداً على أن هذا التراث هو ملك للمجتمع، وعنوان حضارته، ومصدر قوته وفخاره وسنداً يرتكن إليه في نمائه وتقدمه، فلا يكون النيل منه والإضرار به إلا تدميراً لثروته قومية ما فتئت تعتز بها وتناضل من أجلها جميع الأمم.
3، 4 – الدستور – إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيداً لإسهامها في صون الأمن الاجتماعي – كفل حمايتها لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً – ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة – في الأغلب الأعم من الأحوال – إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أدواتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام. هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً في كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته في شأنها خصيم ليس بيده سند ناقل لها، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التي تعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاضها من أطرافها.
إن الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة تفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع عليها – في إطار وظيفتها الاجتماعية – جوهر بنيانها، وألا يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها، وينحدر بالحماية المقررة لها إلى ما يفرغها من مضمونها، ذلك أن صون الملكية الخاصة وإعاقتها لا يجتمعان، وكلما تدخل المشرع مقوضاً بنيانها من خلال قيود ترهقها إلى حد ابتلاعها، كان عمله افتئاتاً عليها منافياً للحق فيها ومؤدى ذلك أن بقاء الملكية مع الحرمان من مقوماتها أمران متناقضان، ذلك أن نزعها يفيد زوالها عن أصاحبها وانتقال سندها إلى أحد الأشخاص الاعتبارية العامة – لا ليباشر عليها حقوق الملكية، تصرفاً واستغلالاً واستعمالاً – وإنما ليسخرها لأغراض تقتضيها مصالح الناس في مجموعهم، وإذ كان بقاء الملكية بيد أصحابها هو الأصل فيها، فإن إخراجها من ذمتهم يعتبر حرماناً منها لا يجوز إلا في الأحوال التي يقررها القانون، وبالطريقة التي رسمها، ومقابل تعويض عادل، وهذه القاعدة عينها هي التي التزمتها الدساتير المختلفة، جاعلة منها قيداً على السلطتين التشريعية والتنفيذية بما يحول دونهما ونزع الملكية دون مقتض، أو بغير تعويض، أو دون تقيد بالقواعد التي حددها القانون.
5 – إخراج أموال بذواتها من السلطة الفعلية لمالكيها مع حرمانهم من الفائدة التي يمكن أن تعود عليهم منها، يعدل – في الآثار التي يرتبها – نزع الملكية من أصحابها دون تعويض، وفي غير الأحوال التي نص عليها القانون، وبعيداً عن القواعد الإجرائية التي رسمها، بما يعتبر غصباً لها، بل إن اغتيالها على هذا النحو يمثل أسوأ صور العدوان عليها، لاتخاذه الشرعية ثوباً وإطاراً وانحرافه عنها قصداً ومعنى، فلا تكون الملكية التي يكفل الدستور صونها إلا سراباً أو وهماً.
6 – النص الطعين قد عطل – دون تعويض – كل خيار لمالكي العقار في توجيهه الوجهة التي يقدر أنها في صالحه، حائلاًَ بذلك دون الانتفاع به اقتصادياً في الأغراض المقصودة منه، فإنه يتمحض تدميراً للملكية الخاصة لا تسامح فيه أياً كان نطاق المصالح التي يتذرع بها المشرع، ذلك أن مشروعية المصلحة حدها قواعد الدستور، إذ هي مدخلها وقاعدة بنيانها. ولا يتصور أن تقوم مصلحة على خلافها، وبالتالي يكون النص الطعين مصادماً للمادتين 32 و34 من الدستور اللتين كفلتا صون الملكية الخاصة، وأدخل إلى المصادرة بالمخالفة للمادة 36 منه التي لا تجيز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي.


