الخط الساخن : 01118881009

جلسة 3 إبريل سنة 1999

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم (30)
القضية رقم 133 لسنة 19 قضائية “دستورية”

1 – دعوى دستورية “المصلحة الشخصية المباشرة: نطاق الدعوى”.
شرط المصلحة يحدد للخصومة الدستورية نطاقها، فلا تندرج تحتها إلا النصوص التشريعية التي يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها بصفة مباشرة على النزاع الموضوعي دون ما سواها.
2 – منازعات إدارية “مجلس الدولة – استثناء”.
عموم ولاية مجلس الدولة وانبساطها على المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية بمختلف أشكالها لا يعني غل يد المشرع عن استثناء إسناد الفصل في بعضها إلى جهات قضائية أخرى – هذا الاستثناء يكون بالقدر وفي الحدود التي يقتضيها الصالح العام، وفي إطار التفويض المخول للمشرع بنص المادة 167 من الدستور.
3 – أعمال قضائية “خصائصها”.
ثمة عناصر تعين على إبراز الخصائص الرئيسية للعمل القضائي – استقلال الجهة المعهود إليها بالفصل في النزاع – إثارة النزاع المطروح عليها ادعاء قانونياً يبلور الحق في الدعوى – إطار الفصل فيه محدد بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية، وعلى ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفاً.
4 – دستور “المادة 169” – حكم “سرية”.
اقتصار ما قررته هذه المادة من النطق بالحكم في جلسة علنية على الأحكام الصادرة من المحاكم بالمعنى الضيق دون سواها من الهيئات القضائية.
5 – تشريع “قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972: مجالس تأديب المحضرين: قاضي طبيعي”.
إسناد المشرع ولاية الفصل في الدعاوى التأديبية المقامة ضد المحضرين بالمحاكم الابتدائية فصلاً قضائياً لمجالس التأديب المقررة بهذا القانون لا إخلال فيه بالولاية المعقودة لمجلس الدولة في شأنها – هذه المجالس أضحت القاضي الطبيعي للمحضرين في شأن تلك المنازعات.
6 – مبدأ تكافؤ الفرص “مضمونه”.
مضمون هذا المبدأ إنما يتصل بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها – إعماله يقع عند التزاحم عليها – غاية الحماية الدستورية لتلك الفرص تقرير أولوية في مجال الانتفاع بها لبعض المتزاحمين عليها – تحديد هذه الأولوية وفق أسس موضوعية يقتضيها الصالح العام.
7 – مبدأ المساواة أمام القانون “إعماله”.
إعمال هذا المبدأ يفترض تماثل المراكز القانونية في نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعي.
8 – سلطة قضائية “استقلالها – حيدتها – مواثيق دولية”.
حيدة السلطة القضائية عنصر فاعل في صون رسالتها لا تقل شأناً عن استقلالها بما يؤكد تكاملهما – التأكيد على ذلك في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
9 – حق التقاضي “مؤداه: ترضية قضائية”.
حق التقاضي المقرر بنص المادة 68 من الدستور مؤداه أن لكل خصومة في نهاية مطافها حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التي يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها – تقرير هذه الترضية يلزم أن يكون عائداً إلى هيئة قضائية توافر لها استقلالها وحيدتها.
10 – تشريع “الفقرة الثانية من المادة 167، المادة 168 من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972: حيدة”.
إخلال ما تضمنته هاتان المادتان من اشتراك رئيس المحكمة الذي طلب إقامة الدعوى التأديبية في مجلس تأديب محضري المحكمة الابتدائية بضمانة الحيدة.
1 – إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط يلزم تحققه لقبول الدعوى الدستورية – يحدد للخصومة الدستورية نطاقها، فلا تندرج تحتها إلا النصوص التشريعية التي يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها مباشرة على النزاع الموضوعي دون ما سواها.
2 – مجلس الدولة قد غدا وفقاً لنص المادة 172 من الدستور قاضي القانون العام في المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية، وكان قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 وقد ردد هذا الأصل بنص مادته العاشرة؛ إلا أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن عموم هذه الولاية وانبساطها على المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية بمختلف أشكالها وتعدد صورها لا يعني غل يد المشرع عن إسناد الفصل في بعضها إلى جهات قضائية أخرى، على أن يكون ذلك استثناء من الأصل العام وبالقدر وفي الحدود التي يقتضيها الصالح العام، وفي إطار التفويض المخول للمشرع بنص المادة 167 من الدستور في شأن تحديد الهيئات القضائية واختصاصاتها وتنظيم طريقة تشكيلها.
