الخط الساخن : 01118881009

بسم الله الرحمن الرحيم
مجلس الدولة
الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع
ملف رقم 86/ 2/ 343
جلسة 21 فبراير 2007

السيد الدكتور/ وزير المالية

تحية طيبة وبعد،،،،،،

فقد اطلعنا على كتابكم رقم [3486] المؤرخ 10/ 12/ 2006 بشأن مدى أحقية السيدة / ……………. فى تقاضى نصيبها من معاش زوجها بعد ثبوت قتلها إياه وهى تحت تأثير آفة عقلية .
وتخلص واقعات الموضوع _ حسبما يبين من الأوراق _ فى أنه بتاريخ 25/ 8/ 1988 انتهت خدمة السيد / ابراهيم سليمان أحمد لبلوغه سن الستين، وبتاريخ 9/ 4/ 2004 قامت المعروضة حالتها بقتل السيد المذكور، وقيدت الواقعة جناية ضدها برقم 10065/ 2004 المنشية (1617 كلى شرق الاسكندرية )، و ورد بالقيد أنها قتلته عمداً مع سبق الإصرار، بأن بيتت النية و عقدت العزم على إزهاق روحه، وما إن ظفرت به حتى قامت بخنقه بيدها، و سكبت عليه مادة الكيروسين، وأشعلت به النار، فأحدثت به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية و التى أودت بحياته، وقد اقترنت هذه الجناية بجناية أخرى عاصرتها، هى أنها فى ذات الزمان و المكان وضعت النار عمداً فى مسكن المجنى عليه، بأن قامت بسكب كمية من سائل الكيروسين و أوصلته بمصدر حرارى سريع ذى لهب مكشوف فشب الحريق المبين آثاره بالتحقيقات 0وبتاريخ 19/ 7/ 2004 صدر أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قطعياً قبل المعروضة حالتها لامتناع العقاب، مع إيداعها إحدى المصحات الحكومية الخاصة بالطب النفسي لحين شفائها، وقد ثبت بتقرير مستشفى العباسية للطب النفسي أنها تعانى من انفصام وجدانى مزمن، و هو آفة عقلية، و أنها غير مسئولة عن الأفعال المنسوبة إليها، وبناء عليه صدر الأمر المشار إليه.
وإزاء اختلاف الآراء حول مدى استحقاق المعروضة حالتها لنصيبها فى معاش زوجها، فقد عرض صندوق التأمين الاجتماعي للعاملين بالقطاع الحكومى الحالة الماثلة على الوزارة، لذلك فإنكم تطلبون الرأى .
ونفيد أن الموضوع عـرض على الجمعية العمومية لقسمى الفـتوى والتـشريع بجلستها المعقودة بتاريخ 21 من فبراير سنة 2007، الموافق 3 من صفر سنة 1428هـ، فاستبان لها – على ما جرى به إفتاؤها بجلسة 24/ 9/ 1997 – أن المعاش ليس تركة، ولايخضع فى شروط وموانع استحقاقه، وتحديد الأنصبة فيه لأحكام وقواعد الميراث والتركة، و إنما يخضع فى ذلك لأحكام النظام القانونى العقدى أو اللائحى للتأمين بنصوصه ومبادئه وقواعده الاصولية، التى تمثل الإطار العام لتنظيم العلاقة التأمينية التى ينشأ عنها هذا المعاش، و أن العلاقات التى تربط بين الأطراف المختلفة فى مجال القانون العام إنما تعتبر علاقات لائحية تنشئها التشريعات بمستوياتها المتباينة،دون أن تكتسب أصل قيامها وانتهائها وأحكامها المتبادلة والمنظمة من شروط عقدية يشرطها أطراف هذه العلاقات بمحض إرادتهم المتبادلة وبتوافق هذه الإرادات 0 وأن الصيغة اللائحية هى ما يفرق روابط القانون العام عن روابط القانـون الخاص المعتمدة على توافـق الإرادات، بحسبان أن العقد شريعة المتعاقدين، و أن ثمة ما يصل بين علاقات القانون العام وعلاقات القانون الخاص من حيث الطبيعة القانونية للعلاقة النوعية المعنية0 وأن العلاقة الوظيفية إن انبنت على أساس الروابط اللائحية التى لا يملك أى من طرفيها تعديلها إلا بالأداة اللائحية التشريعية المناسبة على خلاف علاقات عقد العمل التى تنبنى على أساس التوافق الإرادى من طرفيها بحسبان الحاكمية المستمدة من التوافق الإرادى فى الاطار التشريعى العام الضابط0
