الخط الساخن : 01118881009

الدستورية العليا : عدم دستورية المادة (85) من القانون رقم 66 لسنة 1974 بشأن نقابة المهندسين، فيما نصت عليه من جواز حرمان العضو من كل أو بعض ما تقرر له من معاش، إذا حكم عليه تأديبيًّا أو قضائيًّا، لأمور ماسة بالشرف، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة

الجريدة الرسمية – العدد 49 مكرر – السنة الحادية والستون
30 ربيع الأول سنة 1440هـ ، الموافق 10 ديسمبر سنة 2018م

باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الأول من ديسمبر سنة 2018م، الموافق الثالث والعشرون من ربيع أول سنة 1440 هـ.
برئاسة السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: سعيد مرعى عمرو ورجب عبد الحكيم سليم
والدكتور حمدان حسن فهمى وحاتم حمد بجاتو والدكتور عبدالعزيز محمد سالمان والدكتور طارق عبد الجواد شبل نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشرى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع أمين السر

أصدرت الحكم الآتي:

فى الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 100 لسنة 38 قضائية ” دستورية “.

المقامة من:

فادية أبو المجد أحمد البيلى

ضد

1- رئيس مجلس الوزراء
2- نقيب المهندسيـن
3- رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى


الإجراءات

بتاريخ الثامن عشر من سبتمبر سنة 2016، أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبة الحكم بعدم دستورية نص المادة (85) من القانون رقم 66 لسنة 1974 بشأن نقابة المهندسين.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها.
كما أودع الحاضـر عن المدعى عليه الثانى مذكـرة، طلب فيها الحكم أولاً: بعدم قبول الدعوى، ثانيًا: برفضها.
كذلك أودع الحاضر عن المدعى عليه الثالث مذكرة، طلب فيها الحكم بعدم قبول الدعوى فى مواجهته.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم، مع التصريح بمذكرات خلال أسبوع، ولم تودع أية مذكرات.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – فى أن المدعية أقامت الدعوى رقم 4398 لسنة 2014 مدنى كلى شمال القاهرة، مختصمة كلاًّ من نقيب المهندسين ورئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى، بطلب الحكم باستحقاقها المعاش، مع إلزام المعلن إليهم المصروفات وأتعاب المحاماة، على سند من القول بأنها حاصلة على بكالوريوس الهندسة من جامعة القاهرة عام 1971، وتعمل مهندسة (شعبة العمارة)، وهى عضو بنقابة المهندسين، وإذ تجاوزت سـن العمل، فقد أصبح لها الحـق فى معاش النقابـة. وعند توجهها للحصول على هذا المعاش، رفضت الجهة المختصة صرفه، لاتهامها فى قضية سابقة، رغم أنها قامت بسداد التزاماتها طوال فترة عملها، ولم تتخلف عن سدادها. وأثناء نظر الدعوى أمام محكمة الموضوع، قدمت المدعية مذكرة دفاع دفعت فيها بعدم دستورية المادة (85) من القانون رقم 66 لسنة 1974 بشأن نقابة المهندسين، وطلبت فى ختام هذه المذكرة الحكم أصليًّا: باستحقاقها للمعاش، واحتياطيًّا: إحالة الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية نص المادة (85) المشار إليه، فقضت المحكمة برفض الدعوى، مشيدة قضاءها علـى ما نصت عليه المادة (85) من القانون رقـم 66 لسنة 1974 بشأن نقابة المهندسين، من حرمان المدعية من المعاش لمعاقبتها، بموجب الحكم الصادر عن محكمة جنايـات القاهرة فـى القضية رقـم 656 لسنة 2005 جنايات الوايلى، بجلسة 14/4/2008، بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات، لاتهامها فى جريمة رشوة، وبمصادرة الأموال موضوع جرائم الرشوة، والعزل من الوظيفة، ومن ثم لا تكون المدعية مستحقة معاشها للحكم عليها، قضائيًّا، فى إحدى الجرائم الماسة بالشرف، وذلك إعمالاً لصريح أحكام المادة (85) آنفة الإشارة. وإذ لم ترتض المدعية هذا القضاء، طعنت عليه ، أمام محكمة استئناف القاهرة، بالاستئناف رقم 955 لسنة 20 قضائية، طالبة الحكم بإلغاء حكم أول درجة، والقضاء مجددًا بإحالة الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا، لاستناد الحكم المستأنف إلى نص المـادة (85) من القانـون رقم 66 لسنة 1974 المشار إليه، والتى دفعت أمـام محكمة أول درجـة، بعـدم دستوريته. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعية برفع الدعوى الدستورية، أقامت دعواها المعروضة.