3 – التمييز بين الأعمال القضائية وبين غيرها من الأعمال التي قد تلتبس بها، إنما يقوم على مجموعة من العناصر لا تحدد بها ضوابط هذا التمييز على وجه قطعي، ولكنها تعين على إبراز الخصائص الرئيسية للعمل القضائي، ومن بينها أن إسباغ الصفة القضائية على أعمال أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل في نزاع معين، يفترض أن يكون تشكليها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند الفصل في النزاع ومؤدين إلى غيريتها في مواجهة أطرافه، وأنه في كل حال يتعين أن يثير النزاع المطروح عليها ادعاء قانونياً يبلور الحق في الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها وبوصفها الوسيلة التي عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، بمراعاة أن يكون إطار الفصل فيها محدداً بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية التي لا يجوز النزول عنها، وعلى ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفاً ليكون القرار الصادر في النزاع مؤكداً للحقيقة القانونية، مبلوراً لمضمونها، لتفرض نفسها على كل من ألزمه المشرع بها، بافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة.
4 – المادة 169 من الدستور – فيما قررته من علنية جلسات المحاكم إلا إذا قررت جعلها سرية مراعاة للنظام العام أو الآداب، وأوجبته من النطق بالحكم في جلسة علنية – إنما يقتصر حكمها على الأحكام التي تصدر من المحاكم بالمعنى الضيق دون سواها من الهيئات القضائية.
5 – المحضرون إنما يعاونون بعملهم في قيام السلطة القضائية بمهامها، وتبدو خطورة العمل المنوط بهم من أن إعلان صحف الدعاوى – الذي يتولونه – إنما يتوافر به للخصومة القضائية أحد أركان انعقادها، بل إن هذه الخصومة لن تؤتي ثمرتها إلا بتحصيل المتقاضين لحقوقهم المقضى بها، والتي يتم إنفاذها – بوساطة المحضرين – جبراً على المحكوم عليهم بها، ومن ثم فإن إخلالهم بواجبات وظائفهم إنما ينعكس على أداء الوظيفة القضائية، فيعوق سيرها على الوجه المرجو ويعرقل انضباطها، ويعطل اقتضاء الحقوق المقضى بها، وبهذه المثابة تكون مجالس التأديب المشكلة بالمحاكم – وعلى الأخص بالنسبة إلى تشكيلها – أكثر إدراكاً من غيرها بأوجه القصور التي قد تعتري عمل المحضرين لديها، وأقدر بالتالي على مؤاخذتهم تأديبياً عنها؛ إذ كان ذلك، فإن المشرع – وفي حدود ما يملكه من إسناد الفصل في بعض المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية إلى جهة قضائية أخرى غير مجلس الدولة تحقيقاً للصالح العام – لا يكون بالنصوص التشريعية المطعون فيها قد خالف المادة 172 من الدستور. وإذ اختص المشرع تلك المجالس بولاية الفصل في الدعاوى التأديبية المقامة ضد المحضرين بالمحاكم الابتدائية فصلاً قضائياً، فقد أضحت هي قاضيهم الطبيعي في شأنها، الأمر الذي لا ينطوي على أية مخالفة – من هذه الناحية – لحكم المادة 68 من الدستور.
6 – مبدأ تكافؤ الفرص الذي تكفله الدولة للمواطنين وفقاً لنص المادة 8 من الدستور إنما يتصل بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها، وأن إعماله يقع عند التزاحم عليها، وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية – في مجال الانتفاع بها – لبعض المتزاحمين على بعض، وهي أولوية تتحدد وفق أسس موضوعية يقتضيها الصالح العام.
7 – إعمال مبدأ المساواة أمام القانون – وما يقتضيه من الحماية القانونية المتكافئة – يفترض تماثل المراكز القانونية في نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعي، ومعاملتها بالتالي على ضوء قاعدة موحدة لا تفرق بين أصحابها بما ينال من مضمون الحقوق التي يتمتعون بها.
8 – استقلال السلطة القضائية، وإن كان لازماً لضمان موضوعية الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التي يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم وحرياتهم، إلا أن حيدتها عنصر فاعل في صون رسالتها لا تقل شأناً عن استقلالها بما يؤكد تكاملهما، ذلك أن استقلال السلطة القضائية، يعني أن تعمل بعيداً عن أشكال التأثير التي توهن عزائم رجالها، فيميلون معها عن الحق إغواء وإرغاماً، ترغيباً أو ترهيباً، فإذا كان انصرافهم عن إنفاذ الحق تحاملاً من جانبهم على أحد الخصوم، وانحيازاً لغيره، كان ذلك منافياً لضمانة التجرد عند الفصل في الخصومة القضائية، ولحقيقة أن العمل القضائي لا يجوز أن يثير ظلالاً قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه متقاضون داخلهم الريب فيه بعد أن صار نائياً عن القيم الرفيعة للوظيفة القضائية. يؤيد ذلك.