إن كان ذلك كله كذلك إلا أن كلا علاقتى العمل اللائحية والعقدية إنما تجمعهما الطبيعة القانونية لنوع العلاقة من حيث جوهرها ومؤداها القانونى فى إطار المراكز القانونية المتبادلة، فهى فى الحالين من حيث الطبيعة القانونية تظل علاقة عمل، يميزها عمل العامل تحت إدارة صاحب العمل أو إشرافه، ويميزها أنها تمارس لقاء أجر يؤديه صاحب العمل للعامل0 وبالمثل بالنسبة لنظام التأمين، فهو يقوم بصيغتين صيغة لائحية تنظمها قوانين المعاشات والتأمينات بما تستقر به العلاقة على أسس لائحية تنتظم بالتشريعات المحددة للمراكز القانونية والاستحقاقات المتبادلة بين أطراف العلاقة، وصيغة عقدية تنظم بالعلاقـة العقدية وتستمد الحقوق المتبادلة فى شأنها بما يتوافـق عليه أطراف هذه العلاقة بما يبرمونه من عقود0 وأن نظام التأمين بكلتا صيغتيه اللائحية والعقدية إنما يتميز بطبيعة قانونية أساسية واحدة، وهى إنه علاقة بمقتضاها يؤدى المؤمن إلى المؤمن له مالاً أو إيراداً مرتباً أو عوضاً آخر فى حالة وقوع حادث أو تحقق خطر أو حلول أجل، وذلك نظير أقساط أو دفعات تبدأ تأديتها سلفاً، طبقا لحكم المادة ( 747) من القانون المدنى .
واستبان للجمعية العمومية أيضا، أن علاقة التأمين، سواء جرت بصيغة لائحية أو عقدية، فإن واحداً من أسس قيامها الجوهرية أن يكون استحقاق التأمين للمؤمن له أو للمستفيد ناتجاً عن وقوع حادث أو حلول أجل أو تحقق ضرر، وذلك كله بموجب واقعة قانونية لا دخل لإرادة المستحق فيها0 وأن الحادث أو الأجل إنما ينبغى أن يتحقق بغير ترتب إرادى مباشر مقصود من المستحق المؤمن له أو المستفيد، وذلك طبقا لحكم المادتين (749) و(751) من القانون المدنى. وأن القول بغير ذلك يؤدى إلى تحقق الاستحقاق بمحض توجه إرادة المؤمن له أو المستفيد إلى ذلك أو بموجب اصطناعه المقصود به ترتيب الاستحقاق ترتيباً إراديا. وهذا أمر ينهار به نظام التأمين وتختل علاقاته. لذلك فإن المشرع فى القانون المدنى حرص على تأكيد معنى الاستحقاق بموجب وقوع الحادث أو تحقق الضرر أو حلول الأجل بغير طريق الاصطناع الإرادى أو الترتيب المقصود بأثره من جانب المستحق. ومن ذلك أن المشرع أسقـط الاستحقاق حال الانتحار، بحسبان أن الانتحار فعل إرادى يرتب الوفاة،واستثنى من ذلك انتحار فاقد الإرادة بحسبان أن الاستحقاق ينبغى أن يدور مع الحادث المتجرد من التوجه الإرادى للمستحق مؤمنا عليه أو مستفيداً، على نحو ما نصت عليه المادة (756) من القانون المدنى؛ و هو ما تستخلص منه الجمعية العمومية أن المشرع فى القانون المدنى اعتبر أن فقدان الإرادة فى هذه الحالة لا يسقط التزام المؤمن تجاه المستفيد. يؤكد ذلك ما تنص عليه المادة (757 ) من القانون المدنى من أن “(1) اذا كان التأمين على حياة شخص غير المؤمن له، برئت ذمة المؤمن من التزاماته متى تسبب المؤمن له عمدا فى وفاة ذلك الشخص، أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه.(2) و اذا كان التأمين على الحياة لصالح شخص غير المؤمن له، فلا يستفيد هذا الشخص من التأمين إذا تسبب عمداً فى وفاة الشخص المؤمن على حياته، أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه 0000″ الأمر الذى يستفاد منه أنه لكى يحرم المستفيد من مبلغ التأمين فى حالة ازهاقه روح المؤمن له، فإنه لابد أن يكون هناك تعمد للقتل بما يحمله من تعدى و تمييز لما يقدم عليه الجانى، فإذا اختلت الإرادة بآفة عقلية افقدت الجانى شعوره و اختياره فانعدمت إرادته للفعـــل
واختياره له، فلا يسقط حقه تجاه المؤمن،و هو ما ينتفى معه إعمال حكم القياس بين من قتل المؤمن له عمداً، وقامت مسئوليته من هذا الفعل، و من قتله تحت تأثير آفة عقلية، فلا يستويان مثلا .