الإجراءات

بتاريخ الثامن والعشرين من سبتمبر 1997، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية المادة 13 من قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن ورثة المرحومين سالم وسعيد بازرعه كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 1291 لسنة 1989 مدني أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية مختصمين فيها وزير الثقافة ورئيس هيئة الآثار المصرية، طالبين الحكم أصلياً بمنع تعرض المدعى عليهما لهم في كامل أرض ومباني العقارات رقم 2 درب المسمط و1 و2 شارع الجمالية و1 حارة المبيضة قسم الجمالية واحتياطياً بتعويضهم وفق المادة 805 من القانون المدني عما تعتبره الهيئة أثراً، مع إلزامهما في الحالتين بدفع مقابل الأنقاض المستولى عليها والناجمة عن الانهيار الذي حدث لتلك العقارات بتاريخ 14/ 3/ 1988، مؤسسين طلباتهم على أنهم يمتلكون بالميراث 18 قيراطاً في عقارات النزاع، وأن الهيئة المدعى عليها منعتهم من صيانتها، فساءت حالتها وانهار جزء كبير منها، وعندما حاولوا استصدار قرار بهدم وتنكيس تلك العقارات ومعرفة ما يعتبر منها أثراً، لم يتلقوا رداً، بل قامت الهيئة بالاستيلاء على أنقاض الأجزاء المنهارة وباعتها لحسابها دون الرجوع إليهم، كما أقاموا أيضاً الدعوى رقم 1293 لسنة 1989 مدني أمام ذات المحكمة ضد المدعى عليهما في الدعوى السابقة، طالبين الحكم أصلياً بمنع تعرض المدعى عليهما لهم في العقارين رقمي 23 و25 شارع التمبكشية، واحتياطياً بتعويضهم عملاً بالمادة 805 من القانون المدني عما تعتبره الهيئة المدعى عليها أثراً، وقالوا شرحاً لهذه الدعوى إنهم يمتلكون هذين العقارين بالميراث، وقد استصدروا قراراً بهدم الجزء الغربي لكلا العقارين مع تنكيس باقي الأجزاء، بيد أن الهيئة المدعى عليها حالت بينهم وبين تنفيذه استناداً إلى اعتبارهما من الآثار مما هدد حياة السكان وألحق الضرر بأملاكهم. وإذ قضي في الدعويين المشار إليهما بعدم الاختصاص ولائياًَ بنظرهما على سند من أن طلبي منع التعرض والتعويض يرتكنان إلى قرار إداري باعتبار عقارات النزاع أثراً تاريخياً مما ينعقد الاختصاص بنظره لمحاكم مجلس الدولة، فقد أحيلت الدعويان إلى محكمة القضاء الإداري وتم قيدهما برقم 3390 و3391 لسنة 47 قضائية وحصر المدعون طلباتهم النهائية – بعد ضم الدعويين المشار إليهما – في الحكم بإلزام المدعى عليهما بتعويضهم عن الأعيان المملوكة لهم والتي اعتبرت أثراً تاريخياً، وأثناء نظر الدعوى الموضوعية دفع المدعي في الدعوى الماثلة بعدم دستورية المادتين 13 و25 من قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983 وبعد أن قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع بالنسبة إلى أولى هاتين المادتين دون ثانيتهما، صرحت بجلسة 27/ 7/ 1997 برفع الدعوى الدستورية، فأقام المدعي الدعوى الماثلة.
وحيث إن المادة 13 من قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983 تنص على ما يأتي:
“يترتب على تسجيل الأثر العقاري وإعلان المالك بذلك طبقاً لأحكام المادة السابقة الأحكام الآتية:
1 – عدم جواز هدم العقار كله أو بعضه أو إخراج جزء منه جمهورية مصر العربية.
2 – عدم جواز نزع ملكية الأرض أو العقار. أما الأراضي المتاخمة له فيجوز نزع ملكيتها بعد موافقة الوزير المختص بشئون الثقافة، بناء على اقتراح مجلس إدارة الهيئة.
3 – عدم جواز ترتيب أي حق أو ارتفاق للغير على العقار.
4 – عدم جواز تجديد العقار أو تغيير معالمه على أي وجه إلا بترخيص من رئيس الهيئة بعد موافقة اللجنة الدائمة المختصة ويكون إجراء الأعمال التي رخص بها تحت الإشراف المباشر لمندوب الهيئة.
فإذا أجرى صاحب الشأن عملاً من الأعمال بغير الترخيص المشار إليه، قامت الهيئة بإعادة الحال إلى ما كانت عليه على نفقة المخالف مع عدم الإخلال بالحق في التعويض وعدم الإخلال بالعقوبات المقررة في هذا القانون.