أولاً: أن إعلان المبادئ الأساسية في شأن استقلال القضاء التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقراريها الصادرين في 29/ 1/ 1985، 13/ 12/ 1985 يؤكد بوضوح أن المنازعات التي تدخل في اختصاص السلطة القضائية، ينبغي الفصل فيها بطريقة محايدة، وعلى ضوء وقائعها ووفقاً لحكم القانون بشأنها، مع تجرد قضاتها من عوامل التأثير أو التحريض، وكذلك من كل صور الضغوط أو التهديد أو التدخل غير المشروع – مباشراً كان أم غير مباشر – وأياً كان مصدرها أو سببها.
ثانياً: أن استقلال السلطة القضائية وحيدتها ضمانتان تنصبان معاً على إدارة العدالة بما يكفل فاعليتها، وهما بذلك متلازمتان. وإذا جاز القول – وهو صحيح – بأن الخصومة القضائية لا يستقيم الفصل فيها حقاً وعدلاً إذا خالطتها عوامل تؤثر في موضوعية القرار الصادر بشأنها، فقد صار أمراً مقضياً أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها في مجال اتصالهما بالفصل في الحقوق انتصافاً، لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها فلا تعلو إحداهما على أخراهما أو تجبها بل تتضاممان وتتكافآن قدراً.
ثالثاً: أن ضمانة الفصل إنصافاً في المنازعات على اختلافها وفق نص المادة 67 من الدستور، تمتد بالضرورة إلى كل خصومة قضائية، أياً كانت طبيعة موضوعها جنائياً كان أم مدنياً أو تأديبياً إذ أن التحقيق في هذه الخصومات وحسمها إنما يتعين إسناده إلى جهة قضاء أو هيئة قضائية منحها القانون اختصاص الفصل فيها بعد أن كفل استقلالها وحيدتها وأحاط الحكم الصادر فيها بضمانات التقاضي التي يندرج تحتها حق كل خصم في عرض دعواه وطرح أدلتها، والرد على ما يعارضها على ضوء فرص يتكافأ أطرافها، ليكون تشكيلها وقواعد تنظيمها وطبيعة النظم المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، محدداً للعدالة مفهوماً تقدمياً يلتئم مع المقاييس المعاصرة للدولة المتحضرة.
9 – حق التقاضي المنصوص عليه في المادة 68 من الدستور مؤداه أن لكل خصومة – في نهاية مطافها – حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التي يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها، وتفترض هذه الترضية أن يكون مضمونها موافقاً لأحكام الدستور، وهي لا تكون كذلك إذا كان تقريرها عائداً إلى جهة أو هيئة تفتقر إلى استقلالها أو حيدتها أو هما معاً، ذلك أن هاتين الضمانتين – وقد فرضهما الدستور على ما تقدم – تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعي للخصومة القضائية على خلافهما.
10 – إن الفصل في الدعوى التأديبية المقامة ضد أحد محضري المحاكم الابتدائية معقود بنص الفقرة الثانية من المادة 167 من قانون السلطة القضائية، لمجلس التأديب، باعتباره هيئة ذات اختصاص قضائي يشارك فيه رئيس المحكمة الابتدائية الذي أجازت له المادة 168 أن تقام هذه الدعوى بناء على طلبه، وكان الأصل ألا يطلب إقامتها قبل أن يستكمل التحقيق مجراه، وأن يكون قد جال ببصره فيه بعد عرضه عليه مرجحاً – على ضوء اعتقاده – ما إذا كان بنيانه متماسكاً أو متهادماً، منتهياً من ذلك إلى المضي في الدعوى التأديبية أو التخلي عنها، وكان ذلك لا يعدو أن يكون رأياً مؤثراً في موضوعية تلك الخصومة وحائلاً دون تأسيسها على ضمانة الحيدة التي لا يجوز إسقاطها عن أحد المتقاضين لتسعهم جميعاً على تباينهم.


