الخط الساخن : 01118881009

جلسة 7 مارس سنة 2004

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة وبحضور السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وعبد الوهاب عبد الرازق ومحمد عبد العزيز الشناوي والدكتور عادل عمر شريف. وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

قاعدة رقم (79)
القضية رقم 105 لسنة 24 قضائية “دستورية”

1 – دعوى دستورية “المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها”.
المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط قبول الدعوى الدستورية – مناطها توافر ارتباط مباشر بينها وبين المصلحة القائمة في النزاع الموضوعي.
2 – ملكية خاصة “حمايتها – القيود التي تفرض عليها”.
الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة تمتد إلى كل أشكالها، وتقيم توازناً دقيقاً بين الحقوق المتفرعة عنها، والقيود التي يجوز فرضها عليها، فلا ترهق هذه القيود تلك الحقوق بما ينال من محتواها أو يقلص من دائرتها.
3 – ملكية خاصة “مصادرة”.
حظر الدستور – إمعاناً في حماية الملكية الخاصة وصونها من الاعتداء عليها بغير حق – المصادرة العامة حظراً مطلقاً، وأوجب أن تكون المصادرة الخاصة بحكم قضائي وليس قرار إداري. علة ذلك.
4 – حق الملكية “حمايته – امتدادها إلي صور كسبها – ادخار – دفاتر توفير البريد”.
إن ضمان الدستور للحق في الملكية لا يقتصر على صون ما يكون قائماً منها فعلاً، وإنما تمتد حمايته إلى فرص كسبها، والأصل فيها الإطلاق، فلا يجوز تقييدها دون ما ضرورة تقتضيها مصلحة مشروعة.
1 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط قبول الدعوى الدستورية – مناطها توافر ارتباط مباشر بينها وبين المصلحة القائمة في النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية لازماً للفصل فيما يرتبط بها من طلبات في الدعوى الموضوعية.
2 – الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة تمتد إلى كل أشكالها، وتقيم توازناً دقيقاً بين الحقوق المتفرعة عنها، والقيود التي يجوز فرضها عليها، فلا ترهق هذه القيود تلك الحقوق بما ينال من محتواها أو يقلص من دائرتها، ولذا لم يجز الدستور المساس بالملكية إلا استثناءً، باعتبارها في الأغلب الأعم من الحالات ثمرة جهد صاحبها، حرص على إنمائها وصونها، آملاً أن يتفيأ ثمارها، متطلعاً أن تكون ردءاً له وذويه في يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بغلتها، ولذا كان لزاماً أن توفر الحماية بوجه عام للأموال بما يعينها على أداء دورها، ويكفل حصد نتاجها، ويقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها، فلم يعد جائزاً أن ينال المشرع من عناصرها ولا أن يغير من طبيعتها، أو يتدخل بتنظيم أوضاع أموال معينة على نحو يودي ببعض أجزائها، أو يقيد مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصباً أدخل إلى مصادرتها.
3 – حظر الدستور – إمعاناً في حماية الملكية الخاصة وصونها من الاعتداء عليها بغير حق – المصادرة العامة حظراً مطلقاً، وأوجب أن تكون المصادرة الخاصة بحكم قضائي وليس قرار إداري، وذلك كي تتوافر لصاحب الحق إجراءات التقاضي وضماناته التي تنتفي بها مظنة العسف والافتئات، ولذا جاء نص المادة (36) من الدستور – الذي حظر المصادرة الخاصة للأموال إلا بحكم قضائي – مطلقاً من كل قيد حتى يعمم حكمه ليشمل المصادرة الخاصة في صورها كافة، وفضلاً عن ذلك، فإذا كان الدستور قد عهد للدولة بحماية الادخار – إدراكاً لأهميته القصوى – ونص على الحث عليه، فليس من الجائز أن يخالف المشرع هذه السيرة، ويغلو في النيل من الادخار بهدم أطره واغتيال حقوق المودعين.
4 – إن ضمان الدستور للحق في الملكية لا يقتصر على صون ما يكون قائماً منها فعلاً، وإنما تمتد حمايته إلى فرص كسبها، والأصل فيها الإطلاق، فلا يجوز تقييدها دون ما ضرورة تقتضيها مصلحة مشروعة، وإذ كان نماء الأموال التي استولت عليها الهيئة القومية للبريد نتج عن مشاق تكبدها أصحابها مع صبرهم على لأواء العيش، وبالتالي فإنه يتمحض عدواناً جلياً على ملكيتهم الخاصة ومصادرة لها ومساساً بحريتهم في اختيار الطريق الأفضل – وفق تقديرهم – لاستثمار أموالهم، وهو ما يناقض إحدى مكونات الحرية الشخصية التي اعتبرها الدستور حقاً طبيعياً لا يقبل التنازل، كما يمثل انصرافاً عن مفهوم الادخار الذي اعتبره الدستور تكليفاً وطنياً يستوجب الحماية والتشجيع، ويحول بذلك دون تراكم رؤوس الأموال رغم مسيس الحاجة إليها لبناء القاعدة النقدية اللازمة للتطور الاقتصادي المنشود.