وحيث إن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى دفعت بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذى صفة بالنسبة لها، لخروج موضوع الدعوى من اختصاصها، إذ إن الدعوى موجهة ضد نقابة المهندسين، للحصول على معاش منها، فهذا الدفع سديد، ذلك أن المادة (75) من القانون رقم 66 لسنة 1974 بإنشاء نقابة المهندسين تنص على أن “ينشأ بالنقابة صندوق للمعاشات والإعانات، يقوم بترتيب معاشات، وإعانات، وقتية أو دورية، لأعضاء النقابة، أو لورثتهم، طبقًا لأحكام هذا القانون، والقواعد التى يقررها النظام الداخلى للنقابة”، ومن ثم فإن الجهة ذات الصلة بالمعاشات، التى تصرفها نقابة المهندسين لأعضائها، هى النقابة ذاتها، وليست الهيئة القومية للتأمين والمعاشات، ومن ثم فإن اختصامها فى الدعوى المتعلقة بالمعاشات، التى تصرفها نقابة المهندسين فى غير محله، مما يتعين معه القضاء بعدم قبول هذه الدعوى بالنسبة لها.
وحيث إنه عن دفع كل من هيئة قضايا الدولة ونقابة المهندسين بعدم قبول الدعوى، استنادًا إلى أنه لم يكن ثمة دفع واضح بعدم الدستورية، أمام محكمة الموضوع، ولم تبد هذه المحكمة أسباب تقديرها لجديته، فمردود: بأن الثابت من مذكرة دفاع المدعية، المقدمة إلى محكمة الموضوع، أنها ضمنتها دفعًا بعدم دستورية نص المادة (85) المطعون فيه، إلا أن محكمة الموضوع التفتت عن هذا الدفع، وحكمت فى موضوع الدعوى برفضها، استنادًا إلى هذه المادة، فطعنت المدعية فى هذا الحكم بالاستئناف، طالبة إحالة الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل فى دستورية النص المذكور، فقدرت محكمة الاستئناف جدية هذا الدفع، وصرحت برفع الدعوى الدستورية، وإن لم تذكر أسباب تقديرها لهذه الجدية، إذ ليس لازمًا فى مجال تقدير جدية الدفع المثار أمام محكمة الموضوع – أن تتخذ فيه قرارًا صريحًا قاطعًا بما اتجهت إليه عقيدتها، بل يكفى أن يكون تقديرها الجدية مستفادًا، ضمنًا، من عيـون الأوراق، إذ يعتبر إرجاء الفصل فى النزاع الموضوعى، إلى أن تقدم المدعية ما يدل على رفع دعواها الدستورية قرارًا ضمنيًّا بقبول الدفـع.
وحيث إن المادة (75) من القانون رقم 66 لسنة 1974 بشأن نقابة المهندسين تنص على أن “ينشأ بالنقابة صندوق للمعاشات والإعانات، يقوم بترتيب معاشات وإعانات، وقتية أو دورية، لأعضاء النقابة، ولورثتهم، طبقًا لأحكام هذا القانون والقواعد التى يقررها النظام الداخلى للنقابة”.
وتنص المادة (76) من القانون ذاته على أن “تتكون موارد صندوق الإعانات والمعاشات مما يأتى:
(1) رسوم قيد الأعضاء.
(2) ثلثا اشتراكات الأعضاء السنوية.
(3) ما تساهم به الدولة من إعانة سنويًا فى هذا الصندوق.
(4) التبرعات والهبات والوصايا التى يقبلها مجلس النقابة لمصلحة الصندوق.
(5) أرباح مطبوعات النقابة ومقابل ما تقوم به من نشاط.
(6) نصف الرسم المحصل على إنتاج الأسمنت.
(7) نصف الرسم المحصل على إنتاج حديد التسليح المحلى.
(8) حصيلة طوابع الدمغة الهندسية على الأوراق والدفاتر والرسومات والعقود الهندسية.
(9) الرسوم على طلبات تقدير الأتعاب.
(10) إيرادات الاستثمارات التى تجريها النقابة.
(11) جميع الموارد الأخرى المشروعة”.
كما تنص المادة (78) على أن “يكون للعضو الحق فى معاش بالشروط وفى الحالات الآتية:
( أ ) أن يكون قد أدى الاشتراكات المستحقة عليه ما لم يكن قد أعفى منها بقرار من مجلس النقابة.
(ب) أن يثبت عجزه صحيًّا عن مزاولة المهنة بقرار من القومسيون الطبى العام قبل بلوغه سن الستين.
(ج) أن يكون قد أحيل إلى المعاش أو بلغ سن الستين بشرط أن يكون قد مضى على تخرجه أكثر من خمسة عشر عامًا وألا تقل مدة قيده عن عشرة أعوام.