5 – التزام المالك بالحصول على موافقة كتابية من الهيئة عن كل تصرف يرد على العقار مع ذكر اسم المتصرف إليه ومحل إقامته، وعليه عند التصرف فيه إبلاغ من حصل التصرف له أن العقار مسجل، وعلى الهيئة أن تبدي رأيها خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إبلاغها بطلب التصرف ويعتبر انقضاء هذا الميعاد بغير رد بمثابة قرار بالرفض.
6 – للهيئة أن تباشر في أي وقت على نفقتها ما تراه من الأعمال لازماً لصيانة الأثر وتظل هذه الأحكام سارية ولو أصبح ما بالعقار من أثر منقولاً”.
وحيث إن المدعي ينعى على النص المطعون فيه فرضه قيوداً على حق الملكية تفرغه من مضمونه دون أن يكفل للمالك التعويض العادل عن هذه القيود بالمخالفة للمواد 34 و35 و36 من الدستور.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى، لانتفاء المصلحة، على سند من أن النص المطعون فيه لا يحظر على المدعي المطالبة بالتعويض عن اعتبار العقار المملوك له أثراً، كما أن القواعد العامة في القانون المدني تكفل الحق في التعويض عملاً بالمدة 805 منه التي تقضي بأنه لا يجوز أن يحرم أحد من ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون وبالطريقة التي يرسمها ويكون ذلك في مقابل تعويض عادل.
وحيث إن هذا الدفع مردود أولاً: بأن قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983 قد تضمن تنظيماً خاصاً بحماية الآثار تالياً لصدور القانون المدني ومتضمناً أحوال استحقاق التعويض سواء لمالك الأثر أم للجهة الإدارية؛ فلا يكون التنظيم العام متمثلاً في القواعد السابقة عليه محدداً لمجال تطبيقه أو معدلاً له، وإنما يقتصر أثره على تكملته فيما لا نص عليه فيه ولا يتعارض مع أحكامه، يؤكد ذلك أن القانون المدني ذاته نص في المادة 198 منه على أن الالتزامات التي تنشأ مباشرة عن القانون تسري عليها النصوص القانونية التي أنشأتها.
ومردود ثانياً: بأن البين من قانون حماية الآثار المشار إليه أنه قد انتقى في المواد 9 و13 و15 و16 و18 منه حالات عينها بذاتها؛ أجاز فيها التعويض وحصر نطاقه في دائرتها بحيث لا تتسع إلا للحالات التي نص فيها على الحق في التعويض صراحة.
ومردود ثالثاً: بأن مسلك المشرع نحو التضييق المتعمد من دائرة التعويض مستفاد من النص الطعين ذاته، فهو لم يقرره إلا لصالح الجهة الإدارية وحدها وفي الحالة المنصوص عليها في البند (4) منه دون غيرها دالاً بذلك على قصد المغايرة في الحكم بين تلك الحالة وبين الحالات الأخرى التي نص عليها.
وإذ كان ذلك، وكانت المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يتحقق ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة التي تقوم عليها الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، وكان النص الطعين هو الذي يحول دون المدعي وإجابته إلى طلب التعويض في النزاع الموضوعي، فإنه في هذه الحدود تتوافر له المصلحة الشخصية المباشرة في الطعن عليه بعدم الدستورية.