الإجراءات

بتاريخ الحادي والعشرين من مارس سنة 2002، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (15) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد.
وقدمت كل من هيئة قضايا الدولة والهيئة القومية للبريد مذكرتين طلبتا فيهما الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان قد أقام الدعوى رقم 2 لسنة 2000 مدني كوم امبو ضد المدعى عليهم من الثالث حتى الأخير (في الدعوى الماثلة) بطلب الحكم بالتصريح له باتخاذ إجراءات الطعن بعدم دستورية المادة (15) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد، وإلزام المدعى عليهم بأداء مبلغ (10681.280 جنيه) قيمة ما تم خصمه منه والعائد المستحق عليه، وإلزامهم متضامنين فيما بينهم بأن يؤدوا إليه (15000 جنيه) تعويضاً أدبياً ومادياً عن الأضرار التي أصابته. وقال بياناً لدعواه إنه أودع أمواله في دفتر توفير برقم 9748/ 372 لدى مكتب بريد كوم امبو، وأصبح رصيده فيه بتاريخ 30/ 6/ 1999 مبلغ (31666.280 جنيه)، وكان قد سبق لوالده بصفته ولياً طبيعياً عليه أن فتح له دفتر توفير باسمه يحمل رقم 2533/ 372 بذات مكتب البريد وبرصيد مائة مليم، وبقى هذا الدفتر دون تعامل فيه منذ عام 1989، وعندما تقدم بالدفترين للمراجعة في 22/ 11/ 1999، قامت الإدارة العامة بصندوق التوفير بإلغاء الدفتر الجديد وكان رصيده فيه (28500.230 جنيه) وخصم منه مبلغ (10681.280 جنيه) قيمة العائد المستحق له، مع توحيد الدفترين، وأصبح رصيده بذلك في الدفتر الأول (18247.830 جنيه) فقط، وقد تقدم بشكوى من هذا الإجراء، تم رفضها، مما حدا به إلى إقامة دعواه. قضت المحكمة بجلسة 19/ 8/ 2000 بإلزام المدعى عليه الرابع (في الدعوى الماثلة) بصفته وفي مواجهة المدعى عليهم من الخامس إلى السابع بصفاتهم برد مبلغ (10681.280 جنيه) إلى رصيد المدعي القائم لدى مكتب بريد كوم امبو مضافاً إليه العائد عن الفترة من 28/ 12/ 1999، وإلزام المدعى عليه المذكور بصفته بأن يؤدي للمدعي مبلغ ألف جنيه تعويضاً أدبياً. وإذ لم يرتض المدعى عليه الرابع بصفته هذا الحكم، فلقد أقام الاستئناف رقم 1092 لسنة 19 قضائية أمام محكمة استئناف قنا. ولدى تداول الدعوى دفع المدعي بعدم دستورية نص المادة (15) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد، وبعد تقدير المحكمة لجدية دفعه وتصريحها له بإقامة دعواه الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن المادة (15) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد وبإلغاء القانون رقم 86 لسنة 1954 بشأن صندوق توفير البريد والقانون رقم 107 لسنة 1963 في شأن البريد تنص على أنه: – “لكل شخص طبيعي أو اعتباري الحق في التعامل مع الصندوق، ولمجلس إدارة الهيئة تحديد أنواع الحسابات والحدين الأول والأقصى للوديعة في نطاق السياسة العامة للادخار.
ولا يجوز أن يكون للشخص الواحد أكثر من دفتر توفير، فإذا ظهر في أي وقت أن له أكثر من دفتر فإن المبالغ المودعة في غير الدفتر الأول لا يحسب عليها عائد ولا تسري عليها أحكام المادة 18”.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط قبول الدعوى الدستورية – مناطها توافر ارتباط مباشر بينها وبين المصلحة القائمة في النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية لازماً للفصل فيما يرتبط بها من طلبات في الدعوى الموضوعية، وإذ كان مبنى النزاع الموضوعي يدور حول مطالبة المدعي برد المبلغ الذي خصم من رصيده بدفتر توفير البريد بناء على نص الفقرة الثانية من المادة (15) من القانون رقم 16 لسنة 1970 سالف الذكر، مع تعويضه عن الأضرار التي حاقت به، فإن القضاء بعدم دستورية هذا النص سيؤدي إلى إجابة طلبات المدعي الموضوعية، ومن ثم تكون له مصلحة شخصية في الطعن عليه، وبه وحده يتحدد نطاق الدعوى الدستورية.