الإجراءات

بتاريخ الرابع والعشرين من يونيو سنة 1997، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية المواد 166، 167، 168، 169 من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى، واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المستشار رئيس محكمة شمال القاهرة الابتدائية كان قد أصدر قراراً بإحالة المدعي – ويعمل بوظيفة محضر بمحكمة المطرية الجزئية – إلى مجلس التأديب المشكل بالمحكمة وقيدت الدعوى التأديبية برقم 26 لسنة 1996 لمحاكمته تأديبياً عما هو منسوب إليه من مخالفات مبينة في قرار الإحالة. وإذ دفع المدعي – أثناء نظر الدعوى التأديبية – بعدم دستورية المواد أرقام 166، 167، 168، 169 من قانون السلطة القضائية، وقدر مجلس التأديب جدية هذا الدفع، فقد صرح له برفع دعواه الدستورية فأقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن المواد الطعينة تنص على ما يأتي:
مادة 166: “لا توقع العقوبات إلا بحكم من مجلس التأديب، ومع ذلك فلإنذار أو الخصم من المرتب يجوز أن يكون بقرار من رؤساء المحاكم بالنسبة إلى الكتاب والمحضرين والمترجمين ومن النائب العام ومن رؤساء النيابات بالنسبة إلى كتاب النيابات، ولا يجوز أن يزيد الخصم في المرة الواحدة على مرتب خمسة عشر يوماً ولا يزيد على ثلاثين يوماً في السنة الواحدة”.
مادة 167: “يشكل مجلس التأديب في محكمة النقض وفي كل محكمة من محاكم الاستئناف من مستشار تنتخبه الجمعية العامة ومن المحامي العام وكبير كتاب المحكمة.
وفي المحاكم الابتدائية والنيابات من رئيس المحكمة، ورئيس النيابة أو من يقوم مقامهما وكبير الكتاب، ويستبدل كبير المحضرين عند محاكمة أحد المحضرين ورئيس القلم الجنائي عند محاكمة أحد كتاب النيابات.
وفي حالة محاكمة كبير الكتاب وكبير المحضرين أو رئيس القلم الجنائي يندب وزير العدل من يحل محله في مجلس التأديب ممن يكونون في درجته على الأقل”.
مادة 168: “يجوز أن تقام الدعوى التأديبية ضد موظفي المحاكم والنيابات بناء على طلب رئيس المحكمة بالنسبة لموظفي المحاكم، وبناء على طلب النائب العام أو رئيس النيابة بالنسبة لموظفي النيابات”.
مادة 169: “تتضمن ورقة الاتهام التي تعلن بأمر رئيس مجلس التأديب التهمة أو التهم المنسوبة إلى المتهم وبياناً موجزاً بالأدلة واليوم المحدد للمحاكمة، ويحضر المتهم بشخصه أمام المجلس، وله أن يقدم دفاعه كتابة وأن يوكل عنه محامياً وتجرى المحاكمة في جلسة سرية”.
وحيث إن المدعي ينعى على نصوص المواد المشار إليها أنها أخضعت العاملين بالمحاكم لنظام تأديبي استُلبت بمقتضاه ولاية قضاء التأديب من مجلس الدولة بحسبانه قاضيهم الطبيعي في أنزعتهم التأديبية الذي اختصه الدستور بها وفقاً للمادة 172، واستعاضت عنه بمجالس تأديب، تنقص أعضاءها الخبرة بالقواعد القانونية التي تحكم الخصومات التأديبية ولا تعدو بهذه المثابة أن تكون لجاناً إدارية ذات اختصاص قضائي ولا تتوافر فيها ضمانات التقاضي التي يكفلها النظام القضائي بمجلس الدولة لأقرانهم من العاملين المدنيين، الأمر الذي يخل بمبدأي تكافؤ الفرص ومساواة المواطنين في الحقوق والواجبات، اللذين قرر الدستور أولهما في المادة 8 وثانيهما في المادة 40، ذلك فضلاً عن أن المادتين 167، 168 الطعينتين إذ أجازتا لرئيس المحكمة الابتدائية الجمع بين سلطتي الاتهام والمحاكمة فإنهما تكونان قد أخلتا بمبدأ حياد القاضي، فلا يستقيم للعدالة ولا لحق التقاضي من ثم ضماناتهما.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط يلزم تحققه لقبول الدعوى الدستورية – يحدد للخصومة الدستورية نطاقها، فلا تندرج تحتها إلا النصوص التشريعية التي يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها مباشرة على النزاع الموضوعي دون ما سواها: إذ كان ذلك، وكان المدعي يعمل بوظيفته محضر تابع لمحكمة شمال القاهرة الابتدائية، وتمثلت المنازعة الموضوعية – التي أقيمت الدعوى الماثلة بمناسبتها – في محاكمته تأديبياً أمام مجلس تأديب بها لمعاقبته عما أسند إليه من مخالفات مخلة بواجبات وظيفته، فإن مصلحته الشخصية المباشرة إنما تقتصر على