وحيث إنه بتاريخ 21 من نوفمبر 1951 صدر قرار وزير المعارف العمومية رقم 10357 لسنة 1951 استناداً إلى أحكام القانون رقم 215 لسنة 1951 لحماية الآثار – الذي كان يقضي في مادته الرابعة بأن تعتبر من أملاك الدولة العامة جميع الآثار العقارية والمنقولة والأراضي الأثرية عدا ما كان وقفاً أو ملكاً خاصاً طبقاً لأحكام هذا القانون – متضمناً النص على أن تعتبر مسجلة الآثار المقيدة بالسجلات المعدة لهذا الغرض والمبينة في الجدول المرافق لهذا القرار، ومن بينها الأعيان محل النزاع الموضوعي، ثم صدر قانون حماية الآثار بالقانون رقم 117 لسنة 1983 متضمناً إلغاء القانون رقم 215 لسنة 1951 المشار إليه ونص في مادته الرابعة على أن تعتبر مبان أثرية المباني التي اعتبرت كذلك وسجلت بمقتضى قرارات أو أوامر سابقة، وعلى إلزام كل شخص طبيعي أو معنوي يشغل بناءً تاريخياً أو موقعاً أثرياً لم يتقرر نزع ملكيته أن يحافظ عليه من أي تلف أو نقصان؛ وعملاً بمادته السادسة تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة – عدا ما كان وقفاً – ولا يجوز تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها إلا في الأحوال وبالشروط المنصوص عليها في هذا القانون والقرارات المنفذة له، كما تضمنت مادته الثامنة أنه فيما عدا حالات التملك أو الحيازة القائمة وقت العمل بهذا القانون أو التي تنشأ وفقاً لأحكامه يحظر اعتباراً من تاريخ العمل به حيازة أي أثر. وبمقتضى مادته السادسة والعشرين تتولى هيئة الآثار حصر الآثار الثابتة والمنقولة وتصويرها ورسمها وتسجيلها وتعتبر مسجلة الآثار المقيدة في تاريخ العمل بهذا القانون بالسجلات المخصصة لها. وقد صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 82 لسنة 1994 بإنشاء المجلس الأعلى للآثار ليحل محل هيئة الآثار المصرية في مباشرة اختصاصاتها أينما وردت ونص على أن يؤول للمجلس ما لها من حقوق وما عليها من التزامات. ومقتضى ما تقدم أن قانون الآثار الملغي رقم 215 لسنة 1951 وقانون حماية الآثار القائم رقم 117 لسنة 1983- كلاهما – أبقى على الملكية الخاصة في مجال الآثار، فظلت هذه الملكية قائمة في ظل القانون الأول طبقاً لأحكامه، وما برحت قائمة في ظل القانون الثاني في الأحوال وبالشروط المنصوص عليها فيه.
وحيث إن المادة 12 من الدستور تنص على أن “يلتزم المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها والتمكين للتقاليد المصرية الأصلية، وعليه مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية. والقيم الخلقية والوطنية، والتراث التاريخي للشعب، والحقائق العلمية، والسلوك الاشتراكي، والآداب العامة وذلك في حدود القانون. وتلتزم الدولة باتباع هذه المبادئ والتمكين لها”. ومؤدى ذلك أن الدستور قد فرض التزاماً قومياً على المجتمع بسائر أفراده وكافة تنظيماته وكامل هيئاته وجميع سلطات الدولة، بالمحافظة على التراث التاريخي للشعب ورعايته، توكيداً على أن هذا التراث هو ملك للمجتمع، وعنوان حضارته، ومصدر قوته وفخاره وسنداً يرتكن إليه في نمائه وتقدمه، فلا يكون النيل منه والإضرار به إلا تدميراً لثروته قومية ما فتئت تعتز بها وتناضل من أجلها جميع الأمم.
وحيث إن الدستور – إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيداً لإسهامها في صون الأمن الاجتماعي – كفل حمايتها لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً – ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة – في الأغلب الأعم من الأحوال – إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها، معبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أدواتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام. هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً في كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته في شأنها خصيم ليس بيد سند ناقل لها، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التي تعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها.
وحيث إن الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة تفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع عليها – في إطار وظيفتها الاجتماعية – جوهر بنيانها، وألا يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها، وينحدر بالحماية المقررة لها إلى ما يفرغها من مضمونها، ذلك أن صون الملكية الخاصة وإعاقتها لا يجتمعان، وكلما تدخل المشرع مقوضاً بنيانها من خلال قيود ترهقها إلى حد ابتلاعها، كان عمله افتئاتاً عليها منافياً للحق فيها ومؤدى ذلك أن بقاء الملكية مع الحرمان من مقوماتها أمران متناقضان، ذلك أن نزعها يفيد زوالها عن أصاحبها وانتقال سندها إلى أحد الأشخاص الاعتبارية العامة – لا ليباشر عليها حقوق الملكية، تصرفاً واستغلالاً واستعمالاً – وإنما ليسخرها لأغراض تقتضيها مصالح الناس في مجموعهم، وإذ كان بقاء الملكية بيد أصحابها هو الأصل فيها، فإن إخراجها من ذمتهم يعتبر حرماناً منها لا يجوز إلا في الأحوال التي يقررها القانون، وبالطريقة التي رسمها، ومقابل تعويض عادل، وهذه القاعدة عينها هي التي التزمتها الدساتير المختلفة، جاعلة منها قيداً على السلطتين التشريعية والتنفيذية بما يحول دونهما ونزع الملكية دون مقتض، أو بغير تعويض، أو دون تقيد بالقواعد التي حددها القانون.