( د ) إذا كانت خدمته فد انتهت لأسباب أخرى يرى مجلس النقابة معها منح معاش للعضو”.
ثم نصت المادة (85) المطعون فيها على أنه “يجوز لمجلس النقابة حرمـان العضو من كل أو بعض ما تقرر له من معاش، أو إعانة، إذا حكم عليه تأديبيًّا، أو قضائيًّا، لأمور ماسة بالشرف، ويجب أن يصدر القرار، فى هذه الحالة، بأغلبية ثلثى أعضاء مجلس النقابة”.
وحيث إن مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازمًا للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع. وأن شرط المصلحة الشخصية المباشرة الذى يحدد للخصومة الدستورية نطاقها، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية ، وليس من معطياتها النظرية أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية، فلا يمتد لغير المطاعن التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعى، بالقدر اللازم للفصل فيه، ومؤدى ذلك أن يقيم المدعى الدليل على أن ضررًا واقعيًّا قد لحق به، وأن يكون هذا الضرر عائدًا إلى النص المطعون فيه، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعـود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.
وحيث إنه لما كان ذلك، وكان جوهر النزاع الموضوعى يدور حول طلب المدعية – وهى مهندسة مقيدة بنقابة المهندسين – استحقاق معاشها الذى كانت تتقاضاه من نقابتها، بعد حرمانها منه، لإدانتها بحكم قضائى، فى جريمة رشوة، إعمالاً لنص المادة (85) المطعون فيها، ومن ثم تتوافر للمدعية مصلحة مباشرة، فى رفع هذا الحرمان الذى قررته المادة المشار إليها، ويتحدد نطاقها فيما نصت عليه تلك المادة من جواز حرمان العضو من كـل أو بعض ما تقرر له من معاش، إذا حكم عليه، تأديبيًّا أو قضائيًّا، لأمور ماسة بالشرف، دون أن يتعداه إلى غيره من الأحكام، التى تضمنتها تلك المادة.
وحيث إن المدعية تنعى على هذا النص إهداره مبدأ المساواة بين نقابة المهندسين، وغيرها من النقابات المهنية إذ لا يوجد مثل هذا النص فى قوانينها، ومخالفته مبدأ التزام النقابات المهنية بالدفاع عن حقوق أعضائها والإسهام فى رفع مستوى الكفاءة بينهم وحمايـة مصالحهم، وكذلك مبدأ كفالة الدولـة لمواطنيهـا ما يحفظ كرامتهم الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية.
وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين، من حيث مطابقتها القواعد الموضوعية التى نظمها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيـره، إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلاً – وعلى ما جرى عليه قضـاء هذه المحكمة – صون الدستور القائم، وحمايته من الخروج على أحكامه، ذلك أن نصوص هذا الدستور تمثل دائمًا القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام، التى يتعين التزامها ومراعاتهـا وإهـدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة، ومن ثم فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها على النص المطعون فيه، من خلال أحكام الدستور الحالى الصادر سنة 2014.
وحيث إن المادة (8) من الدستور تنص على “يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعى.
وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير سبل التكافل الاجتماعى، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذى ينظمه القانـون”. وتنص المادة (17) منه على أن “تكفل الدولة توفير خدمات التأمين الاجتماعى.
ولكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعى الحق فى الضمان الاجتماعى بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرًا على إعالة نفسه وأسرته، وفى حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة”. كما تنص المادة (35) منه على أن “الملكية الخاصة مصونة …”، كذلك تنص المادة (76) من الدستور ذاته على أن “إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطى حق يكفله القانون. وتكون لها الشخصية الاعتبارية، وتمارس نشاطها بحرية، وتسهم فى رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم، وحماية مصالحهم”. وأخيراً تنص المادة (77) منه على أن “ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطى، ويكفل استقلالها ويحدد مواردها، وطريقة قيد أعضائها، ومساءلتهم عن سلوكهم فى ممارسة نشاطهم المهنى، وفقًا لمواثيق الشرف الأخلاقية والمهنية”.
وحيث إنه من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن الدستور إذ عهد بنص المادة (128) منه إلى المشرع بصوغ القواعد القانونية التى تتقرر بموجبها على خزانة الدولة مرتبات المواطنين ومعاشاتهم وتعويضاتهم وإعاناتهم ومكافآتهم، على أن ينظم أحوال الاستثناء منها، والجهات التى تتولى تطبيقها، فذلك لتهيئة الظروف التى تفى باحتياجاتهم الضرورية، وتكفل مقوماتها الأساسية التى يتحررون بها من العوز، وينهضون معها بمسئولية حماية أسرهم والارتقاء بمعاشها، بما مؤداه أن التنظيم التشريعى للحقوق التى كفلها المشرع فى هذا النطاق يكون مجافيًا أحكام الدستور، منافيًا لمقاصـده إذا تناول هذه الحقـوق بما يهدرها أو يفرغها من مضمونها.
وحيث إن لازم ذلك أن الحـق فى المعـاش – إذا توافر أصـل استحقاقـه وفقًا للقانون – إنما ينهض التزامًا على الجهة التى تقـرر عليها، وهو ما تؤكده قوانين التأمين الاجتماعى، على تعاقبها، إذ يتبين منها أن المعاش الذى تتوافر بالتطبيق لأحكامها شروط اقتضائه عند انتهاء خدمة المؤمن عليه وفقًا للنظم المعمول بها، يعتبر التزامًا مترتبًا بنص القانون فى ذمة الجهة المدينة، وإذ كان الدستور قد خطا بمادته (17) خطوة أبعد فى اتجـاه دعـم التأمين الاجتماعى حين ناط بالدولة أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية، الاجتماعية منها والصحية، بما فى ذلك تقرير معاش لمواجهة بطالتهـم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم فى الحدود التى يبينها القانون، فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعى، التى يمتد نطاقها إلى الأشخاص المشمولين بها، هى التى تكفل لكل مواطن الحد الأدنى لمعيشة كريمة لا تمتهن فيها آدميته، والتى توفر لحريته الشخصية مناخها الملائم، ولضمانة الحق فى الحياة أهم روافدها، وللحقوق التى يمليها التضامن بين أفراد الجماعة التى يعيش فى محيطها، مقوماتها، بما يؤكد انتماءه إليها، وتلك هى الأسس الجوهريـة التى لا يقوم المجتمع بدونها، والتى تعتبر المادة (8) من الدستور مدخـلا إليها.
وحيث إن تنظيم المهن الحرة، ومنها الهندسة، وهى مرافق عامة، مما يدخل فى صميم اختصاص الدولة، بوصفها قوامة على المصالح والمرافق العامة، فإذا رأت الدولة أن تتخلى عن هذا الأمر، لأعضاء المهنة أنفسهم، لأنهم أقدر عليه، مـع تخويلهم نصيبًا من السلطة العامـة يستعينون بـه على تأديـة رسالتهـم، مـع الاحتفاظ بحقها فى الإشراف والرقابة تحقيقًا للصالح العام، فإن مؤدى ذلك أن تقوم الهيئات التمثيلية لهذه المهن بما تلتزم به الدولة تجاه أصحابها.