وحيث إن المدعي ينعى على النص الطعين الإخلال بالحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة، ومصادرة أمواله بلا مقتض ودون حكم قضائي بذلك، فضلاً عن إهداره على نحو بين مبدأ الادخار الذي تحميه الدولة وتحث عليه، بما يشكل مخالفة للمواد (34 – 36 – 39) من الدستور.
وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك أن المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة، أن الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة تمتد إلى كل أشكالها، وتقيم توازناً دقيقاً بين الحقوق المتفرعة عنها، والقيود التي يجوز فرضها عليها، فلا ترهق هذه القيود تلك الحقوق بما ينال من محتواها أو يقلص من دائرتها، ولذا لم يجز الدستور المساس بالملكية إلا استثناءً، باعتبارها في الأغلب الأعم من الحالات ثمرة جهد صاحبها، حرص على إنمائها وصونها، آملاً أن يتفيأ ثمارها، متطلعاً أن تكون ردءاً له وذويه في يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بغلتها، ولذا كان لزاماً أن توفر الحماية بوجه عام للأموال بما يعينها على أداء دورها، ويكفل حصد نتاجها، ويقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها، فلم يعد جائزاً أن ينال المشرع من عناصرها ولا أن يغير من طبيعتها، أو يتدخل بتنظيم أوضاع أموال معينة على نحو يودي ببعض أجزائها، أو يقيد مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصباً أدخل إلى مصادرتها. وإذا كان الدستور – إمعاناً في حماية الملكية الخاصة وصونها من الاعتداء عليها بغير حق – حظر المصادرة العامة حظراً مطلقاً، وأوجب أن تكون المصادرة الخاصة بحكم قضائي وليس قرار إداري، وذلك كي تتوافر لصاحب الحق إجراءات التقاضي وضماناته التي تنتفي بها مظنة العسف والافتئات، ولذا جاء نص المادة (36) من الدستور – الذي حظر المصادرة الخاصة للأموال إلا بحكم قضائي – مطلقاً من كل قيد حتى يعمم حكمه ليشمل المصادرة الخاصة في صورها كافة، وفضلاً عن ذلك، فإذا كان الدستور قد عهد للدولة بحماية الادخار – إدراكاً لأهميته القصوى – ونص على الحث عليه، فليس من الجائز أن يخالف المشرع هذه السيرة، ويغلو في النيل من الادخار بهدم أطره واغتيال حقوق المودعين.
وحيث إن نص الفقرة الثانية من المادة (15) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام التوفير – المطعون عليه – ينتقص دون مقتضى من أموال المخاطبين بحكمه، ويوقع بهم جزاء باهظاً لقاء قيامهم بفتح أكثر من دفتر توفير بريدي، وهو ما يتنافى مع الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة كلما كان مصدرها مشروعاً، ذلك أن ضمان الدستور للحق في الملكية لا يقتصر على صون ما يكون قائماً منها فعلاً، وإنما تمتد حمايته إلى فرص كسبها، والأصل فيها الإطلاق، فلا يجوز تقييدها دون ما ضرورة تقتضيها مصلحة مشروعة، وإذ كان نماء الأموال التي استولت عليها الهيئة القومية للبريد نتج عن مشاق تكبدها أصحابها مع صبرهم على لأواء العيش، وبالتالي فإنه يتمحض عدواناً جلياً على ملكيتهم الخاصة ومصادرة لها ومساساً بحريتهم في اختيار الطريق الأفضل – وفق تقديرهم – لاستثمار أموالهم، وهو ما يناقض إحدى مكونات الحرية الشخصية التي اعتبرها الدستور حقاً طبيعياً لا يقبل التنازل، كما يمثل انصرافاً عن مفهوم الادخار الذي اعتبره الدستور تكليفاً وطنياً يستوجب الحماية والتشجيع، ويحول بذلك دون تراكم رؤوس الأموال رغم مسيس الحاجة إليها لبناء القاعدة النقدية اللازمة للتطور الاقتصادي المنشود.
وحيث إنه لما تقدم، يكون النص المطعون فيه قد خالف أحكام المواد (34 – 36 – 39) من الدستور

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (15) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.