وحيث إن تدخل المشرع بتنظيم أوضاع أموال معينة مع إبقائها بيد أصحابها بطريقة تؤدي عملاً إلى تقويض مقوماتها من خلال إهدار قيمتها لاقتصادية إلى حد كبير – ولو كان ذلك تذرعاً بالوظيفة الاجتماعية للملكية أو بوجوب المحافظة على التراث القومي – إنما يعد انتقاصاً من حق الملكية تتحدد مشروعيته من زاوية دستورية بأن يكون مقترناً بالتعويض العادل عن القيود التي يتضمنها ذلك التنظيم.
وحيث إن إخراج أموال بذواتها من السلطة الفعلية لمالكيها مع حرمانهم من الفائدة التي يمكن أن تعود عليهم منها، يعدل – في الآثار التي يرتبها – نزع الملكية من أصحابها دون تعويض، وفي غير الأحوال التي نص عليها القانون، وبعيداً عن القواعد الإجرائية التي رسمها، بما يعتبر غصباً لها، بل إن اغتيالها على هذا النحو يمثل أسوأ صور العدوان عليها، لاتخاذه الشرعية ثوباً وإطاراً وانحرافه عنها قصداً ومعنى، فلا تكون الملكية التي يكفل الدستور صونها إلا سراباً أو وهماً.
وحيث إن البين من النص الطعين أنه فرض قيوداً على الملكية الخاصة يصل مداها إلى حد تقويض دعائمها فلا يكون الانتفاع بها ممكناً وميسوراً، ودون أن يرتبط ذلك بتعويض مقابل تلك القيود، ومنها حظر هدم العقار كله أو بعضه، أو إخراج جزء منه من جمهورية مصر العربية ليمتنع على مالكه استعماله في كل ما أعده له أو ما يمكن أن يستعمل فيه أو الحصول على أية مزية يمكن أن تتحقق من تصدير جزء منه إلى الخارج، كما غل يده عن تجديد العقار أو تغيير معالمه على أي وجه إلا بموافقة الجهة الإدارية القائمة على شئون الآثار، وبالطريقة التي تراها وبناء على ترخيص منها، كما أوجب عليه الحصول على موافقة كتابية من تلك الجهة عن كل تصرف يرد على العقار لتبدي رأيها فيه خلال أجل معين يعتبر انقضاؤه بغير رد منها بمثابة قرار برفض التصرف، منتهكاً بذلك حرية المالك في التصرف في ملكه، كما أطلق يد الجهة المذكورة في أن تباشر في أي وقت على نفقتها ما تراه من أعمال لازمة لصيانة الأثر، ويظل لها هذه السلطة ولو أصبح ما بالعقار من أثر منقولاً، لتستمر وطأة القيود التي فرضها المشرع مهما طرأ من تغير على حالة العقار حتى ولو لم يبق عقاراً، كما أن حظر نزع ملكية العقار الذي سجل كأثر لا يتضمن ميزة للمالك بل قصد به حرمانه من التعويض الذي يستحقه في حالة نزع الملكية مع بقاء العقار مثقلاً بتلك القيود.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان النص الطعين قد عطل – دون تعويض – كل خيار لمالك العقار في توجيهه الوجهة التي يقدر أنها في صالحه، حائلاًَ بذلك دون الانتفاع به اقتصادياً في الأغراض المقصودة منه، فإنه يتمحض تدميراً للملكية الخاصة لا تسامح فيه أياً كان نطاق المصالح التي يتذرع بها المشرع، ذلك أن مشروعية المصلحة حدها قواعد الدستور، إذ هي مدخلها وقاعدة بنيانها. ولا يتصور أن تقوم مصلحة على خلافها.
وحيث إنه لما كان ما تقدم فإن النص الطعين يكون مصادماً للمادتين 32 و34 من الدستور اللتين كفلتا صون الملكية الخاصة، وأدخل إلى المصادرة بالمخالفة للمادة 36 منه التي لا تجيز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة 13 من قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983 في مجال تطبيقها على الملكية الخاصة، وذلك فيما لم تتضمنه من تعويض المالك عن اعتبار ملكه أثراً، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.