ما تعلق من نصوص المواد المطعون عليها بمحضري المحاكم الابتدائية دون غيرهم من المخاطبين بأحكامها، وفي حدود ما يتصل منها بمحاكمتهم التأديبية، ومن ثم يتحدد نطاق الخصومة الدستورية الراهنة فيما أوجبته المادة 166 من أن العقوبات التأديبية لا توقع إلا بحكم من مجلس التأديب، وما فضت به المادة 167 من أن يشكل مجلس التأديب في المحاكم الابتدائية من رئيس المحكمة ورئيس النيابة أو من يقوم مقامهما وكبير المحضرين عند محاكمة أحد المحضرين، وفيما أجازته المادة 168 لرئيس المحكمة من طلب إقامة الدعوى التأديبية ضد المحضرين في المحاكم؛ ولا يغير من ذلك ما ذهبت إليه هيئة قضايا الدولة من عدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة تأسيساً على أن الفصل بين سلطتي رئيس المحكمة في الاتهام والمحاكمة، قد تحقق بالفعل – بالنسبة إلى المدعي – بتخلي رئيس المحكمة الابتدائية، عن المشاركة في مجلس التأديب الذي قرر إحالته إليه مما تنتفي معه مصلحته في الطعن بعدم دستورية المادة 167 المشار إليها؛ ذلك أن الأصل في تعيين مجال تطبيق النصوص التشريعية هو أن تتحدد مضامينها على ضوء موضوعها وبمراعاة مقاصدها، وبما لا يخرج ألفاظ النص وعباراته عن سياقها، مما يلزم معه أن تؤخذ هذه النصوص على ضوء كل الصور التي يتحقق فيها معناها، إذ كان ذلك، وكان نص المادة 167 المطعون فيه قد أوكل إلى رئيس المحكمة – أو من يقوم مقامه – المشاركة في مجلس التأديب، بما مؤداه أن إنابة غيره وجلوسه محله لا يمنع رئيس المحكمة الابتدائية وهو الأصيل من أن يقرر المشاركة في المجلس حين يشاء، فإن تطبيق نص هذه المادة في شأن المدعي يقيم له مصلحة شخصية مباشرة في طلب القضاء بعدم دستوريته، إذ ببطلانها – إذا ما قضى بذلك يغدو رئيس المحكمة غير صالح للفصل في الدعوى التأديبية التي طلب إقامتها ضد المدعي.
وحيث إنه بالنسبة لما ينعاه المدعي من أن النصوص التشريعية المطعون فيها قد انتزعت ولاية قضاء التأديب من مجلس الدولة وعهدت بها إلى مجالس تأديب لا تتوافر أمامها مقومات التقاضي وضماناته الرئيسية، فإنه وإن كان مجلس الدولة قد غدا وفقاً لنص المادة 172 من الدستور قاضي القانون العام في المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية، وكان قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 وقد ردد هذا الأصل بنص مادته العاشرة؛ إلا أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن عموم هذه الولاية وانبساطها على المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية بمختلف أشكالها وتعدد صورها لا يعني غل يد المشرع عن إسناد الفصل في بعضها إلى جهات قضائية أخرى، على أن يكون ذلك استثناء من الأصل المخول للمشرع بنص المادة 167 من الدستور في شأن تحديد الهيئات القضائية واختصاصاتها وتنظيم طريقة تشكيلها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن التمييز بين الأعمال القضائية وبين غيرها من الأعمال التي قد تلتبس بها، إنما يقوم على مجموعة من العناصر لا تتحدد بها ضوابط هذا التمييز على وجه قطعي، ولكنها تعين على إبراز الخصائص الرئيسية لعمل القضائي، ومن بينها أن إسباغ الصفة القضائية على أعمال أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل في نزاع معين، يفترض أن يكون تشكليها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند الفصل في النزاع ومؤدين إلى غيريتها في مواجهة أطرافه، وأنه في كل حال يتعين أن يثير النزاع المطروح عليها ادعاء قانونياً يبلور الحق في الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها وبوصفها الوسيلة التي عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، بمراعاة أن يكون إطار الفصل فيها محدداً بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية التي لا يجوز النزول عنها، وعلى ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفاً ليكون القرار الصادر في النزاع مؤكداً للحقيقة القانونية، مبلوراً لمضمونها، لتفرض نفسها على كل من ألزمه المشرع بها، بافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة.