وحيث إن المشرع نظم أحكام التأمين الناشىء عن علاقة العمل،عقدية كانت أو لائحية، بقانون التأمين الاجتماعى الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، وحدد في المادة (18) منه حالات استحقاق المعاش، فنص على أن ” يستحق المعاش فى الحالات الآتية : 1- انتهاء خدمة المؤمن عليه ببلوغه سن التقاعد المنصوص عليه بنظام التوظف المعامل به، أو لبلوغه سن الستين ….،2- …..”، و نص فى المادة (104 ) من ذات القانون على أن ” اذا توفى المؤمن عليه او صاحب المعاش كان للمستحقين عنه الحق فى تقاضى معاش وفقا للانصبة و الاحكام المقررة بالجدول رقم (3) المرافق من أول الشهر الذى حدثت فيه الوفاة ؛ و يقصد بالمستحقين الارملة، والمطلقة، والزوج، و الابناء، والبنات، والوالدين،و الاخوة، و الاخوات الذين تتوافر فيهم فى تاريخ وفاة المؤمن عليه او صاحب المعاش شروط الاستحقاق …”
ومن مفاد ذلك، طبقاً لما جرى عليه إفتاء الجمعية العمومية المشار إليه، أن علاقة التأمين من الوفاة الناشئة عن علاقة العمل، والتى ينتظمها بأحكامه قانون التأمين الاجتماعى المشار إليه، تستوى والعلاقة التأمينية الناشئة عن عقد التأمين المنظمة أحكامه بنصوص القانون المدنى، فى أنهما يؤمنان من خطر الوفاة بمفهومها كواقعة مادية محضة وحادثة محتملة الوقوع وغير موكول وقوعها إلى إرادة المؤمن له أو المستفيد، فإن أحدثتها إرادة المؤمن له أو المستفيد انحسرت الحماية التأمينية عمن أحدث بفعله الحدث الذى بحدوثه يترتب استحقاق التأمين، فإذا اختلت الإرادة بآفة عقلية أفقدت الجانى شعوره و اختياره فانعدمت إرادته للفعل و اختياره له وبالتالى انعدمت مسئوليته قانوناً عنه فلا يسقط حقه تجاه المؤمن ؛ ومن ثم لا غرو فى أن يخضع المعاش فى استحقاقه لهذا الحكم القانونى الذى يعبر عن أحد القواعد الأصولية العامة فى التأمين، وبناء عليه فإن واقعة قتل الزوجة لزوجها، وهى تحت تأثير آفة عقلية تفقدها إرادتها، لا تحرمها من نصيبها فى معاش الزوج.
يضاف إلى ذلك، تأكيداً لما تقدم، أنه من المستقر عليه، فقها و قضاء، أن الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الصادر من النيابة العامة، طبقا لحكم المادة( 209 ) من قانون الإجراءات الجنائية، والتى يجرى نصها على أن ” إذا رأت النيابة العامة بعد التحقيق أنه لا وجه لإقامة الدعوى تصدر أمرا بذلك، و تأمر بالافراج عن المتهم المحبوس، ما لم يكن محبوسا لسبب آخر 000000″، متى صدر بناء على أسباب عينية، ومن ذلك ألا تكون الجريمة قد وقعت أصلاً، أو أنها فى ذاتها ليست من الأفعال التى يعاقب عليها القانون، يكتسب – كأحكام البراءة – حجية، و يمنع من رفع الدعوى الجنائية .والثابت أن الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الصادر فى الحالة المعروضة، بنى على ما ثبت من امتناع عقاب المعروضة حالتها لكونها تعانى من انفصام وجدانى مزمن، وهو آفة عقلية، وذلك إعمالاً لنص المادة (62) من قانون العقوبات، من أنه ” لا عقاب على من يكون فاقد الشعور او الاختيار فى عمله وقت ارتكاب الجريمة، أما لجنون أو عاهة فى العقل 0000000″ ومن ثم فإن، ذلك الأمر يكتسب – كأحكام البراءة – حجية تمنع من رفع الدعوى الجنائية .

لذلك

انتهت الجمعية العمومية لقسمى الفتوى و التشريع إلى استحقاق السيدة المعروضة حالتها لنصيبها فى معاش زوجها، وذلك على النحو المبين بالأسباب .

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام ،،،

رئيس الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع
المستشــار / نبيل ميرهم
النائب الأول لرئيس مجلس الدولة