وحيث إنه لما كان ذلك ، وكان المشرع قد أنشأ صندوقًا للمعاشات والإعانات، يقوم بترتيب معاشات، لأعضاء نقابة المهندسين، ولورثتهم، تحقيقًا للتكافل بين سائر أعضاء النقابة، لمواجهة الأخطار الاجتماعية، التى قـد يتعرض لها أى منهم، محددًا إياهـا بالتقاعـد، أو الوفاة، أو العجز الصحى، وذلك لضمان دخل بديل للمهندس، أو ورثته، بحسب الأحوال، إذا ما تحقق أى من هذه الأخطار، فلا يترك، أو يتركـون فريسة فى مواجهتها. فلهذا التأمين، بهذه المثابة، وظيفة اجتماعية، تتمثل فى درء الخطـر عـن المهندسين أو ورثتهم، ويقوم على اعتبار اجتماعى، مبناه التضامن بين المهندسين الذين تجمعهم ظروف متشابهة، ويتعرضون للأخطار ذاتها. والاشتراك فيه يشمل جميع المهندسين، ويتم تغطيته عن طريق ثلثى الاشتراكات التى يؤديها المستفيدون منه سنويًّا، على النحو المتبع فى الغالبية العظمى من نظم التأمين، وعن طريق موارد أخرى، نصت عليها المادة (76) من قانون نقابة المهندسين المشار إليه، من أهمها رسوم قيد الأعضاء، والدمغة الهندسية، ورسوم تقدير الأتعاب، وبعض الرسوم التى تحصل عند توافر موجباتها. وهى موارد ارتأى المشرع توجيهها لتحقيق الوظيفة الاجتماعية سالفة البيان، بإدراجها كموارد رئيسية للصندوق القائم على تحقيقها ، محددًا حالات الخطر التى يضطلع الصندوق، تحقيقًا لوظيفته الاجتماعية، بدرئها. وإذ أجاز النص المطعون عليه لمجلس نقابة المهندسين بقرار يصدر بأغلبية ثلثى أعضاء المجلس حرمان العضو من كل أو بعض ما تقـرر له مـن معاش، إذا حكم عليه تأديبيًّا، أو قضائيًّا، لأمور ماسة بالشرف، فإنه يكون قد أهدر حق المهندس، حالئذ، فى التأمين الاجتماعى، الذى أنشئ صندوق معاشات وإعانات النقابة لتحقيقه، ضمانًا لحيـاة كريمة للمهندس المحـال إلى المعاش وأسرتـه، مما يتمخض معه هذا النص حرمانًا من التأمين الاجتماعى وإهدارًا لمبدأ التضامن الاجتماعى، ومن ثم عدوانًا على حقوق هذه الفئة من المواطنين، أعضاء نقابة المهندسين، يجاوز سلطة المشرع العادى فى تنظيم ممارسة الحقوق والحريات، والتى أخضعها الدستور بمقتضى نص الفقرة الثانية من المادة (92) منه، لقيد عام، بموجبه لا يجوز للتنظيم الذى يقرره أن ينال من أصل هذه الحقوق والحريات وجوهرها، سواء كان مصدرها الدستور ذاته أو القانون، الأمر الذى يقع معه النص المطعون فيه مصادمًا بذلك لنصوص المواد (8، 92 /2 ، 128) من الدستور.
وحيث إن الحماية التى كفلهـا الدستور لحـق الملكية الخاصـة – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذى قيمة مالية، سـواء أكان هذا الحق شخصيًّا أو عينيًّا، أم كان من حقـوق الملكية الأدبية أم الصناعية، وهو ما يعنى اتساعها للأموال بوجه عام، وكان النص المطعون فيه، وإذ حرم المهندس من اقتضاء معاشه، فى الحالة المشار إليها، رغم وفائه بالتزاماته، قبل نقابة المهندسين، خلال مدة مزاولته لمهنة الهندسة، طبقًا لنص المادة (76) من قانونها، ومنها رسم قيده، وثلثا اشتراكاته، وهى أموال مملوكة له، فإنه يكون قد حرم المهندس، دون مقتض، من الحقوق التى تثرى الجانب الإيجابى من ذمته المالية، منطويًا، والحال هذه، على عدوان على الملكية الخاصة التى صانها الدستور، مخالفًا بذلك لنصى المادتين (33، 35) من الدستور.
وحيث إنه لما كان ما تقدم، فإن ما تضمنه النص المطعون فيه من جواز حرمـان العضو من كـل أو بعض ما تقرر له من معاش، إذا حكـم عليه تأديبيًّا أو قضائيًّا، لأمور ماسة بالشرف، يضحى مخالفًا لنصوص المواد (8، 33، 35، 92/2، 128) من الدستور، مما يتعين معه القضاء بعدم دستوريته.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة (85) من القانون رقم 66 لسنة 1974 بشأن نقابة المهندسين، فيما نصت عليه من جواز حرمان العضو من كل أو بعض ما تقرر له من معاش، إذا حكم عليه تأديبيًّا أو قضائيًّا، لأمور ماسة بالشرف، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة.  

وسوم :