وحيث إن البين من أحكام قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 أنه اعتبر المحضرين – بنص المادة 131 – من أعوان القضاء، ونظم في الباب الخامس منه شئون العاملين بالمحاكم. ومنهم المحضرون، ونص في المادة 136 على أنه فيما عدا ما نص عليه فيه تسري على العاملين بالمحاكم الأحكام العامة للعاملين المدنيين في الدولة، كما فرض على أولئك العاملين واجبات بعينها ترتد إلى الطبيعة الخاصة للعمل المنوط بهم، كما نظم في الفصل السادس من هذا الباب – الذي وردت فيه النصوص المطعون فيها – تأديب هؤلاء العاملين على النحو السابق بيانه في المواد من 166 إلى 169 من ذلك القانون.
وحيث إن مؤدى النصوص المشار إليها أن مجلس تأديب محضري المحاكم الابتدائية يغلب على تشكيله العنصر القضائي، وأنه يفصل – باعتباره سلطة تأديبية – فيما يدخل في اختصاصه بعد إعلان المتهم بما هو منسوب إليه، وباليوم المحدد للمحاكمة، وأن له أن يمثل بشخصه أمامه وأن المشرع قد كفل له كذلك حق الدفاع، إذ أتاح له الفرصة الكاملة لإبداء أقواله وتقديم دفاعه كتابة، سواء بنفسه أو بمحام موكل عنه، بما يمكنه من مجابهة التهم المسندة إليه، ودحض ما قدم ضده من أدلة عليها، كما أن مجلس التأديب إذ يستنفد ولايته بإصدار حكمه فإن الجهة الإدارية ينغلق عليها المساس بذلك الحكم. وكان ما أوجبه المشرع من سرية المحاكمة لا مأخذ عليه، لما هو مقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – من أن المادة 169 من الدستور – فيما قررته من علنية جلسات المحاكم إلا إذا قررت جعلها سرية مراعاة للنظام العام أو الآداب، وأوجبته من النطق بالحكم في جلسة علنية – إنما يقتصر حكمها على الأحكام التي تصدر من المحاكم بالمعنى الضيق دون سواها من الهيئات القضائية، وكانت تلك النصوص قد انطوت – بذلك – على ضمانات قضائية تحقيقاً لمحكمة منصفة وانتهاجاً لضوابطها إذ كان ذلك، وكان مجلس التأديب يفصل في الخصومة التأديبية المطروحة عليه في ضوء قواعد إجرائية وموضوعية محددة على النحو السالف الإشارة إليه، فإن المشرع يكون قد أقام من هذا المجلس هيئة ذات اختصاص قضائي تختص بالنظر فيما أوكله إليها من دعاوى تأديبية والفصل فيها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان المحضرون إنما يعاونون بعملهم في قيام السلطة القضائية بمهامها، وتبدو خطورة العمل المنوط بهم من أن إعلان صحف الدعاوى – الذي يتولونه – إنما يتوافر به للخصومة القضائية أحد أركان انعقادها، بل إن هذه الخصومة لن تؤتي ثمرتها إلا بتحصيل المتقاضين لحقوقهم المقضى بها، والتي يتم إنفاذها – بوساطة المحضرين – جبراً على المحكوم عليهم بها، ومن ثم فإن إخلالهم بواجبات وظائفهم إنما ينعكس على أداء الوظيفة القضائية، فيعوق سيرها على الوجه المرجو ويعرقل انضباطها، ويعطل اقتضاء الحقوق المقضى بها، وبهذه المثابة تكون مجالس التأديب المشكلة بالمحاكم – وعلى الأخص بالنسبة إلى تشكيلها – أكثر إدراكاً من غيرها بأوجه القصور التي قد تعتري عمل المحضرين لديها، وأقدر بالتالي على مؤاخذتهم تأديبياً عنها؛ إذ كان ذلك، فإن المشرع – وفي حدود ما يملكه من إسناد الفصل في بعض المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية إلى جهة قضائية أخرى غير مجلس الدولة تحقيقاً للصالح العام – لا يكون بالنصوص التشريعية المطعون فيها قد خالف المادة 172 من الدستور. وإذ اختص المشرع تلك المجلس بولاية الفصل في الدعاوى التأديبية المقامة ضد المحضرين بالمحاكم الابتدائية فصلاً قضائياً، فقد أضحت هي قاضيهم الطبيعي في شأنها، الأمر الذي لا ينطوي على أية مخالفة – من هذه الناحية – لحكم المادة 68 من الدستور.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من إخلال النصوص المطعون عليها بمبدأ تكافؤ الفرص الذي تكفله الدولة للمواطنين وفقاً لنص المادة 8 من الدستور إنما يتصل بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها، وأن إعماله يقع عند التزاحم عليها، وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية – في مجال الانتفاع بها – لبعض المتزاحمين على بعض، وهي أولوية تتحدد وفق أسس موضوعية يقتضيها الصالح العام، إذ كان ذلك, فإن النعي بمخالفة النصوص الطعينة لمبدأ تكافؤ الفرص لا يكون له محل، إذ لا صلة لها بفرص قائمة يجري التزام عليها.
وحيث إن المدعي ينعى على النصوص الطعينة إخلالها بمبدأ المساواة أمام القانون – وإذ كان إعمال هذا المبدأ – وما يقتضيه من الحماية القانونية المتكافئة – يفترض تماثل المراكز القانونية في نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعي، ومعاملتها بالتالي على ضوء قاعدة موحدة لا تفرق بين أصحابها بما ينال من مضمون الحقوق التي يتمتعون بها، وكانت النصوص التشريعية المطعون عليها قد نظمت تأديب المحضرين العاملين في المحاكم الابتدائية، وقد تقرر هذا التنظيم لأغراض مشروعة ووفق أسس موضوعية لا تقيم في مجال تطبيقها تمييزاً منهياً عنه بين المخاطبين بها، فإن قالة إخلال النصوص الطعينة بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة 40 من الدستور، تكون لغواً.
وحيث إن النعي على المادتين 167، 168 إخلالهما بمبدأ حياد القاضي، سديد في جوهره، ذلك أن ضمانة الحيدة – في نطاق النزاع الماثل – إنما تتصل أساساً بما إذا كان يجوز لرئيس المحكمة الابتدائية أن يفصل في منازعة تأديبية من طبيعة قضائية سبق أن أبدى رأياً فيها أو اتخذ موقفاً منها. إذ على ضوء ذلك يرتبط الفصل في دستورية تشكيل مجلس التأديب، بما إذا كان الإخلال بضمانة حيدة رئيسه وأعضائه يعتبر إهداراً لأحد الحقوق التي كفلها الدستور، فلا يتم الفصل إنصافاً في الخصومة القضائية مع غيابها، أم أن هذه الضمانة لا ترقى بوزنها إلى مرتبة الحقوق التي تستمد من الدستور أصلها، فلا ينافيها إلغاؤها أو تقييدها بقانون تقره السلطة التشريعية في حدود سلطتها التقديرية.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن استقلال السلطة القضائية، وإن كان لازماً لضمان موضوعية الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التي يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم وحرياتهم، إلا أن حيدتها عنصر فاعل في صون رسالتها لا تقل شأناً عن استقلالها بما يؤكد تكاملهما، ذلك أن استقلال السلطة القضائية، يعني أن تعمل بعيداً عن أشكال التأثير التي توهن عزائم رجالها، فيميلون معهاً عن الحق إغواء وإرغاماً، ترغيباً أو ترهيباً، فإذا كان انصرافهم عن إنفاذ الحق تحاملاً من جانبهم على أحد الخصوم، وانحيازاً لغيره، كان ذلك منافياً لضمانة التجرد عند الفصل في الخصومة القضائية، ولحقيقة أن العمل القضائي لا يجوز أن يثير ظلالاً قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه متقاضون داخلهم الريب فيه بعد أن صار نائباً عن القيم الرفيعة للوظيفة القضائية. يؤيد ذلك:
أولاً: أن إعلان المبادئ الأساسية في شأن استقلال القضاء التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقراريها الصادرين في 29/ 1/ 1985، 13/ 12/ 1985 يؤكد بوضوح أن المنازعات التي تدخل في اختصاص السلطة القضائية، ينبغي الفصل فيها بطريقة محايدة، وعلى ضوء وقائعها ووفقاً لحكم القانون بشأنها، مع تجرد قضاتها من عوامل التأثير أو التحريض، وكذلك من كل صور الضغوط أو التهديد أو التدخل غير المشروع – مباشراً كان أم غير مباشر – وأياً كان مصدرها أو سببها.
ثانياً: أن استقلال السلطة القضائية وحيدتها ضمانتان تنصبان معاً على إدارة العدالة بما يكفل فعاليتها، وهما بذلك متلازمتان. وإذا جاز القول – وهو صحيح – بأن الخصومة القضائية لا يستقيم الفصل فيها حقاً وعدلاً إذا خالطتها عوامل تؤثر في موضوعية القرار الصادر بشأنها، فقد صار أمراً مقضياً أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها في مجال اتصالهما بالفصل في الحقوق انتصافاً، لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها فلا تعلو إحداهما على أخراهما أو تجبها بل تتضاممان تكاملاً وتتكافآن قدراً.
ثالثاً: أن ضمانة الفصل إنصافاً في المنازعات على اختلافها وفق نص المادة 67 من الدستور، تمتد بالضرورة إلى كل خصومة قضائية، أياً كانت طبيعة موضوعها جنائياً كان أم مدنياً أو تأديبياً إذ أن التحقيق في هذه الخصومات وحسمها إنما يتعين إسناده إلى جهة قضاء أو هيئة قضائية منحها القانون اختصاص الفصل فيها بعد أن كفل استقلالها وحيدتها وأحاط الحكم الصادر فيها بضمانات التقاضي التي يندرج تحتها حق كل خصم في عرض دعواه وطرح أدلتها، والرد على ما يعارضها على ضوء فرص يتكافأ أطرافها، ليكون تشكيلها وقواعد تنظيمها وطبيعة النظم المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها عملاً، محدداً للعدالة مفهوماً تقدمياً يلتئم مع المقاييس المعاصرة للدولة المتحضرة.
وحيث إن حق التقاضي المنصوص عليه في المادة 68 من الدستور مؤداه أن لكل خصومة – في نهاية مطافها – حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التي يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها، وتفترض هذه الترضية أن يكون مضمونها موافقاً لأحكام الدستور، وهي لا تكون كذلك إذا كان تقريرها عائداً إلى جهة أو هيئة تفتقر إلى استقلالها أو حيدتها أو هما معاً، ذلك أن هاتين الضمانتين – وقد فرضهما الدستور على ما تقدم – تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعي للخصومة القضائية على خلافهما.
وحيث إن إخلال أحد محضري المحاكم الابتدائية بواجبات وظيفته أو خروجه على مقتضياتها يعتبر ذنباً إدارياً مؤاخذاً عليه قانوناً؛ وإسناده إليه يتعين إن يكون مسبوقاً بتحقيق متكامل لا يقتصر على بعض عناصر الاتهام بل يحيط بها جميعاً، ويمحص أدلتها مع ضمان سماع أقوال المحضر المحال إلى التحقيق، فلا يكون التحقيق مبتسراً أو مجرداً من ضمان موضوعيته، بل وافياً أميناً، وكلما استكمل التحقيق عناصره، وكان واشياً بأن للتهمة معينها من الأوراق، كان عرضه لازماً على الجهة التي أولاها المشرع مسئولية الفصل فيه بشرطين أولهما: أن تكون قضائية في تشكيلها وضماناتها، ثانيهما: ألا يكون من بين أعضائها من اتصل بإجراء سابق على توليها لمهامها سواء كان تحقيقاً أو اتهاماً.
وحيث إن الفصل في الدعوى التأديبية المقامة ضد أحد محضري المحاكم الابتدائية معقود بنص الفقرة الثانية من المادة 167 من قانون السلطة القضائية، لمجلس التأديب، باعتباره هيئة ذات اختصاص قضائي يشارك فيه رئيس المحكمة الابتدائية الذي أجازت له المادة 168 أن تقام هذه الدعوى بناء على طلبه، وكان الأصل ألا يطلب إقامتها قبل أن يستكمل التحقيق مجراه، وأن يكون قد جال ببصره فيه بعد عرضه عليه مرجحاً – على ضوء اعتقاده – ما إذا كان بنيانه متماسكاً أو متهادماً، منتهياً من ذلك إلى المضي في الدعوى التأديبية أو التخلي عنها، وكان ذلك لا يعدو أن يكون رأياً مؤثراً في موضوعية تلك الخصومة وحائلاً دون تأسيسها على ضمانة الحيدة التي لا يجوز إسقاطها عن أحد المتقاضين لتسعهم جميعاً على تباينهم، فإن نص الفقرة الثانية من المادة 167 والمادة 168 يكونان في هذه الحدود مخالفين لأحكام المواد 65، 67، 68 من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 167، والمادة 168 من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972، وذلك فيما تضمنتاه من أن يشترك في مجلس تأديب محضري المحكمة الابتدائية رئيس المحكمة الذي طلب إقامة الدعوى التأديبية، برفض ما عدا ذلك من طلبات، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنية مقابل أتعاب المحاماة.